روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: من كف لسانه ستر الله عليه عورته، ومن ملك غضبه وقاه الله تعالى عذابه، ومن اعتذر إلى الله قبل عذره . وقال صلى الله عليه وسلم: كلام ابن آدم كله عليه، إلا إن أمر بمعروف، ونهى عن منكر، أو ذكر الله سبحانه تعالى .

ذكر عبدالملك الثعالبي في كتابه الظرائف أن من حكم لقمان: الصمت حكمة وقليل فاعله . وكان يقال: الصمت انفع للناس، والسكون أنفع للطير، لأن الطير إذا نبش قبض وحُبس .

قال أحد الشعراء: الصمت يكسب أهله صدق المودة والمحبة والقول يستدعي لصاحبه المذمة والمسبّة فاترك كلاماً لاغياً ولا يكن لك فيه رغبة .

وقد قيل: أربع كلمات صدرت عن أربعة ملوك، كأنها رميت بقوس واحدة، قال كسرى: لم أندم على ما لم أقل، وندمت على ما قلت مراراً . وقال قيصر: إني على رد ما لم أقل أقدر مني على رد ما قلت، وقال ملك الصين: إذا تكلمت بكلمة ملكتني وإذا لم أتكلم بها ملكتها . وقال ملك الهند: عجبت لمن يتكلم بالكلمة إن رُفعت ضرته، وإن لم تُرفع ما نفعته .

قال أحدهم نظماً:

ولو يكون القول في القياس من فضة بيضاء عند الناس إذاً لكان الصمت من خير الذهب فاسمع هداك الله تلخيص الأدب .

قيل: من علامات العاقل حسن سمعه وطول صمته .

قال بعض الحكماء: أول العلم الصمت، والثاني حسن الاستماع، والثالث الحفظ، والرابع العمل به، والخامس نشره .

قال شاعر: مُتْ بداء الصمت خير لك من داء الكلام إنما العاقل من ألجم فاه بلجام . وتكلم رجل بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكثر، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: كم دون لسانك من حجاب؟ فقال: شفتان وأسنان فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله يكره الانبعاق يعني الاندفاع في الكلام في الحديث: رحم الله أمرأ عبداً أوجز في كلامه واقتصر على حاجته وقال النبي صلى الله عليه وسلم: رحم الله أمرأ أمسك فضل لسانه وبذل فضل نائله .

وقال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب: الصمت زين، وقليل فاعله، وقال: أفضل العبادة: الصمت، وانتظار الفرج . وفي وصية زين العابدين بن علي عليهما السلام أنه قال لابنه: يابني كف الأذى، واستعن على السلامة بطول الصمت في المواضع التي لا يحسن فيها، فإن الصمت حسن في كل حال، وللقول ساعات يضره فيها خطأ، ولا ينفع فيها صوابه .

وقد حُمل بعض العلماء إلى الحجاج بن يوسف في شيء بلغه عنه، فكلمه فأفحم الحجاج بالجواب، فخلى عنه فلما ولى عثر بالبساط فقال: تعس الحجاج فسمعه الحجاج فقال: ردوه، ياحرسي اضرب عنقه، فقال سالم بن عمرو . . كان عند الحجاج - حضر لي بيتان فقال هاتهما، فقال:

يموت الفتى من عثرة بلسانه وليس يموت المرء من عثرة الرجل

فعثرته من فيه ترمي برأسه وعثرته بالرجل تبري على مهل

وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: إذا رأيتم المؤمن صموتاً فادنوا منه فإنه يلقي الحكمة . وعن الإمام علي رضي الله عنه قال: إذا تم العقل نقص الكلام ولا خير في الحياة إلا لصموت واع أو ناطق محسن وبكثرة الصمت تكون الهيبة .

وقال وهيب بن الورد: إن الحكمة عشرة أجزاء تسعة منها في الصمت والعاشر في العزلة عن الناس . والاقتصاد في الحديث يجنب الإنسان الوقوع في الخطأ لأن من كثر كلامه كثر خطؤه، وكما قيل خير الكلام ما قل ودل، والإنسان يصمت عن الكلام إذا رأى في صمته خيراً .

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليسكت . متفق عليه . وقيل في مدح الصمت وذم الكلام في غير حينه: الكلام في الخير كله أفضل من الصمت والصمت في الشر كله أفضل من الخير . وقيل الصمت حكم وقليل فاعله .

[email protected]