الحيض هو الدم الخارج من النساء في زمن معين على سبيل الصحة والاعتياد، وهذا معناه أن دم الحيض لا يخرج إلا في زمن معين لمدة معينة، أما ما زاد على هذه المدة فإنه لا يكون دم حيض وإنما يكون دم استحاضة، والفرق بينهما أن دم الاستحاضة لا يمنع المرأة من شيء مطلقاً، أي لا يمنعها من الصلاة والصوم وقراءة القرآن ومس المصحف ودخول المسجد والطواف والعلاقات الزوجية، أما الحيض فلا يبيح شيئاً من ذلك .

ولا خلاف بين الفقهاء أن الحائض يحرم عليها مس المصحف، وخالف في ذلك أبو يوسف من فقهاء الحنفية، أما كتب التفسير فإن الغالب عليها أنه لا حرج في مسها .

أما فقهاء المالكية والشافعية والحنابلة فقالوا: يحرم على كل من الحائض والنفساء مس المصحف . وزاد الشافعية وقالوا: يحرم مس المصحف وحمله .

واستثنى المالكية وقالوا: إذا كانت الحائض معلمة أو متعلمة فإنه لا يحرم عليها مس المصحف . أما داود الظاهري فإنه قال: يجوز للمحدث حدثاً أكبر أن يمس المصحف ولا إثم عليه في مسه . وهذه مسألة اختلف الفقهاء فيها على أقوال متعددة كما رأينا ذلك واضحاً من تعدد أقوالهم .

تحريم مس المصحف

أما الذين قالوا بحرمة مس المصحف فقد استدلوا بأدلة متعددة، ومن هذه الأدلة ما جاء في سورة الواقعة: لا يمسه إلا المطهرون .

وقالوا: يحرم على كل من الحائض والنفساء والجنب مس المصحف، ومن مسه قبل الطهارة كان آثماً . واستدلوا بالسنة على ما جاء في كتاب الموطأ للإمام مالك رحمه الله أن الرسول صلى الله عليه وسلم كتب لعمرو بن حزم: ألا يمس القرآن إلا طاهر، واحتج الإمام أحمد بن حنبل بحديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: وألا يمس المصحف إلا على طهارة .

وقال الحاكم: قد شهد عمر بن عبدالعزيز والزهري لهذا الكتاب بالصحة، وعليه فالنفس تطمئن لصحة هذا الحديث، لا سيما أن إمام السنة الإمام أحمد بن حنبل احتج به وصححه الإمام إسحاق بن راهويه . فقد قال أبو إسحاق المروزي في مسائل الإمام أحمد: قلت (يعني لأحمد) هل يقرأ الرجل على غير وضوء؟ قال: نعم، ولكن لا يقرأ في المصحف ما لم يتوضأ .

وهذا يؤكد لنا حرمة مس المصحف لكل من الحائض والجنب . . وهذا ما اتفق عليه جمهور الفقهاء الأجلاء، هذا وقد وقع الإجماع على أنه لا يجوز للمحدث حدثاً أكبر أن يمس المصحف، وعليه فلا يجوز للحائض مس المصحف إلا إذا كانت معلمة أو متعلمة لأنها حالة ضرورة والضرورة تقدر بقدرها، كما قرر الفقهاء .

قراءة القرآن

أما قراءة القرآن الكريم من قبل الحائض فهذه مسألة اختلف الفقهاء فيها على أدلة متعددة، ونستطيع بتوفيق الله وعونه أن نوجز أقوال الفقهاء في هذه المسألة المهمة على ثلاثة أقوال:

القول الأول: يحرم على الحائض قراءة القرآن، وبهذا قال جمهور الحنفية والمشهور عند فقهاء الشافعية وهو مذهب الحنابلة، وهو قول كثير من الصحابة والتابعين .

القول الثاني: يجوز للحائض أن تقرا القرآن الكريم، وهو قول لبعض الحنفية وهو مذهب المالكية وهو قول لفقهاء الشافعية في المذهب القديم ورأي بعض الحنابلة، كما أنه اختيار ابن تيمية .

القول الثالث: يكره للحائض قراءة القرآن، وهو قول لأحد فقهاء الحنابلة .

ومعنى يكره أي أن ترك القراءة حال الحيض أولى من القراءة، وكأنه يشارك القول الثاني في جواز قراءة القرآن الكريم للحائض .

واستدل القائلون بحرمة قراءة القرآن الكريم للحائض بما أخرجه الإمام الترمذي من حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما: عن إسماعيل بن عياش عن موسى بن عقبة بن نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئاً من القرآن .

وهذا الحديث النبوي الشريف يؤكد لنا أنه لا يجوز لكل من الحائض والجنب قراءة القرآن الكريم، لا فرق في ذلك بين قليل القراءة وكثيرها، لأن ما يحرم كثيره فقليله حرام .

واستدلوا بالمعقول، فقالوا: لا يقرأ الجنب القرآن وكذلك الحائض، لأن حدثها أغلظ من حدثه ولأن المنع من القراءة لتعظيم القرآن ومحافظة على حرمته، وهذا لا يوجب الفصل بين القليل والكثير .

وهذا كله يؤكد لنا أنه لا يجوز للحائض أن تقرأ شيئاً من القرآن تعظيماً لحرمته ولبيان أهميته ومكانته لأن الجنب يحرم عليه صراحة، ومن باب أولى ثبوت الحرمة للحائض .

أما الذين قالوا بجواز قراءة القرآن الكريم للحائض فقد استدلوا بما يأتي:

استدلوا بما جاء في صحيح الإمام البخاري رحمه الله تعالى قال:

عن القاسم بن محمد عن عائشة رضي الله عنها قالت: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم لا نذكر إلا الحج فلما جئنا سرف طمثت (كناية عن الحيض) فدخل علي النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أبكي فقال: ما يبكيك؟ ورددت: والله إني لم أحج العام . قال: لعلك نفست؟ قلت: نعم، قال: فإن ذلك شيء كتبه الله على بني آدم، فافعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري . وهذا الحديث النبوي الشريف يدل دلالة واضحة على أنه لا يحرم على الحائض أن تقرأ شيئاً من القرآن الكريم، لأنه عليه الصلاة والسلام حينما علم أن أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها نفست (أي حاضت) خفف عنها ويسر لها الأمر، وقال لها: افعلي ما يفعله الحاج، ولكنه عليه الصلاة والسلام استثنى من هذا شيئا واحداً وهو الطواف، ومن المعلوم أن من ذهب لأداء مناسك الحج يكثر من الدعاء والاستغفار، والرسول عليه الصلاة والسلام لم يمنعها من شيء من هذا وإنما منعها من الطواف، لأن الطواف صلاة، إلا أن الله أحل فيه الكلام، فدل هذا كله على أن الحائض لا يحرم عليها أن تقرأ شيئاً من القرآن الكريم حال حيضها .

واستدلوا أيضاً على جواز قراءة الحائض للقرآن بما جاء في صحيح الإمام مسلم رحمه الله من أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه . وهذا الحديث الشريف اتفق العلماء على صحته، وعلى جواز قراءة القرآن الكريم للحائض والجنب لأنه دل بمضمونه على أن الحيض والنفاس والجنابة لا تنافي جميع العبادات، على أن هناك من العبادات ما هو جائز حال الحيض والنفاس والجنابة، ومنها ذكر الله عز وجل، والذكر يكون أعم بالقرآن الكريم وغيره، وإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يذكر الله في كل أحيانه فهذا يدل دلالة واضحة على أن قراءة القرآن الكريم لا تحرم على الحائض والجنب، لأنه لو كان حراماً ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه عليه الصلاة والسلام لا يفعل إلا ما فيه الخير وما هو مشروع، أما ما ليس بمشروع فإن فعله لا يكون جائزاً ويستحيل أن يفعل الرسول صلى الله عليه وسلم ما ليس بجائز، لأنه المشرع لأمته والمعلم لها .

وقالوا أيضاً: إن الحائض قد يمتد حيضها وقد يؤدي هذا إلى نسيان ما حفظت، فتجد نفسها مضطرة لقراءة القرآن الكريم ومس المصحف وحمله .

ورأينا فيما سبق أن الفقهاء اختلفوا في مشروعية قراءة القرآن الكريم للحائض أثناء حيضها، هل تقرأ أم لا تقرأ؟ واستدل كل فريق بأدلة متعددة، وللإنسان ألا يتحير في هذه المسألة المهمة وألا يقول إن الأقوال متضاربة . لكننا نقول: استفت قلبك والتزم بما يطمئن إليه القلب وترتاح إليه النفس .

وما دام الإنسان قد علم بدليل كل فريق وبما ذهب إليه وبما استدل به نقول: استفت قلبك .