(1)
في لوحات الأصدقاء التشكيليين يصير ماء المكان أسماءً للطفولة، تتعدد وتنقسم أصوات الهجرات، من ماء إلى ماء إلى بكاء إلى احتفاء، هي هجرة الكائن نحو سؤاله، ونحو ضمير الكون الخائف والمرعوب .
أيضا لكل ماء كمنجته
لكل لون وتر يهز أبعاده ولا يقف حفيف الآه .
مرت، أو كاد أن يمر طيفها، غزالة مشتهاة، أشعلت اللوحة وأضاءت .
في وليمة لأعشاب البحر رائعة الروائي السوري حيدر حيدر يصبح الطريق ملاذاً للمثقف الصعلوك، بيته الذي يمضي خلفه من دون أن يكون له جدران، ويصبح المساء عنواناً للبوح، هو البوح الذي سيبقى أرشيفا لذاكرة مدينة، وسيجعل من النص سجلاً مفتوحاً على أعين الزمن الموحش .
في قصائد ضواحي الجنة للشاعر الإماراتي خالد الراشد تتلاشى المرأة، لكنه تلاشٍ مكشوف، يفضح أسرار المكان في الهملايا، كما يفضح في الوقت ذاته الكائن العصفور في صدر الراشد، ذلك العصفور الذي ينضم صباحا لمئات الأنواع الأخرى من العصافير التي تفتح باب الصباح على الشكر والامتنان لطلوع الشمس، وهكذا يتوحد الكائن في المكان، أو ماذا؟ هل يصبح المكان كميناً آخر في الطريق، ومن يمكن لنا أن نسأل طرق المكان الوعرة في جبال التيبت وأشجار التفاح في غاباتها الواسعة أم نسأل الشاعر في غيبوبته الجميلة؟
(2)
أراد نيتشه أن يفكر مثل المكفوفين بلغة التخيل مغمضاً عينيه على ما حوله حتى يرى البعيد، سلك مع بوذا طرقاً كثيرة، وقال له بوذا: ابتعد، خذ طريقك، فذهب الغباش، وحلت الرؤيا، فكتب نيتشه ما قاله زرادشت، قال حقيقة أم غير ذلك، لكنه قال الطريق، أو ما وراءه .
في المقامر تحفة ديستوفيسكي لا يوجد أكثر من قطار، وعقل ملعون بالمغامرة بحثاً عن الذات في فنائها المستمر، محاولة لقول الشخص الذي يصبح بعد أن يتلاشى مكانا، وربما ليس هناك شخص، أو شخوص، ليس هناك سوى القطار، ولغة الصفير التي تنقل الحدث من سكة إلى أخرى، حتى كأن الروائي يتخلى عن مقعده، تاركا إياه لروائي آخر يكتب سكة أخرى .
أما أنت أيتها الأرض، سيدة الرؤى، فقد كان نصيب اللازورد أن يتمرد دائماً على قاموس الكلمات التي ترضعينه للأبناء جيلاً بعد جيل، وأن يعيد لك صواب الشمس اللاهبة التي أمطرت العمال في مدن العالم كي يكتبوا طرقك الكثيرة، تلك التي ستأخذ الأطفال إلى ملاعب الرجولة الحمقاء .
هو ضرب من الجنون أن يفكر المرء بثمن لحياته من خشب الأبنوس .
في كل كتابة ثمة مكان، ثمة قيد وأفق .
أعيش مع الضوء عمري عبير
يمر، وثانيتي سنواتٌ
وأعشق ترتيلة في بلادي
تناقلها كالصباح الرعاةُ .
(3)
يقول أدونيس الراعي الذي كانه، هو البحري الجبلي، في صوته الناي، صوت الحنين إلى البعيد، وفي تفاصيل الثابت والمتحول كتب المكان وتاريخ الطرق، هي الطرق التي مكّنت الثابت من الرسوخ، وسدت منافذ الريح، وألقت بالراعي بعيداً عن مراعيه، وفي توقه للمتغير حلل المفكر رغبة الشاعر، فنّد الصور الكثيرة التي تشتاقها نفسه، والبحور التي تمنى لو ركب موجها رباناً، فالقول من دون مغامرة أشبه بقتل الميت مرة أخرى، وفي ذلك نوع من السادية المضاعفة التي لا يقبلها العقل، ولكن من يصغي إلى حكمة الشاعر، إذ لطاما اتهم الشاعر بالجنون؟
(4)
. . إلى جهة الجنوب ذهب روجيه عساف باسم مستعار خلال الحرب الإسرائيلية على لبنان عام 1982 حمل مسرحه إلى طريق جديد، حمل أمكنته إلى المكان الجنوبي، ذهب إلى جهة كانت الحياة والموت فيها لحظة واحدة، ورصاصة واحدة قد تخطىء قلب العاشق، لكن عساف كان قد تجاوز فكرة الموت إلى ذاته التواقة مسرحياً إلى منصة لأرشفة الحياة قبل أن يحولها الدمار إلى موت، وهناك اكتشف معنى أن يكون الإنسان حكائيا، أو ضرورة أن يكون حكائياً، فتكرار الحكاية يثبتها في الذاكرة، فإذا كان الموت يسقط الذاكرة في البئر الأسود، فإن تكرار الحكاية يضخُ الضوء في شرايينها .
إنه المكان البيروتي في الاجتياح الذي كتبه الكثيرون، وأرخوا لذاكرة الطريق، ومن يذكر فرقة الطريق وهي تغني لبيروت والعراق ودمشق والقدس يذكر أثر الموسيقا في إعطاء القدمين معنى للمضي في الطريق، وإن كثر القناصون في المفترقات .
(5)
أما الحنين إلى الطريق فهو زاد أبدي للكلمات، زاد يجدده أصحاب القول، ممن امتهنوا حرفة الحبر والورق، حرفة أشبه باحتراق القلب كلما غادر طريقا إلى طريق، أليس الرحيل منطقاً عبثياً؟ لكنه واقعي، وواقعي لدرجة مرعبة .
في قصائد خالد البدور حنين لا يخفي الطفل وراء ألعابه، ولا يخفي الغناء وراء الصوت الهامس، حنين يقف على مشارف البكاء، لكنه ليس بكاءً، يعود إلى البدايات، إلى مشارف الطفل في ثيابه المدرسية، يتفقد الطرق هناك، يتساءل عن شكل العطب الذي أصابها ناظرا في البحر/المرآة، في ذاكرة لا تمنح نفسها مرة واحدة، كأنها تقول الوجع على جرعات، أو على شكل حبات من التمر تقود المرء رجلا إلى سُكر العائلة .