يقف فريج المحارة، أحد أكبر فرجان مدينة رأس الخيمة، شاهداً على مرحلة ثرية من تاريخ المنطقة، ولا تزال ذاكرة أبنائه عامرة بقصص كثيرة عن رجالاته وممراته الضيقة ومنازله المتلاصقة بحميمية رسختها العلاقات البسيطة في شكلها، العميقة في مضمونها. وفي السطور التالية تفيض ذاكرة عدد من أبناء الفريج ببعض ما تختزنه عن أشهر قبائله وارتباطهم بالسفن وحياة البحر والأحداث الجسام التي عاصروها أو عرفوا حكايات عنها.
الباحث في التراث سلطان عبيد الزعابي أكد ان فريج المحارة هو أحد خمسة فرجان تتكون منها مدينة رأس الخيمة القديمة، هو بالاضافة الى المحارة فرجان آل علي، وأبو يديع، وميان، وبرع، وأوضح أن فريج المحارة سمي على حسب ما يذكره كبار السن بهذا الاسم لأن أهالي أهالي فريج سابق يطلق عليه المحارة كانوا يسكنون في الجزعة (المنطقة التي توجد عليها محطات الكهرباء حالياً) وكانت عبارة عن شبه جزيرة في الخور لكن المياه تحيطها من كل جوانبها في وقت مد البحر.
ويكمل الزعابي أن الأهالي كانوا يسكنون تلك الجزيرة خوفاً من الغزاة، إذ كان البحر كحاجز طبيعي يصدهم، وكانت منطقة الجزعة تشتهر بكثرة المحار فيها في حالة الجزر لدرجة ان الساحل يصبح منطقة بيضاء من كثرة المحار عليه، إلا ان الأهالي بسبب ارتفاع منسوب البحر غير الطبيعي الذي كان يغرق المنازل اضطروا الى الانتقال الى مدينة رأس الخيمة القديمة.
ويضيف الزعابي: الأهالي بنوا في عهد الشيخ سلطان بن صقر الكبير السور حول المدينة خوفاً من الغزاة، وأن من بقايا السور برج يسمى ببرج الحلو وتلك الرواية يؤكدها لويمر في دليل الخليج.
ويشير الزعابي إلى أن القبائل التي كانت تقطن في فريج المحارة مختلفة ومتعددة ومنها زعاب والنعيمي والشوامس، واشتهرت بارتباطها بالبحر والغوص والصيد، وكانت تصنع السفن وتملك أكبر في الإمارة، ومن سفنها المشهورة بغلة الشراهنة وبغلة سالم بن جاسم اليعقوبي، والبغلة هي من السفن كبيرة الحجم، وكان ابناء الفريج يسافرون الى البصرة، كما يقول لنقل التمر إلى الهند وإفريقيا باستخدام تلك السفن في حين يشترون المواد الغذائية ويجلبونها إلى منطقة الخليج.
وحسب سلطان الزعابي، كان من أشهر صناع السفن في فريج المحارة بن صراي، واشتهر الفريج بالعلماء، منهم محمد الهناوي الذي كان يدرس أبناء الفريج القراءة والقرآن والحساب، كما كان أبو الهدى قاضي رأس الخيمة في عهد الشيخ سالم بن سلطان القاسمي.
ومن أشهر التجار والطواشين في الفريج المؤرخ عيسى بن علي بن شرهان وعبد الله بن احمد المطوع وعلي بن سعيد الشامسي الذي كان مجلسه عبارة عن منتدى للتجار والطواشين وأهل العلم يتحدثون فيه عن أخبار الغوص والتجارة والعلم وكانت تلك الزمرة من التجار والطواشين أول من ذهب إلى سريلانكا للطواشة حيث لا يباع اللؤلؤ المتوفر بكثرة في تلك المنطقة إلا للانجليز الذين كانوا يحتكرونه إلا ان أهالي المنطقة كانوا يبيعون اللؤلؤ بالذات للطواشين العرب وكان من ضمنهم علي بن سعيد الشامسي وغيره من أهالي الخليج وكان الشامسي يصطحب معه حسن بن علي بن حميد ويذهبون معا بعد ذلك إلى بومباي في الهند لبيع اللؤلؤ وشراء احتياجات الاهالي منها.
ويقول الزعابي: اثناء الحرب العالمية الثانية أصابت المنطقة مجاعة، وكان الانجليز يجلبون المواد الغذائية ويوزعونها على الاهالي عن طريق البطاقة التموينية.
وكان الأهالي يحرصون على متابعة الأخبار والحوادث والحروب التاريخية التي تحصل وقتها عن طريق تبادل الرسائل فيما بينهم والمجلات التي كانت تصل للمنطقة، ومن الرسائل التي وجدت في تلك الفترة رسالة علي بن سعيد الشامسي الذي كان موجوداً في عدن وأرسل إلى أهالي رأس الخيمة ليخبرهم أن الحرب انتهت وان هتلر انتحر وأن المجاعة ستنتهي بانتهاء الحرب.
ومن العوائل التي كانت تقطن فريج محارة كما يوضح عائلات الشراهنة والطابور والبزي وحسن بن علي بن حميد واحمد بن راشد وعبيد بن جاسم وابن عيسى وعلي بن سالم بن عبد الله وسالم بن جاسم وكنفش وابن سيفان والشارجي والعبد ولى والميل والكش وبروغة والخربيج والدباني والمذكور والسلومي والعيان والخروصي وراشد بن يوسف وغيرها.
ومن أشهر النواخذة وملاك السفن في فريج المحارة سلطان بن سيفان وابراهيم وعبدالله بن سالم واحمد بن راشد وعلي بن عيسى وسالم بن حسن الزعابي وعيسى وسعيد بن علي الشرهان وعبد الله الخروصي وجاسم العبد ولى وعلي سالم بن عبد الله وعلي يوسف البزي وجاسم بن راشد.
وفي جولة ميدانية في الفريج أكد الزعابي أنه من أكبر الفرجان في مدينة رأس الخيمة القديمة، وعاش فيه العديد من الشخصيات التي اشتهرت بالمنطقة أمثال صانع الأسلحة جمعة صراي والمربي المطوع الهناوي، في حين اشتهر بالمنطقة مسجد البطح الذي سمي بذلك لهيئة المنطقة الطبيعية وهي عبارة عن منخفض تتجمع فيه المياه، ويشير الى انه عندما كان طفلاً لعب مع زملائه في المياه التي تتجمع في المنطقة عبر صنع المراكب الصغيرة وزجها بتلك المياه المتجمعة.
وأكد أن المسجد كان يسمى بمسجد جابر ثم أعاد بناءه علي بن سعيد الشامسي ثم أعاد إصلاحه عبد الرحيم محمد علي ثم رمم وأعيد بناؤه على يد ابنه محمد وسمى المسجد باسم والده.
وأشار الزعابي أثناء الجولة إلى سكة طريق ضيق غير مرصوف كان شيوخ رأس الخيمة يستخدمونها للذهاب للمسجد الكبير المطل على بحر الخليج العربي.
سكك
الدكتور حمد صراي أستاذ التاريخ في جامعة الإمارات، ومن مواليد فريج المحارة، أشار الى أنه كان أشهر فرجان رأس الخيمة، ويمتد بين المنطقة المحاذية للحصن الذي يقع في فريج أهل صور ومنطقة مسجد البطح المجاور لسوق رأس الخيمة القديم.
وأكد أن فرجان الماضي كانت تتميز بسككها الضيقة بين المنازل ولا توجد حدود بينها غير تلك المتعارف عليها، ويعتقد أن الفريج سمي باسم المحارة لمهنة تفليج المحار، إلا أنه غير متيقن من سبب التسمية.
وعن والده جمعة صراي صانع الأسلحة الشهير في المنطقة، أكد أن والده امتهن اكثر من مهنة، أشهرها صنع الأسلحة، اذ كان يعمل صياداً وغواصاً وجلافاً، والجلافة هي صناعة السفن، كما كان يصلح المكائن التي تعمل في المزارع الا انه اشتهر بتصنيع الأسلحة باعتبارها تجارة رائجة في تلك الأوقات، ويوضح أن والده كان يحول الأسلحة من أنواع بسيطة رخيصة إلى أخرى غالية وجيدة، فمثلاً كان يحوّل مسدسات الصوت إلى أخرى حقيقية وبندقية السكبة الى سكتون فيما كان يصنع البارود.
نخيل
القبطان أحمد ابراهيم سالم اليعقوبي الزعابي وهو في العقد السابع من عمره، أكد أن رأس الخيمة القديمة كانت على ما يحكى له قريبه جدا من جزيرتي طنب الكبرى والصغرى وكان النخيل يملؤها الى حيث الجزيرتين، فيما كانت الخيمة منصوبة على جزيرة طنب على حد قوله لذا يشاهدها الرائي القادم من مضيق هرمز ويشار اليها من تلك المسافة، ويشير الى مكان آخر بجانب جزيرة طنب يسمى العوانة وهو الآن مغمور بماء البحر على عمق سبع قامات، ان العوانة تعني النخيل الشامخ الطول فيما يسمى النخيل القصير القامة بالبكس.
ويضيف ان نخيل الجزر يسقى، كما حكي له، كما حكي له من منطقة الفلية ذات الوديان، وتصل الأفلاج والوديان الى تلك المنطقة من كثرة هطول الأمطار.
وقال إن أحد سلاطين اليمن، وكان يسمى سلطان بن نصر حين تخاصم مع أخيه، سكن في منطقة مزرع في رأس الخيمة قبل اكثر من 700 عام، وبنى فيها حصن المزرع، بالاضافة الى مسجد بجانبها يسع أكثر من 100 مصل ومن المناطق المجاورة للمنطقة خريجة وخديجة بجانب منطقة المزرع، ويوضح أن الجزيرة الحمراء كانت الميناء الرئيسي للصيد وللسفر وللغوص حيث كانت تصل إلى اهالي منطقة مزرع بالبحر.
وأضاف: إن أهالي مزرع انتقلوا منها الى منطقة تجاور منطقة الجزعة في رأس الخيمة، وبعدها انتقلوا الى فريج المحارة الذي ضم بعدها قبائل كثيرة.
قبطان
يحتفظ أحمد اليعقوبي الزعابي قصصاً كثيرة عن حياة رأس الخيمة في الماضي وطبيعة العلاقات الاجتماعية التي كانت من ابسط ما تكون، مؤكداً انه كان قبطانا في البحر، وأن القبطان يختلف عن النوخذة من حيث مهمته ومعرفته بأمور فنية قيادية أكثر، ويوضح أن القبطان لديه معرفة تامة عن المسافة المقدرة والطريق الصحيح في البحر ومغيب الشمس واتجاه السفينة وغيرها من الأمور القيادية في السفن.
وأكد الزعابي انه درس على يد مشايخ السعودية الذين قدموا إلى المنطقة منهم الشيخ مشعان والشيخ عبد العزيز الصفار وعبد الله السراح وعبد العزيز رجباني وابنته فاطمة الرجباني والشيخ الهناوي فيما كانت المواد الدراسية هي الفقه والتوحيد والأناشيد والحساب والمحاورات وهي عبارة عن أبيات من الشعر من الفقه وتحمل معلومات قيمة يقولها الطالب وعند الانتهاء من آخر شطر في البيت يبدأ الطالب الآخر من حيث انتهى الأول.
منازل متراصة
أكد المؤرخ الدكتور عبد الله الطابور وهو أحد رجالات فريج المحارة، ان الفريج ذكره لويمر في كتابه دليل الخليج، موضحاً أن جزيرة المحارة كانت منذ أكثر من 300 عام تقع محاذية للجزعة على خور القرم وتوزع أهلها حين انهارت جلفار التي كانت منازلها متشابكة بحيث يقال محلياً إذا ركب التيس فوق منزل في بداية منطقة المعيريض لم ينزل إلا في نهاية منطقة الرمس من كثرة المنازل المتراصة آنذاك.
وأضاف: أسس اهالي الجزيرة فريج بومحارة أو محارة في مدينة رأس الخيمة القديمة، وتقع حدوده من منطقة البطح القريبة من السوق إلى محاذاة فريج برع المحاذي لساحل الخليج العربي.
ومن فرجان رأس الخيمة القديمة الأخرى، كما يشير فيرجا دهان وسدروه،وجميعها فرجان معروفة الى الآن، مؤكداً أن كثيراً من الشخصيات عاشت في تلك الفرجان وانتقلت الى مناطق مختلفة في الامارة بعد أن تهالكت منازلهم.