قال تعالى: وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً . قد علم كل أناس مشربهم كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين . وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير اهبطوا مصراً فإن لكم ما سألتم وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباؤوا بغضب من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق . ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون (البقرة: 60-61) .

السؤال: ما نوع الفاء في قوله تعالى: فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً (البقرة: 60) .

- الجواب: الفاء فاء الفصيحة، وهي التي تنبئ عن كلام محذوف قبلها، وتقدير المحذوف - المعطوف عليه - في الآية الكريمة: فضرب فانفجرت فقد طوت الفاء الحدث - المعطوف عليه - ومن بلاغة هذا الحذف الذي دلت عليه الفاء في الآية الكريمة ما أشارت إليه من ربط المسببات بالأسباب، فإن انفجار الحجر مرتب في الظاهر على الضرب بالعصا لا على الأمر بالضرب، إذ لو كان مرتباً على الأمر لوجهه الله تعالى إلى الحجر مباشرة، فالله تعالى قادر على تفجير الماء وفلق الحجر من غير ضرب، ولكن الله تعالى أراد أن يكون الضرب بالعصا معجزة لموسى عليه السلام أراد أن يجريها على يديه، مع العلم بأن الضرب بالعصا ما هو إلا سبب ظاهر، وليس مؤثراً حقيقياً . ولو فجر سبحانه الماء مباشرة بأمر التكوين منه سبحانه من دون أن يكون هناك فعل ظاهر من موسى عليه السلام، لما كان ذلك معجزة له .

وفي حذف المعوف عليه - الضرب الواقع من موسى بالعصا - إشعار بأن انفجار الحجر بالماء كان مطاوعة لأمر الله تعالى، وكأن الأمر وُجه إليه فاستجاب، وكأنه انفعل انفعالاً ذاتياً وحقق ما أراده الله تعالى فور سماع أمر الضرب لموسى .

وفي حذف الحدث (الضرب) - المعطوف عليه - تنبيه على أن السبب الأصلي في انفجار الحجر بالماء هو أمره تعالى لا ضرب موسى الحجر بعصاه، فليست في العصا قدرة خاصة تتميز بها عن غيرها من العصيّ، (وإنما هي قارنت قدرة الله تعالى المؤثرة، لتكون سبباً ظاهراً تربط فيه الأعين والعقول بين الأسباب ومسبباتها . ففي حذف ضرب موسى حث للعقول على الربط بين الأثر والمؤثر الحقيقي، حتى يدفع الوهم بأنه في عصا موسى يقبع الإعجاز، والحق أنه بأمر الآمر كان الانفجار .

وأخيراً فمن خلابة الفاء هنا ما أشارت إليه بحذف الضرب الواقع من موسى - ومن إسراع موسى عليه السلام - ومبادرته لتنفيذ أمر الله تعالى فور سماعه لتلبية رغبة قومه ورغبته في الحصول على الماء . وما قلناه في الفاء في آية البقرة يقال في الفاء في قوله تعالى: فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم (الشعراء: 63) والله أعلم .

اللجاجة في الطلب

السؤال: لماذا أوثر النفي ل (لن) في قوله تعالى حكاية عن بني إسرائيل: وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد . . (البقرة: 61)؟

- الجواب: أوثرت (لن) في الآية الكريمة على غيرها من أدوات النفي لدلالاتها على توكيد النفي واستمراره في المستقبل، فهي تكشف عن سوء طوية بني إسرائيل، وخبايا أنفسهم من قوة الإصرار على العناد والتمرد واللجاجة في الطلب حتى مع الله تعالى ورسله الكرام .

السؤال: علام عطف قوله تعالى: وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد . . . (البقرة: 61)؟ وما سبب العطف؟

- الجواب: عطفت هذه الآية على ما قبلها من الآيات، لأن السياق سياق تعداد لنعم الله تعالى على بني إسرائيل، وتذكيرهم بها، وبجحودهم وإنكارهم وعنادهم، والسبب في عطف الآية على ما قبلها اتفاقها معها - الجمل التي قبلها - في الخبرية لفظاً ومعنى، وهو ما يسمى عند أهل البلاغة بالتوسط بين الكمالين .

السؤال: لماذا قال بنو إسرائيل فادع لنا ربك ولم يقولوا: فادع لنا ربنا؟ وما سر ذكر وصف الربوبية في الآية؟

- الجواب: أوثر لفظ (رب) لما فيه من معاني اللطف والرعاية والإنعام . وإنما طلبوا من موسى - عليه السلام - أن يدعو لهم، لمكانته عند الله تعالى، ولأن دعاء الأنبياء أدعى للقبول وأقرب للإجابة . وقالوا: (ربك) ولم يقولوا: ربنا؟ (لأن في ذلك من الاختصاص به ما ليس فيهم من مناجاته وتحكيمه وإيتائه التوراة، فكأنهم قالوا له: ادع لنا المحسن إليك بما لم يحسن به إلينا، فكما أحسن إليك من قبل نرجو أن يحسن إليك في إجابة دعائك)، هذا ما علل به الألوسي في قولهم: (ربك) دون: ربنا .

ولكنني أكاد أستشف في عدم قولهم: ربنا عجرفة وتعالياً حتى على ربهم وهم في التيه في جوف الهلاك، وفي فم الموت . وكان الأولى بهم وهم في التيه بعد أن كتبه الله عليهم أربعين سنة لرفضهم دخول الأرض المقدسة أن يقولوا: ادع لنا ربنا فهم في موقف المستغيث المتضرع، ولكنهم لسوء أدبهم قالوا: ادع لنا ربك وقد تكرر هذا منهم، فقد قالوا لموسى عليه السلام: . . . فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون (المائدة: 24)، وقالوا له عندما أمدهم بذبح بقرة: قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي (البقرة: 68)، ادع لنا ربك يبين ما لونها . . (البقرة: 69)، ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا . . (البقرة: 70)، وكأنه ربه وحده وليس ربهم هم أيضاً، والله أعلم بمراده .

السؤال: ما نوع المجاز في قوله تعالى: تنبت الأرض؟

- الجواب: مجاز عقلي، لأن المنبت هو الله تعالى . وعلاقة هذا المجاز المكانية، لأن الأرض مكان الإنبات .

السؤال: ما الغرض من الاستفهام في قوله سبحانه: قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير . .؟

- الجواب: الغرض الإنكار المشوب بالتعجب، حيث زهد بنو إسرائيل في الطعام اللذيذ الطيب الذي أنزله الله عليهم وهم في التيه من غير كد ولا تعب، ورغبوا في الخسيس، وهذا لا يقوله عاقل راشد بل سفيه أحمق.

الذلة والمسكنة

السؤال: ورد قوله سبحانه في سورة البقرة: وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباؤوا بغضب من الله (61)، فأتبع الذلة بالمسكنة، وفي قوله سبحانه في سورة آل عمران: ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وباؤوا بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة (112)، أخّر المسكنة ولم تتبع الذلة كما في البقرة، فما السر في ذلك؟

- الجواب: نشير أولاً إلى أن الخطاب في الآيتين لبني إسرائيل، ولعل السر في هذا الاختلاف الوارد في السؤال، أنهم لما طلبوا من موسى - عليه السلام - في سورة البقرة أن يسأل ربه أن يبدلهم مأكلهم الذي كان يتنزل عليهم من السماء عند الحاجة، وكان طعام ترفه - المن والسلوى - وكانوا لا يبذلون جهداً ولا يجدون عناء في تحصيله، لما طلبوا منه أن يبدلهم مأكلهم بمأكل فيه خسة، ويستلزم الذلة والصغار والمهانة في سبيل تحصيله والتوصل إلى الانتفاع به، أنكر عليهم موسى فقال موبخاً لهم: أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير فلما سألوا ما يستلزم مهانة النفس، ودناءة الحال، لأنه لا يتوصل إليه إلا بتكلف عمل ومشقة، فلما سألوا ما حاصله خسة وامتهان ناسب ذلك أن يبنى عليه ذكر ضرب الذلة والمسكنة عليهم، ثم أردف ذلك بذكر ما باؤوا به من غضب الله الذي سبق به القَدَر عليه . وفي سورة آل عمران، لما تقدم قوله تعالى: لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون (11) ناسب هذا تقديم ما لا مضرة لهم معه ولا فلاح، وهو ما باؤوا به من غضب الله عليهم، فقال سبحانه: وباؤوا بغضب من الله، فجاء كل على ما يناسب مقامه، والله أعلم بمراده .

السؤال: لِمَ قال - سبحانه -: ويقتلون النبيين بغير الحق (البقرة: 61)، وقتل الأنبياء لا يكون إلا بغير الحق؟

- الجواب: المعنى: بغير الحق في اعتقادهم، فالإتيان بالباطل قد يكون حقاً، لأن الآتي به اعتقده حقاً لشبهة وقعت في قلبه، فقد يأتي به مع علمه بكونه باطلاً، فأما أن يُقْدِم عليه مع علمه بقبحه، فذلك في غاية الشناعة، وهذا ما دلّ عليه قوله تعالى: بغير الحق فهؤلاء اليهود قتلوا أشرف خلق الله وهم الأنبياء دون أن يكون لهؤلاء القتلة مسوغ لهم في اعتقادهم، ولا مبرر في كتابهم الذي لا يبيح قتل النفس بغير الحق .

هذا وجه، وهناك تعليل آخر لذكر قوله تعالى: بغير الحق وهو أن التصريح بصفة فعلهم القبيح أبلغ في ذمهم، وإن كانت تلك الصفة لازمة للفعل .

منتهى الكفر

السؤال: ورد قوله تعالى في سورة البقرة: . . . ويقتلون النبيين بغير الحق (61) بتعريف كلمة (الحق)، ووردت تلك الكلمة نكرة في قوله تعالى: ويقتلون النبيين بغير حق (آل عمران: 21)، فما سبب هذا التغاير؟

الجواب: المذكورون في الآيتين بنو إسرائيل، وفي قوله تعالى: ويقتلون النبيين بغير حق بتنكير (حق) زيادة في حملة التشهير بهم والتشنيع بأفعالهم القبيحة التي بلغت مداها بقتلهم الأنبياء بغير سبب ولا شبهة، وذلك أوغل في ذمهم وسوء حالهم؟ لأنهم لا يمكنهم أبداً تبرير ذلك . إذن المقام في آل عمران مقام توبيخ وزجر لهم، ولا يوجد فيه ذكر لفضائلهم ولا تعداد لنعم الله عليهم، لأنه كان في اليهود الذين عاشوا في زمنه - صلى الله عليه وسلم - ولم يؤمنوا به، أما آية البقرة فتنزلت في أسلافهم الذين لم يشاهدوا أمر محمد - صلى الله عليه وسلم - ولم يعاصروا بعثته ولا دعوته، ولقد عرفت سابقاً أن قصة بني إسرائيل في سورة البقرة قد وردت في سياق تكريم لهم وتعداد لنعم الله تعالى عليهم، وقد ورد في سورة البقرة تعداد المخالفات التي ارتكبوها، والموبقات التي اقترفوها والمن عليهم بالعفو عن بعضها، ولكن لأن السياق سياق تكريم لهم فقد استثني بعضهم من الوصف بالكفر والظلم والفسق، بدليل قوله تعالى: فبدل الذين ظلموا منهم (البقرة: 59)، وقوله: وأكثرهم فاسقون (البقرة: 59)، فهم وإن وصفوا بالكفر والاعتداء إلا أنهم ليسوا في ارتكاب البُهت والمجاهرة بالباطل وموالاة التمرد والاعتداء حال أشباههم من المعاصرين للنبي - صلى الله عليه وسلم؟ ولذا ناسب حالهم في سورة البقرة التعبير بقوله: بغير الحق، إذ ليس المعرف في قوله المُنَكر .

وأوجز ما سبق فأقول: إن تعريف الحق في قوله بغير الحق معناه: بغير وجه الحق المبيح للقتل في شريعتهم، وهذا أخف في الإنكار من تنكير (حق) في قوله بغير حق، لأن معناه: بغير سبب ولا مبرر قتلوا الأنبياء، ولا وجه للحق المبيح للقتل في شريعتهم، وإنما اقترفوا ذلك طغياناً وكفراً وتمرداً وتمادياً في الضلال، فجاء كل تعبير مناسباً لسياقه، والله أعلم .

إن قوله تعالى في وصف قتلهم للأنبياء بأنه (بغير الحق) أو (بغير حق) وصف لإفادة عتوهم وكفرهم وتجبرهم وتمردهم لا لبيان أن القتل للنبيين قد يكون بوجه حق، لأن الأنبياء عليهم السلام مبرؤون مما يوجب القتل - بل لبيان أن فعلهم إثم وليس له مبرر، وأنه كونه بغير حق للتشنيع على فعلهم وقبيح تصرفاتهم، وقد علل الله ذلك بقوله: ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون (البقرة: 61) .

[email protected]