يستحب في العشر الأواخر من شهر رمضان المبارك مضاعفة الجهد في الطاعات، وزيادة فعل المعروف بكل صوره وعمل الخير على تعدد أبوابه من إقامة الصلوات وأداء الصدقات والتهجد ومدارسة القرآن وتلاوة الآيات، تأسياً برسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد كان إذا دخل العشر أحيا الليل وأيقظ أهله وجد وشد المئزر وهي إشارة إلى عبادة الاعتكاف، وفي رواية كان يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره .
وتعني عبادة الاعتكاف اللبث في المسجد فترة من الزمن على صفة معينة بنية التقرب إلى الله عز وجل، وأساسه تسليم النفس كلياً إلى الله سبحانه وتعالى وتخليصها من الانشغال بالدنيا , واستغراق الوقت انتظاراً للصلاة في الجماعات قال تعالى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهرَا بَيْتِي لِلطائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالركعِ السجُود (البقرة 125) . وحكمه أنه سنة نبوية مؤكدة، وآكد ما تكون في العشر الأواخر من شهر رمضان , وهو عبادة مستحبة فيما عدا ذلك من الأوقات، ودليل سنيته فعل النبي صلى الله عليه وسلم ومداومته عليه تقرباً إلى الله وطلباً لثوابه , روت عائشة أنه كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى قبضه الله , ثم اعتكف أزواجه من بعده (رواه البخاري) .
واللبث في المسجد هو ركن الاعتكاف، وأقله لحظة أو ساعة من ليل أو نهار، لكن المستحب ألا ينقص عن يوم وليلة، لأنه لم يرد أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتكف أقل من يوم، ولا عن أحد من الصحابة .
ويصح الاعتكاف من الرجل والمرأة والصبي المميز، ويشترط للمتزوجة أن يأذن لها زوجها، ويستحب للمرأة أن تستتر بخباء ونحوه , لفعل عائشة وحفصة وزينب في عهده، صلى الله عليه وسلم، وتجعل خباءها في مكان لا يصلي فيه الرجال لأنه أبعد في التحفظ لها فقد روى أبو داود وأحمد أنهن يعتكفن في المسجد ويضرب لهن فيه بالخيم . ولا بأس أن يستتر الرجال أيضاً لفعله، صلى الله عليه وسلم، ولأنه أخفى لعملهم .
وقد اتفق العلماء على أن الرجل لا يصح اعتكافه إلا في المسجد لقوله تعالى وَلاَ تُبَاشِرُوهُن وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي المَسَاجِدِ (البقرة 187)، واتباعاً للنبي صلى الله عليه وسلم قالت عائشة رضي الله عنها السنة على المعتكف أن لا يعود مريضاً ولا يشهد جنازة ولا يمس امرأة ولا يباشرها ولا يخرج لحاجة إلا لما لا بد منه ولا اعتكاف إلا بصوم ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع (رواه أبو داود) .
ويستحب للمعتكف أن يكثر من نوافل العبادات فيشغل نفسه بالصلاة وتلاوة القرآن والاستغفار والذكر والدعاء والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويكره له فضول القول والعمل فينبغي له ألا يتكلم إلا بخير ؛ ويكره له أيضاً الانشغال بغير العبادة فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعتكف ولم ينقل عنه الاشتغال بغير العبادة .
وخير المساجد للاعتكاف فيها المساجد الثلاثة التي قال فيها صلى الله عليه وسلم لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد مسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا رواه البخاري ؛ فالملائكة التي تتنزل ليلة القدر تنصب ألويتها في المسجد الحرام وفي المسجد النبوي، وفي بيت المقدس والمسجد الأقصى المبارك .
ومن فضائل العشر الأواخر من رمضان أن فيها ليلة القدر، التي قال الله تعالى بيان منزلتها إِنا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزلُ الْمَلاَئِكَةُ وَالروحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبهِمْ مِنْ كُل أَمْرٍ * سَلاَمٌ هِيَ حَتى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (سورة القدر) .
ولما لهذه الليلة من فضل عظيم وخير عميم ؛ فقد كان السلف رضي الله عنهم يعظمونها ويشمرون لها قبل إتيانها فما تأتيهم إلا وهم متأهبون للقائها , والقيام بحرمتها، قال صلى الله عليه وسلم، من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه (رواه البخاري) .
ويكون الْتماسها بالعمل الصالح، وإحياؤها بالصلاة والقيام ؛ وبالتهجد والدعاء فيها والتضرع إلى الله تعالى .
ولا فرق في أحكام إحياء هذه الليلة الشريفة بين الرجال والنساء .
* قاضي قضاة فلسطين سابقاً
www.tayseer-altamimi.com