د. عارف الشيخ

سألني أحدهم فقال: عندي عزبة جمال وجاري الأبعد له عزبة أيضاً وعنده فحول الإبل من السلالة الجيدة المعروفة، فطلبت منه السماح لي بإدخال ناقتي على فحله وقت التلاقح، فقال لي: بالأجرة وطلب مبلغاً لا بأس به فهل هذا يجوز؟
أقول: قبل أن أبين الحكم الشرعي، أود أن أبين المعنى اللغوي للكلمة، ففي قواميس اللغة: عسب الفحل الناقة يعسبها عسباً (بسكون السين) أي ضربها وطرقها أي أحبلها.
فالعَسْب هو الضِراب (بكسر الضاد) أو الطرق (بفتح الطاء وسكون الراء) والعسب أيضاً هو ماؤه أو الولد نفسه أو الكراء على الضراب، ويقال لما في أصلاب الفحول الملاقيح، ومافي بطون الإناث يقال له المضامين وربما قبل العكس.
والفقهاء متفقون على عدم جواز عَسْب الفحل لحديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عَسْب الفحل» (رواه البخاري)
وفي رواية أخرى عن أبي هريرة قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كسب الحجام وعن ثمن الكلب وعن عسب الفحل».
ومما ينبغي أن يعلم أن الفقهاء فرقوا بين بيع عسب الفحل وبين إجارة الفحل للضراب، فعند جمهور الفقهاء: الأحناف والشافعية في أحد القولين، والحنابلة عدم جواز إجارة الفحل للضراب لما ذكرناه من أحاديث.
والمالكية والشافعية في أحد القولين تجوز إجارة الفحل للضراب، لكن المالكية لم يطلقوا الجواز بل قيدوه بزمن معين كيوم أو يومين مثلاً أو مرات معينة، بمعنى أنه لا يجوز استئجار الفحل للضراب إلى أن تحمل الناقة إذ ربما تطول المدة.
والحنابلة رغم أن الأصل عندهم عدم جواز الكراء (الإجارة) إلا أنهم قالوا: إذا لم يجد من يعيره الفحل ولم يجد الطراق بالمجان، جاز له أن يبذل الكراء أي الإجارة، لأن الضرورات تبيح المحظورات، والحاجة تقدر بقدرها، (انظر بدائع الصنائع ج ٥ ص ١٣٩، وحاشية الدسوقي ج٣ ص 57 - 58، ومغنى المحتاج ج 2 ص 30، وكشاف القناع ج 3 ص 563).
وهناك تعليل جميل للكاساني من الأحناف للنهي عن بيع عسب الفحل أو إجارته، لأن عسب الفحل هو ضرابه، والضراب معدوم عند العقد على افتراض أنه تم التعاقد بين صاحب الناقة وصاحب الفحل على التلقيح، والشرع يشترط أن يكون المبيع معلوماً عند العقد ومقدوراً على تسليمه عند العقد.
وعسب الفحل عند الإباضية هو ماؤه أو الكراء الذي يؤخذ على ضراب الفحل لأن الرسول صلى الله عليه وسلم، نهى عما يؤخذ عن الفعل، وقالوا بأن النهي لو كان يتوجه إلى الفعل لكان المخاطب به الدواب.
وفقهاء الإباضية يتفقون مع المذاهب الأربعة على عدم جواز بيع ضراب الفحل وعدم جواز الكراء، إلا أن يهدى إليه هدية من غير معاقدة (انظر شرح النيل ج 10 ص 26، وانظر الجامع لابن بركة ج 2 ص 397 - 398).
أقول للسائل: على جارك أن يتعاون معك ويراعي حق الجوار لا في عسب الفحل فقط بل في كل النواحي الحياتية، لأنك جار والرسول صلى الله عليه وسلم قال: (مازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه).