جعل الله الموت حتماً واجباً على خلقه، ثم سوّى بينهم، فقال: «كل نفس ذائقة الموت»، (آل عمران 185، الأنبياء 35، العنكبوت 57). فكل مسلم مؤمن بأنه صائر إلى قبره، محاسب بأعماله، وأن الله سيسائله، فقد قال عز وجل: (فوربك لنسألنهم أجمعين. عما كانوا يعملون)، (سورة الحجر الآية: 92). فعلى المؤمن أن يعد العدة لما يرى من الأموات في سكراتهم الأخيرة، لتكون له جُنة من الحزن، وستراً من النار، وهكذا كان يعمل عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه، الذي لم تر الدنيا مثله حاكماً، يخاف الله، ويكره ويبغض لله، فكان ورعاً، زاهداً، تقياً، صابراً. كان من أشد الخلفاء حرصاً على أن ينال كل إنسان تحت إمرته حقه، لا فرق بين أمير وغير أمير، أو قريب وبعيد. وأن أخباره مشهورة، وأعماله تبارى فيها مع جده الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حتى عده المؤرخون الخليفة الخامس المتمم للخلفاء الراشدين الأربعة. ولقد أعاد عمر نهار الإسلام الساطع وأرسى قواعد الدين الصحيحة وأعاد للإسلام قوته ومبادئه.
يروي أبو بكر عبدالله بن محمد بن أبي الدنيا في كتاب «المحتضرون»، عن فاطمة بنت عبد الملك - امرأة عمر بن عبد العزيز قالت: «كنت أسمع عمر في مرضه الذي مات فيه يقول: اللهم أخف عليهم موتي ولو ساعة من نهار». فلما كان اليوم الذي قبض فيه، خرجت من عنده، فجلست في بيت آخر، بيني وبينه باب، وهو في قبة له، فسمعته يقول: (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقين)، (سورة القصص الآية: 83). ثم هدأ. فجعلت لا أسمع له حركة ولا كلاماً. فقلت لوصيف كان يخدمه: ويلك، انظر أمير المؤمنين أنائم هو؟ فلما دخل عليه صاح، فوثبت، فإذا هو ميت، قد استقبل القبلة، وأغمض نفسه، ووضع إحدى يديه على فيه، والأخرى على عينيه.
«أحذركم مثل مصرعي»
وعن عمرو بن قيس قال: «قالوا لعمر بن عبد العزيز لما حضره الموت: اعهد يا أمير المؤمنين. قال: أحذركم مثل مصرعي هذا، فإنه لا بد لكم منه. وإذا وضعتموني في قبري، فانزعوا عني لبنة، ثم انظروا ما لحقني من دنياكم هذه».
وقال أبو زيد الدمشقي: «لَمَّا ثَقُلَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، دُعِيَ لَهُ طَبِيبٌ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ قَالَ: أَرَى الرَّجُلَ قَدْ سُقِيَ السُّمَّ، وَلا آمَنُ عَلَيْهِ الْمَوْتَ، فَرَفَعَ عُمَرُ بَصَرَهُ إِلَيْهِ فَقَالَ: «وَلا تَأْمَنِ الْمَوْتَ أَيْضًا عَلَى مَنْ لَمْ يُسْقَ السُّمَّ»، قَالَ الطَّبِيبُ: هَلْ حَسَسْتَ بِذَلِكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَدْ عَرَفْتُ حِينَ وَقَعَ فِي بَطْنِي، قَالَ: فَتَعَالَجْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ تَذْهَبَ نَفْسُكَ، قَالَ: «رَبِّي خَيْرُ مَذْهُوبٍ إِلَيْهِ، وَاللَّهِ لَوْ عَلِمْتُ أَنَّ شِفَائِي عِنْدَ شَحْمَةِ أُذُنِي مَا رَفَعْتُ يَدِي إِلَى أُذُنِي فَتَنَاوَلْتُهُ، اللَّهُمَّ خِرْ لِعُمَرَ فِي لِقَائِهِ، فَلَمْ يَلْبَثْ إِلا أَيَّامًا حَتَّى مَاتَ رَحِمَهُ اللَّهُ».
وعن يحيى بن أبي كثير قال: لما حضر عمر بن عبد العزيز الموت، بكى، فقيل له: ما يبكيك يا أمير المؤمنين؟ أبشر، فإن الله قد أحيا بك سنناً، وأظهر بك عدلاً. فبكى ثم قال: أليس أوقف فأسأل عن أمر هذا الخلق؟ فوالله لو رأيت أني عدلت فيهم لخفت على نفسي أن لا تقوم بحجتها بين يدي الله إلا أن يلقنها حجتها، فكيف بكثير مما صنعنا؟ قال: ثم فاضت عيناه. فلم يلبث إلا يسيراً بعدها حتى مات. رحمه الله.
ويروى أن عمر بن عبد العزيز: «لما كان في مرضه الذي مات فيه قال: أجلسوني. فأجلسوه، فقال: «أنا الذي أمرتني فقصرت، ونهيتني فعصيت». ثلاث مرات. ولكن لا إله إلا الله. ثم رفع رأسه، فأحدّ النظر، فقيل له: «إنك لتنظر إليّ نظراً شديداً يا أمير المؤمنين؟ قال: إني لأرى حضرة، ما هم إنس ولا جن». ثم قبض.
ويذكر إبراهيم محمد حسن الجمل في كتابه «صفحات مشرقة من حياة عمر بن عبد العزيز» أنه لما مرض عمر بعد موت ابنه عبد الملك كان من آخر ما تكلم به عمر أن قيل له: لقد تركت أولادك صغاراً وهم كثيرون، وليس لهم مال، ولم تولهم إلى أحد، قال: «ما كنت لأعطيهم شيئاً ليس لهم. وما كنت لآخذ منهم حقاً لهم. إنما هؤلاء أحد رجلين رجل أطاع الله ورجل ترك أمر الله وضيعه».
عمر ومسلمة
ودخل مسلمة بن عبد الملك على عمر بن عبد العزيز في مرضه الذي مات فيه، فقال: يا أمير المؤمنين. من توصي بأهلك؟ فقال عمر رضي الله عنه: «إذا نسيت الله فذكرني». فأعاد مسلمة عليه القول: من توصي بأهلك؟ فقال عمر: «إن وليي فيهم الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين». ودخل عليه مسلمة بن عبد الملك في رواية أخرى فقال: يا أمير المؤمنين ألا توصي؟ قال عمر:«وهل من مال أوصي فيه؟» فقال مسلمة: مئة ألف أبعث بها إليك. فهي لك فأوص فيها. قال: «فهلا غير هذا يا مسلمة». قال: وما ذاك يا أمير المؤمنين؟. قال عمر رضي الله عنه: «تردها من حيث أخذتها»، فبكى مسلمة، وقال: «رحمك الله لقد ألنت منا قلوباً كانت قاسية، وزرعت في قلوب الناس مودة، وأبقيت لنا في الصالحين ذكراً»، وروي أيضاً: «أن مسلمة دخل على عمر في مرض موته فقال: إنك أفقرت ولدك من هذا المال فتركتهم عيلة لا شيء لهم، فلو أوصيت بهم إليّ وإلى نظرائي من أهل بيتك». فقال عمر رضي الله عنه: «أسندوني»، ثم قال: «أما قولك إني أفقرت أفواه ولدي من هذا المال فو الله إني ما منعتهم حقاً هو لهم، ولم أعطهم ما ليس لهم. وأما قولك: لو أوصيت بهم إلي أو إلى نظرائي من أهل بيتك. فإن وصيتي ووليي فيهم الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين. بنيّ أحد رجلين إما رجل يتقي الله فسيجعل الله له مخرجاً، وإما رجل مكب على المعاصي فإني لم أكن أقوّيه على معصية الله.»
ثم بعث إليهم - وهم بضعة عشر ذكراً - فنظر إليهم، فذرفت عيناه فبكى، ثم قال: «بنفسي الفتية تركتهم عيلة لا شيء لهم، فإني بحمد الله قد تركتهم بخير. أي بَنيّ إنكم لن تلقوا أحداً من العرب ولا من المعاهدين إلا أن لكم عليهم حقاً.
أي بني إن أباكم ميل بين أمرين، بين أن تستغنوا ويدخل أبوكم النار، أو تفتقروا ويدخل أبوكم الجنة، فكان أن تفتقروا ويدخل الجنة أحب إليه من أن تستغنوا ويدخل النار. قوموا عصمكم الله». رحم الله عمر بن عبد العزيز وأولاده ورضي عنهم أجمعين.
يروي أبو بكر عبدالله بن محمد بن أبي الدنيا في كتاب «المحتضرون»، عن فاطمة بنت عبد الملك - امرأة عمر بن عبد العزيز قالت: «كنت أسمع عمر في مرضه الذي مات فيه يقول: اللهم أخف عليهم موتي ولو ساعة من نهار». فلما كان اليوم الذي قبض فيه، خرجت من عنده، فجلست في بيت آخر، بيني وبينه باب، وهو في قبة له، فسمعته يقول: (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقين)، (سورة القصص الآية: 83). ثم هدأ. فجعلت لا أسمع له حركة ولا كلاماً. فقلت لوصيف كان يخدمه: ويلك، انظر أمير المؤمنين أنائم هو؟ فلما دخل عليه صاح، فوثبت، فإذا هو ميت، قد استقبل القبلة، وأغمض نفسه، ووضع إحدى يديه على فيه، والأخرى على عينيه.
«أحذركم مثل مصرعي»
وعن عمرو بن قيس قال: «قالوا لعمر بن عبد العزيز لما حضره الموت: اعهد يا أمير المؤمنين. قال: أحذركم مثل مصرعي هذا، فإنه لا بد لكم منه. وإذا وضعتموني في قبري، فانزعوا عني لبنة، ثم انظروا ما لحقني من دنياكم هذه».
وقال أبو زيد الدمشقي: «لَمَّا ثَقُلَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، دُعِيَ لَهُ طَبِيبٌ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ قَالَ: أَرَى الرَّجُلَ قَدْ سُقِيَ السُّمَّ، وَلا آمَنُ عَلَيْهِ الْمَوْتَ، فَرَفَعَ عُمَرُ بَصَرَهُ إِلَيْهِ فَقَالَ: «وَلا تَأْمَنِ الْمَوْتَ أَيْضًا عَلَى مَنْ لَمْ يُسْقَ السُّمَّ»، قَالَ الطَّبِيبُ: هَلْ حَسَسْتَ بِذَلِكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَدْ عَرَفْتُ حِينَ وَقَعَ فِي بَطْنِي، قَالَ: فَتَعَالَجْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ تَذْهَبَ نَفْسُكَ، قَالَ: «رَبِّي خَيْرُ مَذْهُوبٍ إِلَيْهِ، وَاللَّهِ لَوْ عَلِمْتُ أَنَّ شِفَائِي عِنْدَ شَحْمَةِ أُذُنِي مَا رَفَعْتُ يَدِي إِلَى أُذُنِي فَتَنَاوَلْتُهُ، اللَّهُمَّ خِرْ لِعُمَرَ فِي لِقَائِهِ، فَلَمْ يَلْبَثْ إِلا أَيَّامًا حَتَّى مَاتَ رَحِمَهُ اللَّهُ».
وعن يحيى بن أبي كثير قال: لما حضر عمر بن عبد العزيز الموت، بكى، فقيل له: ما يبكيك يا أمير المؤمنين؟ أبشر، فإن الله قد أحيا بك سنناً، وأظهر بك عدلاً. فبكى ثم قال: أليس أوقف فأسأل عن أمر هذا الخلق؟ فوالله لو رأيت أني عدلت فيهم لخفت على نفسي أن لا تقوم بحجتها بين يدي الله إلا أن يلقنها حجتها، فكيف بكثير مما صنعنا؟ قال: ثم فاضت عيناه. فلم يلبث إلا يسيراً بعدها حتى مات. رحمه الله.
ويروى أن عمر بن عبد العزيز: «لما كان في مرضه الذي مات فيه قال: أجلسوني. فأجلسوه، فقال: «أنا الذي أمرتني فقصرت، ونهيتني فعصيت». ثلاث مرات. ولكن لا إله إلا الله. ثم رفع رأسه، فأحدّ النظر، فقيل له: «إنك لتنظر إليّ نظراً شديداً يا أمير المؤمنين؟ قال: إني لأرى حضرة، ما هم إنس ولا جن». ثم قبض.
ويذكر إبراهيم محمد حسن الجمل في كتابه «صفحات مشرقة من حياة عمر بن عبد العزيز» أنه لما مرض عمر بعد موت ابنه عبد الملك كان من آخر ما تكلم به عمر أن قيل له: لقد تركت أولادك صغاراً وهم كثيرون، وليس لهم مال، ولم تولهم إلى أحد، قال: «ما كنت لأعطيهم شيئاً ليس لهم. وما كنت لآخذ منهم حقاً لهم. إنما هؤلاء أحد رجلين رجل أطاع الله ورجل ترك أمر الله وضيعه».
عمر ومسلمة
ودخل مسلمة بن عبد الملك على عمر بن عبد العزيز في مرضه الذي مات فيه، فقال: يا أمير المؤمنين. من توصي بأهلك؟ فقال عمر رضي الله عنه: «إذا نسيت الله فذكرني». فأعاد مسلمة عليه القول: من توصي بأهلك؟ فقال عمر: «إن وليي فيهم الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين». ودخل عليه مسلمة بن عبد الملك في رواية أخرى فقال: يا أمير المؤمنين ألا توصي؟ قال عمر:«وهل من مال أوصي فيه؟» فقال مسلمة: مئة ألف أبعث بها إليك. فهي لك فأوص فيها. قال: «فهلا غير هذا يا مسلمة». قال: وما ذاك يا أمير المؤمنين؟. قال عمر رضي الله عنه: «تردها من حيث أخذتها»، فبكى مسلمة، وقال: «رحمك الله لقد ألنت منا قلوباً كانت قاسية، وزرعت في قلوب الناس مودة، وأبقيت لنا في الصالحين ذكراً»، وروي أيضاً: «أن مسلمة دخل على عمر في مرض موته فقال: إنك أفقرت ولدك من هذا المال فتركتهم عيلة لا شيء لهم، فلو أوصيت بهم إليّ وإلى نظرائي من أهل بيتك». فقال عمر رضي الله عنه: «أسندوني»، ثم قال: «أما قولك إني أفقرت أفواه ولدي من هذا المال فو الله إني ما منعتهم حقاً هو لهم، ولم أعطهم ما ليس لهم. وأما قولك: لو أوصيت بهم إلي أو إلى نظرائي من أهل بيتك. فإن وصيتي ووليي فيهم الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين. بنيّ أحد رجلين إما رجل يتقي الله فسيجعل الله له مخرجاً، وإما رجل مكب على المعاصي فإني لم أكن أقوّيه على معصية الله.»
ثم بعث إليهم - وهم بضعة عشر ذكراً - فنظر إليهم، فذرفت عيناه فبكى، ثم قال: «بنفسي الفتية تركتهم عيلة لا شيء لهم، فإني بحمد الله قد تركتهم بخير. أي بَنيّ إنكم لن تلقوا أحداً من العرب ولا من المعاهدين إلا أن لكم عليهم حقاً.
أي بني إن أباكم ميل بين أمرين، بين أن تستغنوا ويدخل أبوكم النار، أو تفتقروا ويدخل أبوكم الجنة، فكان أن تفتقروا ويدخل الجنة أحب إليه من أن تستغنوا ويدخل النار. قوموا عصمكم الله». رحم الله عمر بن عبد العزيز وأولاده ورضي عنهم أجمعين.