منذ القرن الثالث الميلادي يقف عمود السواري شامخاً في قلب مدينة الإسكندرية، شمالي مصر، حيث شيد من حجر الجرانيت الأحمر، تخليدا للإمبراطور الروماني دقليديانوس، وهو آخر الآثار الباقية من معبد السيرابيوم الذي أقامه الإمبراطور بوستوموس، ويعتبر العمود من أعلى النصب التذكارية في العالم، حيث يبلغ ارتفاعه حوالي 27 مترا .
عمود السواري ومنطقة كوم الشقافة الأثرية في الإسكندرية أهم منطقتين أثريتين في عروس البحر المتوسط، وفيهما أجمل وأهم آثار منطقة جنوب المتوسط وتمثل تاريخا للمدينة، حيث يزن هذا العمود نحو 500 طن ومعلق أعلى بئر ودهليز وأتوا به من أسوان تعبيرا عن التقدير لأكبر إمبراطور روماني دقليديانوس، الذي أمد المدينة بالقمح في زمن كانت على وشك المجاعة .
وأقيم العمود فوق تل باب سدرة، بين منطقة مدافن المسلمين الحالية والمعروفة باسم مدافن العمود، وبين هضبة كوم الشقافة الأثرية، وتعود تسمية العمود باسم السواري إلى العصر العربي، حيث يعتقد أنها جاءت نتيجة ارتفاع هذا العمود الشاهق بين 400 عمود آخر وهو ما يشبه صواري السفن، ولذلك أطلق عليه العرب عمود الصواري والتي حرّفت في ما بعد إلى السواري .
ويعتبر عمود السواري وكوم الشقافة منتجعاً أثرياً في الظروف العادية ويعتبران مزارين رائعين للسياح من جميع أنحاء العالم، وعلى الرغم من وقوع عمود السواري ومقبرة كوم الشقافة في أكبر منطقة شعبية لا توجد أية أنشطة تعرض للسائحين، ما جعل المكان يخلو من السائحين، وزاد من سوء الحال امتداد يد الإهمال إلى المكان على نحو واسع بدرجة باتت تهدد تاريخ المكان .
وعرف عمود السواري خطأ منذ الحروب الصليبية باسم عمود بومبي ويرجع هذا الخطأ إلى أن الأوروبيين ظنوا أن رأس القائد الروماني بومبي، الذي هرب إلى مصر فراراً من يوليوس قيصر وقتله المصريون، وضع في جرة جنائزية ثمينة وضعت فوق تاج العمود . ويتكون العمود من جسم عبارة عن قطعة واحدة قطرها عند القاعدة 2 .70 متر، وعند التاج 30 .2 متر، ويبلغ الارتفاع الكلي للعمود بما فيه القاعدة حوالي 85 .26 متر، وفي الجانب الغربي من العمود قاعدتان يمكن الوصول إليهما بسلم تحت الأرض .
كما يوجد بجوار عمود السواري وضمن بقايا معبد ''السيرابيوم'' تمثالان مشابهان لتمثال أبي الهول المجاور للأهرامات الثلاثة في محافظة الجيزة مصنوعان من الجرانيت الوردي يرجع تاريخهما إلى عصر بطليموس السادس في حقبة الحكم اليوناني، على أحدهما نقش للملك المصري حور محب من الأسرة 18 . وإضافة إلى عمود السواري تبقى من معبد السيرابيوم مكتبة ذات أرفف محفورة في الصخور ويمكن الوصول إليها عبر أحد الأنفاق التي تؤدي أيضا إلى تمثال للعجل المقدس لدى المصريين إيبو .
وتعتبر مقبرة كوم الشقافة المقبرة الوحيدة التي بها غرفة طعام وأماكن لجلوس الزوار وأماكن لتقديم القرابين داخل منور، كما أنه مصور على جدرانها أجمل أسطورة يونانية رومانية عذراء الربيع .
ومشهد مقبرة كوم الشقافة يعد من أروع مشاهد العمارة الجنائزية العالمية في أعماق الأرض، حيث إنه يوحي بأن وراء واجهة هذه المقبرة البديعة العالم الآخر مباشرة، كما أن المقبرة يتقدمها تمثالان لصاحبي المقبرة أحدهما رجل على اليمين وزوجته على اليسار منحوتان بأساليب ووفقت بين مدارس النحت الإغريقي القديم والمصري والروماني سواء في الوقفة أو ملامح الوجه أو أعضاء الجسم، ومن الطريف أن هذه المقبرة تعد أعظم جهاز تكييف في العالم، حيث إن درجات الحرارة بها تتغير طبقا للفصول بحيث يصبح المناخ داخلها بارداً منعشاً صيفاً ودافئاً شتاء ولطيفاً في الربيع ومتدرجاً في الخريف .