تعلق به منذ نعومة أظافره ونشأ على قصصه وحكاياته التي لا تنتهي إثارة واستكشافاً، فمع البحر تنتهي أحزانه وتتلاشى همومه، وبسماعه لقصص الأجداد ورحلات البحر يقترب إلى الخيال أكثر، فلم يكن بمقدور علي صقر السويدي، رئيس مجموعة الإمارات للبيئة البحرية، إلا أن يقدم الكثير والكثير للبيئة، فمن بعد عمله رائداً في القوات المسلحة وتقاعده كرس جهوده في تأسيس أقسام بحثية ومحميات طبيعية تعنى بالبيئة وقضاياها . وفي الحوار الآتي تتكشف شجونه الكبيرة تجاه البحر ورمزيات الماضي والأجواء التي يقضيها مع عائلته، وعن صدماته بالصداقات ومكاسبه من الحياة تحدث، ولم يفوت الفرصة في مدح المرأة التي يثق فيها ووصفها بالمخلصة الوفية .
تعد رجلاً من رجال البحر، احترفت الغوص وأسست مجموعة الإمارات للبيئة البحرية، ما سر انجذابك للبحر لهذه الدرجة؟
- القصص والحكايات المثيرة التي عاشها أجدادي مع البحر هي مصدر إلهامي وعشقي له، فقد كان جدي لأمي يمتلك سفينة اسمها (شامبان) يجوب بها الهند وسيلان وبصرى وباكستان، وغيرها من البلدان في موسمي الشتاء والصيف، وأيضاً جدي لأبي كان من رجال البحر، وأصبح غنياً في يوم واحد عندما عثر على لؤلؤة كبيرة، وكان والدي يرافق جدي في رحلاته الطويلة التي كانت تستمر من ثلاثة إلى أربعة شهور، ويعودون بآلاف المحارات من قاع البحر، ومع هذه القصص اتسعت دائرة خيالاتي ولا أنسى عندما كنت في عمر السادسة كيف كنت أحلم بالغوص في عمق البحر واستكشاف عوالمه المثيرة .
وما العوامل التي ساعدتك على أن تكون غواصاً ماهراً؟
- تواصلي مع البحر منذ الصغر وإقامة أهلي لأشهر عديدة على شواطئه هو من جعلني أقترب منه أكثر، فكانت عائلتي تقطن في منطقة الحمرية في دبي، وكان لوالدي بيت من القش نجلس فيها ثلاثة شهور، وأذكر أول تجربة غوص كانت في عمر الرابعة عشرة ورغم تحذيرات عائلتي لي بعدم الغوص إلا أنني خضت هذه التجربة ومشاعري مختلطة بين الخوف ومتعة الإثارة، فأنا أعشق الغوص كثيراً .
وهل لديك هوايات واهتمامات أخرى؟
- أهتم بقراءة الصحف والأخبار، ولكنني في الفترة الحالية أتابع البرامج الحوارية على قناتي الجزيرة والعربية بخاصة برنامج #187;حوار العرب#171;، وللشعر مكانة خاصة في نفسي وتشدني أيضاً القصائد القديمة والشعر المحلي خاصة للشاعر راشد الخضر، أما الرياضة فهي شريان حياتي، ففي السابق كنت لاعباً بمنتخب الوصل وكابتن الفريق ومديره لمدة ثلاث سنوات، ومازلت شغوفاً بهذه الرياضة إلى الآن، وكذلك أعشق تصوير الأفلام البيئية الشبيهة بأفلام الكابتن جاك ايف كوستو وولده ميشيل فهم مصدر إلهامي، بالإضافة إلى أنني أوثق قصص الأجداد وكبار السن وأكتب تفاصيلها، وجمعت أكثر من 200 قصة حقيقية عاصرها الأجداد في كتابي الأول (جذور الماضي) الذي انتهيت من تأليفه وطبع بعدة لغات الإنجليزية والفرنسية والأسبانية والألمانية .
ماذا عن حياتك العائلية وكيف تتعامل مع أبنائك؟
- ناصر أكبر أبنائي الذي انتهى من دراسته الجامعية قسم محاسبة، وريم ستتخرج بعد شهر وتخصصها إدارة أعمال، وعبد الله عمره 14 سنة، لا أفرق بين أبنائي أبداً وربيتهم على الصدق والصراحة في كل شيء، حتى أنني أقول لابنتي ريم إذا تعرضت لأي موقف محرج لا تتردي بإخباري أنا ووالدتك، لأنني أؤمن أن الصراحة تفتح جميع الأبواب المغلقة، وتحمي أبنائي في زمن اختلط فيه الحابل بالنابل .
كيف تقضي أوقات فراغك، ومع من؟
- مع عائلتي وأستمتع بلقاء أهلي وإخوتي في يوم الجمعة الذي اعتبره من أفضل الأيام لدي، فنحن عائلة كبيرة نجتمع مع بعضنا بعضاً في أجواء دافئة يغمرها الحب والصفاء، وفيها تجتمع أحاديث الماضي مع الحاضر، وذكريات أهلنا وأجدادنا، والعبر نأخذها من كبار السن، وفي كل لقاء أخرج مستفيداً ومحملاً بمعلومات غنية تثري مخيلتي علماً ومعرفة .
هل تحب أن تخطط لقضاء يوم ترفيهي مع عائلتك؟
- صحيح أنني أحب قضاء أغلب أوقاتي مع عائلتي، إلا أنني أعترف أن اهتمامي بقضايا بالبيئة استحوذ على كامل تفكيري، وشغلني كثيراً، ولا أجد الوقت الكافي للترفيه بسبب تركيزي على العمل التوعوي والتثقيفي البيئي، وزرعه في عقول الشباب بصفة مباشرة، ومن خلال خطط واستراتيجيات معينة خلقت أجواء جديدة للشباب الذين تفاعلوا معها، وهذا ما حرصت عليه في محمية جبل علي حيث ألتقي مع مجموعة من الطلبة والطالبات لتعريفهم بتاريخ أرضهم وقيمة ثرواته الطبيعية ويغمرني السرور عندما يشارك الشباب في أنشطة المحمية وبرامجها .
وإلى أين تتجه أحلامك وطموحاتك؟
- #187;ما كل ما يتمنى المرء يدركه#171; كما يقال، ولطالما حلمت أن أكون طياراً وأحلق في عوالم السماء، لكن هذا الحلم لم يتحقق ربما هي الأقدار أوالظروف أيضاً التي تفرض أحكامها بدون سابق إنذار، وأذكر عندما تقدمت لكلية الطيران تم رفض طلبي بعد إجراء الفحص الطبي، حيث كسرت قدمي أثناء لعبي مباراة في كرة القدم فقد كنت لاعباً في منتخب الوصل، ولكن أبنائي تخصصوا في اختصاصات يحبونها فمع أنني كنت أتمنى لناصر، أن يتخصص في دراسات بيئية وعلمية خاصة في علوم البحار لكنه تخصص في المحاسبة، وحصل على درجة الماجستير، أما ريم فدراستها كانت لإدارة الأعمال، وهي رغبتها ورغبة والدتها التي شجعتها على هذا التخصص كونها دكتورة في إدارة الأعمال، وعبد الله ربما سيتخصص في مجال الغوص والبحار وهذا ما أتمناه .
وكيف تنظر لنفسك بعد طول السنين وما قدمته في مشوار حياتك؟
- أقدر نفسي كثيراً لأنني من الأشخاص الذين لا يعرفون المستحيل، ومثلي الأول في الحياة لا يأس مع الحياة ولا حياة مع اليأس، فمادامت الإرادة موجودة سأواصل رسالة العمل والعطاء في حياتي، والذي ساعدني على تحقيق الإنجازات تعلقي برمزيات الماضي وتراث الأجداد، وأعتبر تأسيس مجموعة الإمارات للبيئة البحرية حلم من أحلامي التي تحققت وثمرة جهودي الشخصية، حيث أسست عام 1971 رحلات الوصل بين الماضي والحاضر وهي عبارة عن 10 رحلات بحرية تقام بشكل دوري كل سنة، وشكلت بعدها قسماً خاصاً لعلوم البحار والبيئة في ندوة الثقافة والعلوم ، ومن ثم أنشأت جمعية الإمارات للغوص في عام 1995 وأسست مجموعة الإمارات للبيئة البحرية التي تعد من المنظمات المساعدة للبيئة ورسالتها توعوية وليست ربحية أبداً .
وما رأيك في قول الحياة بدون صديق لا معنى لها؟
- الصديق وقت الضيق، لكن للأسف في زمننا هذا لم يعد هذا الكلام موجواًد بمعنى الكلمة ولا يوجد من تثق به، ويترجم معنى الصداقة ومفاهيمها السامية بصدق، وأنا شخصياً صدمت كثيراً بصداقاتي مع الآخرين ولم أحظ بصديق أفضل من البحر الذي أعتبره صديقي الأوحد أرمي إليه بهمومي وأحزاني وكلما أتأمله أجده عالماً كبيراً يحتضن بناته أي الأمواج ويثور قصصاً وأسراراً وأخباراً لا تنتهي .
هل هذا يعني أنك غير محاط بالأصدقاء؟
- إلى حد ما، لكنني أفضفض لبعض الأشخاص الذين أشعر معهم بالراحة والألفة والمرأة بشكل خاص أجدها خير منصت ومساند فصداقتها أكثر نجاحاً من صداقة الرجل لأنها مخلصة ووفية، وبما أن طبيعة عملي في مجموعة الإمارات للبيئة البحرية هو عمل جماعي مع الجنسيات كافة لذا وجدت التعامل مع المرأة مختلفاً، فأنا أنظر لها كقيمة وعلم وثقافة واحترام .
وما الموقف الذي لاتنساه ويحزنك كثيراً؟
- أحزنني كثيراً وفاة والدي رحمه الله بخاصة المشهد الأخير عندما وضعته في القبر وودعته، لا يمكنني نسيان ملامح وجهه، فهذا الأمر من أصعب المواقف التي مرت بحياتي، وأثرت علي، فقد كنت الأقرب له روحياً ومسانداً له في كل قراراته بخلاف بقية إخوتي، ومنه عرفت أسرار البحر والغوص والبحث عن اللؤلؤ واستكشاف الأعماق، وأتذكر عندما غضب منه إخوتي لتكرار زواجه أكثر من مرة كان يأخذني كشاهد على زواجه، وأوافقه عليه مادام يجد فيه الراحة، فقد تزوج أربع مرات .
ما الوجهات السياحية التي تفضلها؟
- لا أحب السفر، فبلادنا بحاجة إلينا، وأنا أحب الإمارات كثيراً وإن سافرت أختار مصر لأنني درست في جامعة بيروت العربية تخصص جغرافيا، ولمصر في قلبي موضع لا ينسى، فهي بلاد الحضارة والثقافة والعلم وقوتها من قوة العرب، وعوضاً عن التجوال والسفر أحاول المساهمة في بناء الوطن بخاصة أننا نرى ميول الشباب تتجه نحو التقليد وفهم التطور بصورة خاطئة .
هل تقصد أن جيل اليوم بعيد عن التطور الفكري البناء؟
- للأسف جيل الشباب منشغل بوسائل الاتصال، وما أفرزته الثورة التكنولوجية، فأصبح بعيداً عن عالم البحر وتراث الأجداد، وهذه النتيجة طبيعية والمؤسف أن الطفل يتربى على أيدي الخادمة بعيداً عن حضن واهتمام والدته، ويبقى أمام شاشة التلفاز لساعات طويلة من دون مراقبة، حتى أنني أتضايق كثيراً لأن بعض الشباب شوهوا اللهجة الإماراتية بجملهم المكسرة، فشباب اليوم يفتخرون بالكلمات الدخيلة، وواجبنا تصحيح مسارهم فهم أمانة في أعناقنا .
ماذا تعلمت من تجارب الحياة؟
- تعلمت الصبر والتأني في مواجهة المواقف والضغوط، والذي عزز صفة الهدوء وعدم الانفعال السريع أمام أي مشكلة أتعرض لها في حياتي الشخصية والمهنية، وأتضايق من مبدأ التفرقة والفوقية، فنحن كلنا بشر مهما اختلفنا بأفكارنا وتوجهاتنا السياسية والدينية وأكره الظلم بشتى أشكاله.