عُرف عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه بزمن الفتوح الإسلامية، وألفت فيه كتب وموسوعات عديدة، اقتربت من الغاية، لكنها جاءت في مطولات، قد يستعصي على القارئ استيعابها والإلمام بتفاصيلها، خاصةً وأنها مليئة بأسماء الأماكن والأعلام والمواقع والمعارك التي خاضتها جيوش المسلمين ضد دولتي الفرس والروم المتراميتي الأطراف (شرقاً وغرباً) .
وهنا يتصدى الأستاذ علي الشاذلي الخولي لهذا الميدان المتعدد الحوادث والمتسع في رقعته الأرضية، فيغربل التاريخ غربلة دقيقة، بطريقة مختصرة موجزة تراعي الترتيب الزمني، وتسعى إلى كشف الجوهر الأصيل في تلك الفتوحات، وقد شحذ قلمه وفعَّل خياله الفني، معايشاً جيوش المسلمين وهي تطأ أعلام الفرس في القادسية وتمزق شعارات الروم في اليرموك، ثم تتجه إلى بلاد فارس نفسها، وتتولى مقاليد الحكم من ملكها الهارب في نهاوند، ثم تعود لتتعقب الروم في مصر .
ويتم كل ذلك بفضل قيادة وحكمة الرجل العظيم عمر بن الخطاب، الجريء المقدام الذي خُلق ليرتاد الميادين بكل جسارة واقتدار وعدل، وتسامح، ليتضح كل ذلك في جميع أفعاله وتصرفاته التي تعتبر مثالاً للسماحة والعدل والرحمة والرفق بالضعفاء ومعاقبة المسيئين في تجسيد حي لتعاليم الإسلام .
وخلال 112 صفحة من القطع المتوسط، ومن إصدار المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بالقاهرة - تحت سلسلة دراسات في الإسلام، يأخذنا الباحث من بداية نشأة عمر بن الخطاب بن نفيل من قبيلة عدي بن كعب، والذي تنتسب أمه إلى آل مخزوم، وقد تعلم القراءة والكتابة وهو صغير، وشغف بالاطلاع وهو كبير (ولم يكن يعرف القراءة في زمنه إلا 17 رجلاً من قريش) .
رعى ابن الخطاب الإبل لأبيه في ضواحي مكة . وقد كان ضخم الجسم، فارع الطول، أبيض اللون تعلوه حمرة، وسريع الخطو، فارساً شجاعاً ذا قوة وبطش .
اشتغل بالتجارة في صدر شبابه؛ فجاب البلاد المتاخمة للجزيرة العربية، وارتحل إلى العراق والشام، للتعرف إلى رؤساء القبائل وأعيانها؛ ليفيد معرفة وحكمة من هؤلاء، وتذوق الشعر وحفظه ورواه، فكان سفير قريش إلى غيرها من القبائل .
شخصية متميزة
في البداية، كان لا يطيق أن يسمع أنباء من دخل الدين الجديد من بني قومه، حيث تملكته العصبية فآذى من أسلم وعنفه، حتى قال الرسول الكريم اللهم أعز الإسلام بأحد العمرين عمر بن الخطاب، وعمرو بن هشام أبو جهل . ولكن كيف أسلم عمر بن الخطاب؟ تروى في ذلك روايتان، إحداهما أنه لما سمع القرآن يقرأه النبي ذات ليلة خرج فيها يريد جلساءه في مجلسهم، حيث رق له قلبه، فبكى ودخله الإسلام، ومس الحبيب صدره ودعا له بالثبات، فانصرف مؤمناً بدينه الجديد، وكان إسلام عمر فتحاً، وكانت إمارته رحمة .
بدأ الإسلام ينتشر في القبائل، واشتد إيذاء قريش للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وحين لجأوا إلى الأنصار بيثرب، هاجر عمر متقلداً سيفه راكباً جواده، وتزوج النبي من حفصة ابنة عمر في يثرب، وصار بمنزلة الوزير الثاني عند الرسول، يستشيره في مواقف عصيبة كما حدث في واقعة أسرى بدر . وحسم عمر الموقف في يوم السقيفة إذ تبعه أهلها المجتمعون ليبايعوا أبا بكر رضي الله عنه خليفةً، وتهدأ عاصفة الخلاف . وعُرف عمر بزهده في المال، ومن ذلك تصدقه بأموال أرضه التي أصابها في خيبر للفقراء وذوي القربى والضعفاء ومن في الرقاب وعلى من في سبيل الله .، وكان تصرفه هو الأساس في نظام الوقف الخيري عند المسلمين . وهكذا عاش ابن الخطاب على الكفاف . . يلبس الخشن من الثياب، و يأتدم الزيت في الطعام، ولا يوسع على نفسه وعياله إلا بمقدار .
كان عمر صاحب مبدأ، همه إسعاد غيره من البشر، وخاصةً البائسين البسطاء والمستضعفين . وكان زاهداً في الدنيا عن اقتدار لا عن عجز، وقد خصص أرضاً بالربدة لتكون مرعى عاماً ينتفع به عموم الشعب، وقال بشأنها حين اعترض أهلها على تصرفه: المال مال الله، والعباد عباد الله، والله لولا ما أحمل عليه في سبيل الله ما حميت من الأرض شبراً في شبر .
وقيل إن أول من فكر في جمع القرآن الكريم هو عمر بن الخطاب حين أشار على أبي بكر في زمن خلافته بذلك، داعياً زيد بن ثابت إلى تتبع القرآن وجمعه من الرقاع والأكتاف وسعف النخل وصدور الرجال . وقد أقبل الناس على مبايعة عمر للخلافة بعد أن عهد أبو بكر له بها قبل وفاته .
قاهر الفرس والروم
كان لا بد للدعوة الإسلامية من الانطلاق خارج شبه الجزيرة العربية . وبدأ قتال جيش المسلمين في مواجهة الإمبراطورية الفارسية في مكان يُسمى النمارق، وانسحب الفرس إلى المدائن مقر الحكم بعد هزيمتهم، والتقى المثنى بن حارثة في مكان يُسمى البويب بجيش فارسي آخر، هزمه المثنى في موقعة تُعتبر من المواقع الحاسمة .
وكان عمر بن الخطاب يجتمع بأعلام الصحابة، ويعلن التعبئة العامة في أرجاء الجزيرة العربية، ويدعو الناس إلى الجهاد، وتفد إليه وفود المتطوعين تباعاً، ويعقد لواء جيوش المسلمين للمقاتل الشجاع سعد بن أبي وقاص الذي اتجه إلى القادسية وهي مكان فسيح على حافة الصحراء، حيث أنهت هذه المعركة دولة الأكاسرة في العراق .
ثم اتجه المسلمون إلى الشام لفتحها، وحملوا على الروم، فكانت اليرموك إحدى المعارك الحاسمة في الفتح الإسلامي، والتي هدمت قوة الروم التي أخذت صروحها تتساقط يوماً بعد يوم، وبعد فتح العراق والشام، كانت سياسة عمر بن الخطاب التوسع في الفتح الإسلامي، بعد أن دانت له بلاد الفرس والروم بالطاعة والولاء، وعرض عمرو بن العاص على ابن الخطاب فتح مصر ووافق أمير المؤمنين، واتجه ابن العاص ليفتح مصر من الشمال (من الفرما)، ليتجه جنوباً إلى بلبيس ليصل إلى بابليون، ثم إلى الإسكندرية التي حاصرها وبعدها إلى برقة وطرابلس في الأراضي الليبية، وهكذا تنتهي الفتوح الإسلامية الكبرى في عهد عمر بن الخطاب بعد أن ضم إقليم طرابلس إلى حكمه .
وكان أمير المؤمنين، وهو يضع أسس الإمبراطورية الإسلامية الفتية، لا يترك أصلاً من أصول الحكم الصالح، ولا وسيلة من وسائل إقرار العدل الإلهي إلا وطبقها على الرعية . وقد أنشأ لذلك الدواوين لترتيب الطبقات وضبط العطاء .
وينتهي الكتاب بمقتل عمر بن الخطاب رضي الله عنه على يد فارسي هو أبو لؤلؤة المجوسي الذي كمن له بخنجر في زاوية من زوايا المسجد قبيل صلاة الفجر، في آخر ذي الحجة سنة 23 للهجرة، بعد أن دامت خلافته، عشر سنين وستة أشهر، وكان يبلغ من العمر ثلاثاً وستين سنة .