‮ ‬العشر الأوائل من ذي الحجة أقسم بها الله تعالى‮: «‬وَالْفَجْرِ‮ ‬وَلَيَالٍ‮ ‬عَشْرٍ‮» (‬الفجر: 1-2)، ‬قال تعالى‮: «‬وَيَذْكُرُوا اسْمَ‮ ‬اللَّهِ‮ ‬فِي‮ ‬أَيَّامٍ‮ ‬مَعْلُومَاتٍ‮» (الحج: 82)، ‬وعن ابن عباس قوله في‮ ‬هذه الأيام أنها‮: (‬أَيَّامُ‮ ‬الْعَشْر‮)‬‮، ‬وعن جابر بن عبد الله رضي‮ ‬الله عنه، ‬أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‮:‬ (‬أفضل أيام الدنيا أيام العشر‮).. ‬وذلك لفضلها العظيم، ‬فهي تأتي في شهر تؤدى فيه مناسك الحج،‮ واجتمعت فيه خيرات كثيرة، ‬وما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله عز وجل من هذه الأيام ولذا أوصانا الحبيب‮ صلى الله عليه وسلم بقوله: (‬أكثروا فيهن من ‬التهليل، ‬والتكبير، والتحميد‮).‬
‮ ‬عن أبي‮ ‬هريرة رضي‮ ‬الله عنه أن النبي‮ ‬صلى الله عليه وسلم قال‮:‬ (‬مَا مِنْ‮ ‬أَيَّامٍ‮ ‬أَحَبّ ‬إِلَى اللَّهِ‮ ‬أَنْ‮ ‬يُتَعَبَّدَ‮ ‬لَهُ‮ ‬فِيهَا مِنْ‮ ‬عَشْرِ‮ ‬ذِي‮ ‬الْحِجَّةِ، ‬يَعْدِلُ‮ ‬صِيَامُ‮ ‬كُلِّ‮ ‬يَوْمٍ‮ ‬مِنْهَا بِصِيَامِ‮ ‬سَنَةٍ‮ ‬وَقِيَامُ‮ ‬كُلِّ‮ ‬لَيْلَةٍ‮ ‬مِنْهَا بِقِيَامِ‮ ‬لَيْلَةِ‮ ‬الْقَدْر‮ِ)‬ ‬.

صيام «عرفة»

‮ وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده» فمن أفضل أنواع العبادات في العشر الأوائل من ذي الحجة كثرة الصيام بها، ‬وذلك لكونها أيام بركة وجهاد للنفس ‬واستعداد لأخذ الجائزة من رب العالمين‮ ‬يوم العيد‮.‬
‮ ‬وهذه الأيام العشر جعل الله تعالى لها فضلاً عظيماً، ‬ففيها‮ ‬غُفر لآدم عليه السلام، ‬وفيها استجاب الله تعالى لدعاء سيدنا‮ ‬يونس عليه السلام، وفيها استجاب الله تعالى لدعاء سيدنا زكريا عليه السلام‮ ‬، ‬وفيها ولد المسيح عليه السلام، ‬وفيها ولد سيدنا موسى عليه السلام، وفيها أيام التروية، ‬وفيها‮ ‬يوم الوقوف بعرفة، ‬واليوم العاشر‮ ‬يوم الفداء والتضحية والعفو والمغفرة‮.‬
‮ ولذلك فإن من صام الأيام وأحياها بالذكر والتسبيح، ‬وصلة الأرحام أكرمه الله بعدة خصائص‮: ‬بالبركة في عمره، ‬والزيادة‮ ‬في المال، ‬ومضاعفة الحسنات، وتكفير السيئات، وتسهيل سكرات الموت، ‬والضياء لظلمات القبر، ‬والتثقيل في الميزان وبلوغ‮ ‬الدرجات العلا في الجنة‮.‬ ‮ ‬ولهذا أقسم الله تعالى بها حيث‮ ‬ينشغل فيها الحجيج بالُنسك وأعمال الحج‮، ‬وفيها‮ ‬يتحقق الحج المبرور الذي هو من أفضل الأعمال لتكفير الذنوب. ‬
‮وعن حفصة رضي‮ ‬الله عنها قالت‮: (‬خمس لم‮ ‬يكن النبي‮ ‬صلى الله عليه وسلم‮ ‬يدعهن‮: ‬صيام‮ ‬يوم عاشوراء، ‬وعشر من ذي‮ ‬الحجة، ‬وثلاثة أيام من كل شهر، ‬وركعتين قبل الفجر‮...).‬

ذكر الله

‮أما قيام الليل في العشر من ذي الحجة فهو مستحب وورد إجابة الدعاء فيه واستحبه الشافعي وغيره من العلماء، ومن المستحب أيضاً الإكثار من ذكر الله فيها، ودل عليه قوله‮ تعالى:‬
‮«‬وَيَذْكُرُوا اسْمَ‮ ‬اللَّهِ‮ ‬فِي‮ ‬أَيَّامٍ‮ ‬مَعْلُومَاتٍ‮» (‬الحج: 28).
‮ ‬فكان عمر رضي الله عنه‮ ‬يكبر في‮ ‬قبته بمنى فيسمعه أهل المسجد فيكبرون، ‬ويكبر أهل الأسواق حتى تُرج منى تكبيرا‮ً، ‬وكان ابن عمر‮ ‬يكبر بمنى، ‬وبعد الصلوات، ‬وعلى فراشه، ‬وفي مجلسه وممشاه في تلك الأيام جميعاً، ‬وكانت ميمونة تكبر‮ ‬يوم النحر، وكانت النساء‮ ‬يكبرن خلف عمر بن عبد العزيز في ليالي التشريق مع الرجال في المسجد‮.‬

استهلال بديع

وعن السمات البلاغية في هذا الحديث الشريف‮ ‬يقول د‮. ‬أحمد عوض في كتاب‮ (‬موسوعة بلاغة الرسول‮): «لفت الانتباه ببراعة الاستهلال بهذه الجملة البديعة‮: «‬ما من أيام أحب إلى الله أن‮ ‬يتعبد له فيها من عشر ذي الحجة‮» ‬
‮ ‬فهنا‮ ‬يخصص لنا أياماً معينة‮ ‬يعمم الخير فيها ثم‮ ‬يبرز جانب الفضل والخيرية لها‮ (‬أحب إلى الله)، ثم‮ ‬يتحول من التعميم إلى التخصيص‮ (‬من عشر ذي الحجة‮) و‬فيه حصر وفيه تفضيل لبعض الأيام على بعض، وفيه تكريم لأيام دون‮ ‬غيرها لما‮ ‬يصاحبها من عبادات خُصت بها، ومن خيرية للأيام ذاتها في علمه تعالى‮.‬
وجاء قوله‮: (‬يعدل صيام كل يوم منها بصيام سنة‮) ‬والعدل هنا بمعنى المساواة والنظير والمثل وجاء الجزاء مضاعفاً حيث صيام‮ ‬يوم في هذه الأيام‮ ‬يعدل صيام سنة، ‬والجناس هنا‮ ‬يجعلنا نقارن بين صوم العدل، ‬وصوم الفضل، ‬وصوم‮ ‬يوم هو صوم عدل، ‬ثم‮ ‬يأتي لنا الفضل بقوله‮ (‬بصيام سنة‮) ‬‬وقوله‮ (‬وقيام كل ليلة منها بقيام ليلة القدر‮) ‬فيه مشابهة ومشاكلة وحسن تعليل، ‬فلو قال: «قام كل ليلة منها بقيام سنة‮»‬، ‬لكان الأسلوب جامداً والعطاء مكررا‮ً. ‬ولذا عدل عن هذا بتحول أسلوبي بديع‮ ‬فقال‮: (‬وقيام كل ليلة منها بقيام ليلة القدر‮) ‬أي: خير من ألف شهر.