من دار الرحيل ينتقل الإنسان إلى دار الانتظار ليستقر في دار المقام، من الدنيا إلى البرزخ إلى الآخرة، وكما في الدنيا وفي الآخرة يتلاقى الناس ويتزاورون، كذلك في الحياة البرزخية تلتقي الأرواح وتجتمع اجتماعاً يكون على وجه النعيم أو العذاب، ويظلّون على تلك الحال في انتظار اللقاء الأكبر، يتلاقون ويتزاورون، ويسأل بعضهم عن أحوال بعض وعن أحوال من تركوهم في الدنيا ويستبشر المؤمنون بما أعد لهم في الآخرة، وتبقى أرواح الكفار في مقام العذاب في شغلٍ شاغل عن أي شيء آخر، يقول الإمام ابن القيم: الأرواح قسمان: أرواح معذبة، وأرواح منعمة، فالمعذبة في شغل بما هي فيه من العذاب عن التزاور والتلاقي، والأرواح المنعمة المرسلة غير المحبوسة تتلاقى وتتزاور وتتذاكر ما كان منها في الدنيا وما يكون من أهل الدنيا .

التقاء أرواح المؤمنين

وقد استدلّ العلماء بحديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن أرواح المؤمنين لتلتقي على مسيرة يوم ما رأى أحد منهم صاحبه قط، وفي رواية لتلتقيان على مسيرة يوم وليلة، ورأوا أن الحديث السابق يُثبت أصل اللقاء .

الأحاديث الصحيحة التي تنصّ على حصول اللقاء بين أرواح المؤمنين وفرحهم به كثيرة، منها الحديث في صحيح النسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا حضر المؤمن أتته ملائكة الرحمة بحريرة بيضاء، فيقولون: اخرجي راضية مرضياً عنك، إلى روح الله وريحان، ورب غير غضبان، فتخرج كأطيب ريح المسك، حتى إنه ليناوله بعضهم بعضاً، حتى يأتوا به باب السماء، فيقولون: ما أطيب هذه الريح، التي جاءتكم من الأرض، فيأتون به أرواح المؤمنين، فلهم أشد فرحاً به من أحدكم بغائبه يقدم عليه . فيسألونه: ماذا فعل فلان، ماذا فعل فلان؟ فيقولون: دعوه فإنه كان في غم الدنيا، فإذا قال: أما أتاكم؟ قالوا: ذهب به إلى أمه الهاوية . وإن الكافر إذا احتضر أتته ملائكة العذاب بمسح، فيقولون: اخرجي ساخطة مسخوطاً عليك، إلى عذاب الله عز وجل، فتخرج كأنتن ريح جيفة، حتى يأتوا به باب الأرض، فيقولون: ما أنتن هذه الريح، حتى يأتوا به أرواح الكفار .

نم قرير العين

وقد أخرج الطبري بإسناد صحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن المؤمن حين ينزل به الموت ويعاين ما يعاين ود أنها قد خرجت، والله يحب لقاءه، وإن المؤمن يصعد بروحه إلى السماء فتأتيه أرواح المؤمنين فيستخبرونه عن معارفهم من أهل الأرض، فإذا قال تركت فلاناً في الدنيا أعجبهم ذلك، وإذا قال إن فلانا قد فارق الدنيا قالوا ما جيء بروح ذاك إلينا، وقد ذهب بروحه إلى أرواح أهل النار، وإن المؤمن يجلس في قبره ويُسأل: من ربك، فيقول ربي الله . ويقال: من نبيك؟ فيقول: نبيي محمد صلى الله عليه وسلم فيقال ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام . فيفتح له باب في قبره، فيقال: انظر إلى مجلسك، نم قرير العين، فيبعثه الله يوم القيامة كأنما كانت رقدة، وإذا كان عدو الله ونزل به الموت ويعاين ما يعاين ود أنها لا تخرج أبداً، والله يبغض لقاءه، وإذا أجلس في قبره، يقال: من ربك، قال: لا أدري، قال: لا دريت . ويفتح له باب في قبره، باب من أبواب جهنم، ثم يضرب ضربة يسمعها خلق الله إلا الثقلين، ثم يقال: نم كما ينام المنهوش . قال: قلت يا أبا هريرة وما المنهوش؟ قال نهشته الدواب والحيات، ثم يضيق عليه قبره، حتى رأيت أبا هريرة نصب يده ثم كفأها ثم شبك حتى تختلف أضلاعه .

والحديثان يبيّنان سؤال أرواح المؤمنين الذين ماتوا في السابق للروح الصاعدة عن أحوال أهل الأرض، ومن مات منهم ومن بقي، وحين يعلمون أنه مات وليس بينهم يعلمون أنه قد ذُهب به إلى العذاب .

وقريبٌ منه حديث عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا قبضت نفس العبد تلقاه أهل الرحمة من عباد الله كما يلقون البشير في الدنيا، فيقبلون عليه ليسألوه، فيقول بعضهم لبعض: انظروا أخاكم حتى يستريح؛ فإنه كان في كرب، فيقبلون عليه؛ فيسألونه: ما فعل فلان؟ ما فعلت فلانة؟ هل تزوجت؟ فإذا سألوا عن الرجل قد مات قبله قال لهم: إنه قد هلك، فيقولون: إنا لله وإنا إليه راجعون، ذهب به إلى أمه الهاوية، فبئست الأم وبئست المربية . قال: فيعرض عليهم أعمالهم، فإذا رأوا حسناً استبشروا وقالوا: هذه نعمتك على عبدك فأتمها، وإن رأوا سوءاً قالوا: اللهم راجع بعبدك .

ولأنس بن مالك وأبي هريرة رضي الله عنهما حديثٌ يدلّ على ما هو أكثر من اللقاء الأوليّ الحاصل بين الأرواح الحديثة والأرواح السابقة، فيه إثباتٌ للتزاور الحاصل بين تلك الأرواح، ونصّ الحديث مرفوعاً: إذا ولي أحدكم أخاه فليحسن كفنه، فإنهم يبعثون في أكفانهم ويتزاورون في أكفانهم، وأصل الحديث ثابت من طرق كثيرة ورواه البيهقي في شعب الإيمان وصححه الألباني بمجموع طرقه .

أحياء عند ربهم

وقد أخبرنا الله سبحانه وتعالى عن الشهداء بأنهم أحياء عند ربهم يرزقون، وأنهم يستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم، وأنهم يستبشرون بنعمة من الله وفضل، وكما يقول ابن القيم فهذا يدل على تلاقيهم من ثلاثة أوجه، أحدها: أنهم عند ربهم يرزقون، وإذا كانوا أحياء فهم يتلاقون . الثاني: أنهم إنما استبشروا بإخوانهم لقدومهم ولقائهم لهم . الثالث: أن لفظ يستبشرون يفيد في اللغة أنهم يبشر بعضهم بعضاً، مثل: يتباشرون .

وقد أثبتت الآثار اعتقاد عددٍ من الصحابة والتابعين بحصول اللقاء بين أرواح المؤمنين، فيها ما هو صريحٌ في دلالته وفيها ما هو محتمل، منها ما ذكر عن محمد بن المنكدر أنه دخل على جابر بن عبد الله رضي الله عنه وهو في النزع الأخير، فقال له: أقرئ رسول الله صلى الله عليه وسلم مني السلام، رواه أحمد في مسنده وابن ماجة في سننه، وتنسب كتب التاريخ إلى صحابيين جليلين قولهما في لحظات الحياة الأخيرة: اليوم ألقى الأحبة، محمداً وحزبه، وهما عمار بن ياسر وأبو هريرة رضي الله عنهما الأمر الذي قد يشير إلى أنهما قد استقرّ عندهما مسألة تزاور الموتى وتلاقيهم في حياة البرزخ .