لم يكن الروائي اللبناني ربيع جابر بحاجة للحصول على جائزة البوكر للرواية العربية لكي تكتسب أعماله الأهمية التي تستحقها وتأخذ موقعها الريادي بين فنون السرد العربية المعاصرة . لا بل أعتقد جازماً بأن الجائزة التي ذهبت إلى ربيع قد اكتسبت هذا العام المزيد من المصداقية وعززت موقعها المتميز وسط سيل الجوائز المماثلة الذي انهمر في السنوات الأخيرة على الكتاب والشعراء والمثقفين العرب . والدافع إلى هذا الاعتقاد ليس مرده الصداقة الشخصية، خاصة أن الكاتب القابع في عزلته يكاد يكون بلا أصدقاً فعليين، بل التتبع الدؤوب والمبكر لإحدى أكثر التجارب الروائية فرادة وثراء وإصغاء لدبيب الزمن وتبدلات المصائر الإنسانية . وإذا أضفنا إلى القيمة النوعية لروايات جابر تلك الغزارة الاستثنائية في الكتابة لن نتردد ساعتئذ في اعتباره واحداً من الكتّاب الأكثر إخلاصاً لعمله والأكثر تبتلاً وحدباً إلى الإبداع .

القليلون يعلمون أن صاحب بيروت مدينة العالم ويوسف الإنكليزي وغيرهما لم يتجاوز حتى الآن الأربعين من عمره، ولهذا السبب اختارته الهيئة المشرفة على مشروع بيروت 39 قبل ثلاثة أعوام كواحد من الكتّاب الشباب الأكثر تأثيراً في الحياة الثقافية العربية الراهنة .

حين قرأت رواية رالف رزق الله في المرآة في منتصف تسعينات القرن الفائت لم أكن أعرف شيئاً عن اسم صاحبها المثبت في أعلى الغلاف . والحقيقة أن ما دفعني إلى قراءة الرواية يومها هو موضوعها بالذات حيث كان رالف رزق الله الذي انتحر آنذاك عن طريق إلقاء نفسه من فوق صخرة الروشة زميلاً لي في الجامعة . وقد شاءت المصادفة أن أكون آخر من شاهده قبل انتحاره حيث رفع يده محيياً إياي وأنا أجلس إلى طاولة الكتابة في أحد مقاهي بيروت البحرية، قبل دقائق وحسب من ارتفاع صوت المارة هناك واحتشاد الناس لتبين حقيقة الرجل المنتحر . احتفى ربيع جابر يومها برالف رزق الله على طريقته مقدماً نوعاً من الكولاج الروائي الخاص ومقارباً بطله من زوايا نفسية وسياسية واجتماعية وعبر محاورات عدة جرت مع عائلته وأصدقائه المقربين . ولما كان العمل صادراً عن دار الآداب التي تولت نشر إصداراتي الشعرية والنثرية كافة منذ البدايات فقد اتصلت بصاحبها الدكتور سهيل إدريس مستفسراً منه عن هوية ذلك الاسم الذي لم أكن أعرف عنه أي شيء يذكر . وقد فاجأني صاحب الحي اللاتيني بالقول إن من أدهشتني روايته ليس سوى شاب يافع في العشرين من عمره وإن عمله ذاك ليس الأول له بل هو الرابع في ترتيب أعماله السردية .

منذ تلك اللحظة انكببت على قراءة ربيع جابر من دون انقطاع، ورغم أن رواياته في معظمها تتكئ على التاريخ وتستعيد وقائع مهمة ومفصلية من تاريخ الجماعات اللبنانية المتصارعة إلا أنه امتلك قدرة غير عادية على النأي بنفسه عن الأسلوب الاستعادي للأحداث مجترحاً عوالم مدهشة يقترن فيها الواقعي بالمتخيل ويبدو أبطالها بشراً حقيقيين من لحم ودم . صحيح أن مقاربة التاريخ في الرواية لم تكن ميزة خاصة تفرد بها الكاتب، بل سبقه إليها كتّاب كثيرون مثل جرجي زيدان ونجيب محفوظ وأمين معلوف ولكن جابر لم يركن إلى المنجز الروائي السابق، بل عمل على خلق مناخات بالغة الخصوصية توفر لقارئها عنصر التشويق والإثارة من دون أي تعسف أو افتعال . وقد بدا ذلك جلياً في ثلاثيته الروائية بيروت مدينة العالم التي أعادتنا بالذاكرة إلى زمن إبراهيم باشا حين لم تكن المدينة سوى بلدة صغيرة على ساحل المتوسط قبل أن يتعهدها الفاتح المصري بالعناية والاهتمام، وقبل أن يلجأ إليها الفارون من جحيم الحروب الأهلية اللبنانية في القرن التاسع عشر، لتصبح عند نهاية القرن ذاته إحدى أهم المراكز التجارية والثقافية في المنطقة بأسرها . وإضافة إلى ثلاثيته تلك احتفى جابر ببيروت عبر روايته الأخرى بيريتوس، مدينة تحت الأرض التي كتبت في إطار فانتازيا متخيلة عن الموتى الذين فقدتهم المدينة في أزمنتها المتعاقبة والذين يقيمون في منطقة وسطى بين الحقيقة والوهم وبين التذكر والنسيان . وحتى في روايته أميركا التي لم يزرها الكاتب إلا لشهر واحد استطاع جابر أن يقدم رواية مدهشة عن عائلة لبنانية مهاجرة إلى أرض الأحلام والوعود التي لا تحصى .

أما رواية ربيع جابر دروز بلغراد فلم تكن أقل من سابقاتها سواء من حيث طلاوة السرد وليونته أو من حيث الموضوع المستل بدوره من أحشاء التاريخ اللبناني حيث كان على البطل المسيحي أن يفتدي من دون علمه أحد السجناء الدروز إثر حرب 1860 الدموية بين الدروز والمسيحيين، لينقل بعدها مع آخرين كثر إلى سجون السلطنة العثمانية في أرض البلقان، وليحمله حظه العاثر من هول إلى هول .

هكذا استحق ربيع جابر جائزته عن جدارة، وهو الذي لم يخلص لشيء في حياته كما أخلص للكتابة، فهو لم يركن إلى موهبته وحدها بل رأى فيها هويته الناقصة التي لا تكتمل إلا بالدأب والتضحية والإصغاء التام إلى الدبيب الخفي للحياة، كما إلى جمال اللغة وهديرها المتعاظم .