الأول: الإبهام والغموض غير المبررين فنياً أو فكرياً، والثاني: المباشرة والخطابية والمناسبية.
فقد جاءت قصائدها في ديوان (الليل يغنّي وحيداً) الصادر عن دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة بلغة شعرية تعبيرية شفافة، لا إبهام مغلقاً فيها، ولا خطابية تغير هوية الشعر إلى فن آخر، وإن كنا نأمل من الشاعرة أن تتنبّه إلى شعرية القصيدة أكثر فأكثر وإلى أهمية هذه الشعرية والغنائية في القصيدة المعاصرة، فإن ما قدمته في هذا الديوان يؤكد أن تطور القصيدة لديها يتعمق أكثر فأكثر.
وتتسم هذه اللغة الشعرية بالتشكيل المتسق والإيحاء الشفّاف والترميز المدهش. وتتضح هذه السمات الفنية والأسلوبية والموضوعية في أغلب قصائد الديوان. وسنرصد في هذه الدراسة بعض النماذج التي تتوهج فيها اللغة الشعرية وتتكاثف صورها ودلالالتها وترميزاتها، لبلورة بعض جماليات القصيدة لدى الشاعرة، والقضايا التي تتضمنها هذه القصائد.
لدى الشاعرة قدرة فنية لماحة في التقاط الفكرة وتشكيلها بصورة فنية تثير الدهشة والتأثير ويظهر ذلك حتى في الإهداء، حين تقول:
إلى هدير البحر
في قلب أمي
فقد كثّفت الشاعرة عذابات الأم وآلامها وبراكينها الحبيسة في صدرها في صورة (هدير البحر)، وكأن هذا البحر الهادر هو ذاك القلب الهادر المتفجر، ففي تشبيه قلب الأم بهدير البحر تكثيف لعشرات الكلمات والعبارات التي تجسد صخب قلب الأم، حيث اكتفت الشاعرة بهاتين الكلمتين الموحيتين اللتين اختزلتا كلاماً كثيراً.
كما يظهر مثل هذا التشكيل المتسق الثري في قصيدة نسيج الظل، حيث تتشكل الصور الشعرية من مفردات متشابكة معنى ومبنى، صوتاً وإيقاعاً، هذا التشكيل في الصورة الشعرية يثير الدهشة ويفتح النوافذ على إيحاءات وإحالات لا حدود لها وتتشكل الصورة الشعرية بمفردات بسيطة متآلفة موحية في قصيدة (لست المحاصر)، إذ تقول:
النار عمياء ترى وجه المؤجج
أججوها ثم ناموا
تحت آنيتي وعشبي
تحت أرغفتي وخلّي
تحت أكفاني وبيتي
فالنار العمياء الحارقة التي أشعلها الحقد والطغيان أكلت اليابس والأخضر، لم تبق بشراً أو حجراً أو شجراً، دمرت البيت وأحرقت العشب وقتلت الصديق.. وطال شرارها وشرها حتى الأموات وأكفانهم.
فقد حشدت الشاعرة أشياء أتت عليها النار لتجسد بشاعة الحرب العمياء وفداحة الخسائر التي طالت مقومات الحياة من عشب وبيت وأهل، وكأنها حرب ليست بين مقاتلين أو جيوش وإنما بين النار والدمار وبين الناس الآمنين البسطاء.. وحتى الموتى منهم. هذه المفردات البسيطة المتجاورة شكلت وجسدت قضية كبرى في صراعات الإنسان المعاصر حيث يغيب عن أفقه الأمان والعقل والضمير، ويحضر الرعب والجنون والقهر.
معاناة الصراع
مثلما تميزت اللغة الشعرية لهدى الزرعوني بالتشكيل المنسجم في كثير من قصائدها، تميزت أيضا بالإيحاء الشفاف، والإحالة الدقيقة التي تجسد الفكرة المقصودة، في مواطن كثيرة من ديوان (الليل يبكي وحيداً).
ففي قصيدة (قبل هبوب البحر) توظف الشاعرة حكاية موسى (عليه السلام) وملاحقة فرعون له في أعماق البحر، تقول:
الدرب طويل ياموسى
والبحر صديق الحرية
فرعون يعربد فوق الماء
يعمر أبراجا عميقة
... ستثور جفون البحر ويبلعه
... النصر سيولد من عرق الإبحار
تتناص هذه القصيدة وتحيل إلى قصة الصراع بين الحق والباطل من خلال ملاحقة فرعون لموسى (عليه السلام) وقومه حتى بعدما ركبوا البحر يتهددهم الغرق. ويتضح الإيحاء الشفاف في هذه الإحالة من خلال الفكرة أو القضية التي تجسدها الشاعرة، وهي هذا الصراع القائم اليوم بين الظالم والمظلوم، بين الجلاد والضحية بين الطغيان والعدالة. فالشعب المغلوب على أمره اليوم، الهارب من القمع والقهر، يجد البحر من أمامه والطغاة من ورائه، ويدرك أن (الطريق طويل) وأن الهلاك يزحف، فماذا يفعل. لكن الشاعرة تحيل مرة أخرى إلى نهاية الحكاية، من حيث غرق فرعون ونجاة النبي موسى وقومه، وتقول: إن للبحر جفوناً سوف (تثور) وتحاصر الظالم (وتغرقه)، ثم تؤكد أن النصر سيأتي من الصبر والصمود.
إن تناصات هذه القصيدة وإيحاءاتها وإحالاتها قد بلورت معاناة الشاعرة من صراع بدا الظالم فيه هو الأقوى الذي لا يقهر، ولكن العبرة بالنهايات، كما ترى، والغلبة في النهاية كانت لصوت الحق وللمظلوم المؤمن بانتصاره، مهما طال الطغيان ومهما علا بنيانه.
كما تتضح الإيحاءات الدالة الشفافة في كثير من القصائد، حيث تكتفي الشاعرة بالإيحاء والتلميح من دون التصريح في الصور الشعرية والتناصات والإشارات المتعددة. ففي قصيدة (من ذاكرة هابيل) تقول:
... لمركبي أنت الرياح
لمعطفي.. أنت الدّثارْ
... لو كنت أدري
أن مقبرة الغراب نهاية القربان
يا قابيل
كنت جمعت ذرات التلاقي
والخطى أنى تسيرُ
ونثرتها..
قبل الرحيل بحلة الأكفان
تستحضر الشاعرة مأساة قابيل وهابيل لتكون معادلاً موضوعياً للقضية التي تطرحها تلميحاً وإيحاءً. فصراع قابيل وهابيل يعادل صراع الأخوة والأهل والبشر في عصرنا المنكوب، وقابيل القوي المخادع الطامع يغدر بهابيل المسكين البريء النبيل. وهي صورة موحية رامزة لصراع البشر اليوم على صعيدين، صعيد صراع الأمم والدول الكبرى التي تحاول ابتلاع الدول الصغرى، أو صعيد المجتمع الواحد أو الشعب الواحد أو الأسرة الواحدة، حيث يظهر قابيل في طرف ليدمر هابيل في الطرف الآخر.
لكن الشاعرة الحزينة من غدر الأخ لأخيه، ومن بطش الطغاة بالناس البسطاء، ومن هذا الدمار الذي يجوب الأرض شرقاً وغرباً تؤمن بأن قابيل لا يسود إلى الأبد، وأن القاتل لا يظل طليقاً إلى ما لا نهاية، إذ لا بد للحياة أن تأخذ مسارها الحتمي وتهزم الموت وتوقف الطوفان، ولا بد أن يشعّ نور الشمس مهما كان الإعتام، كما تقول الشاعرة في ختام القصيدة.
أحلام بسيطة
لعل إثارة الدهشة في القصيدة المعاصرة قد غدت من السمات الأسلوبية التي يحافظ عليها الشاعر ويلاحقها في لغته الشعرية وصوره الفنية، لأن دهشة القارئ إغراء له لدخول عالم القصيدة.
وتتنوع الصور الشعرية لدى هدى الزرعوني التي تتشكل بلغة مثيرة مدهشة رامزة، حيث تتكشف الانزياحات الشعرية، وتكثر المفارقات وتنكسر التوقعات في صور شعرية جميلة. ففي قصيدتها (الانتظار يأتي برحيل واحد)، تنسج الشاعرة صوراً شعرية رامزة تتشكل من ثنائيات مدهشة، تقول:
أكان الرعاة يجوسون في ذات رعي؟
ومثل الرعاة مضينا
نباغت خضرة أحلامنا في مكان فسيح
وفسحة قلب عزيز وفيّ
تراءت محالاً
كجمع الحرام وضده
فالشاعرة التي تجسد وجع الإنسان المعاصر وغربته وتيهه تتشبث (بفسحة الأمل) وببقعة أرض خضراء يرتاح فيها القلب وتطمئن فيه الروح في زمن الضجيج والموت والقهر. وكما الرعاة يبحثون عن الماء والكلأ لماشيتهم، يبحث إنسان اليوم عن الحياة والأمان، ولكنه يفشل، وكأنه محكوم عليه بالنفي والغربة والقلق، ويبدو حلم القلب الوفي في أن يجد مكانا مريحا أو لحظة هادئة أمرا مستحيلاً، كمن يريد الجمع بين الحلال والحرام في آن.
إن أحلام الشاعرة البسيطة تنكسر على انهيارات الواقع وفجائعه، مثلما تنكسر أحلام الإنسان المعاصر على انفجارات خفية وعلنية، تنبثق حيناً من باطن الأرض، وتهدر حينا من جحيم السماء. فلا أحد آمن لأكثر من اللحظة التي يحياها، أما بعد ذلك فمن يدري. وكل هذه الإيحاءات الرامزة في القصيدة إشارات إلى الشعوب التي تذبح كل يوم سواء في العراق أو فلسطين أو غيرهما. ويتنوع الرمز في قصائد الديوان، فمن الرمز الفني القائم على انزياحات اللغة وتشكيلات الصور وثنائياتها، إلى الرمز الأسطوري والتاريخي والديني وغيرها. فكما لاحظنا الإحالات إلى قابيل وهابيل وإلى فرعون وموسى (عليه السلام)، ودلالاتهم الرمزية، نجد الشاعرة تبتكر صورها الرامزة وتضاداتها اللغوية المدهشة، تقول في قصيدة (حال الأرض ومقالها):
أيا رعشة الخيل
ذابت
عروق الحياة انتظاراً
ودلّ السّبات عليه السبات
وقالت لسكانها الأرض
للحلم والمجد والأمنيات
ثكلت السلام المعلق فوق الشتاء ذبيحاً
... تواطأ نهر الجفاف ونهر الفرات
فلم تأكل الطير قمح غصوني
تقدم الشاعرة في هذه الأبيات مرثيّة مؤلمة للإنسان المعاصر، وبخاصة الإنسان العربي المكتئب الذي يغط في نوم عميق، مرثية (للسلام) المعلق مذبوحاً أمام الجميع، بكائية لنهر الفرات الذي جف بفعل الدمار الذي يحاصره، بكائية للخيول التي كبت وما استطاعت النهوض وللأمة التي يسلمها (السبات إلى سبات جديد).
تتكثف الصور الشعرية في هذه القصيدة كلوحة تشكيلية مشحونة ومحمّلة بالدلالات والإيحاءات، فصورة (الطير الذي كفّ عن التقاط القمح) و(تواطؤ الجفاف على نهر الفرات) و (السلام المعلق مذبوحاً) و(رعشة الخيل التي همدت) و (صرخة الأرض بالنيام من أبناء الأمة)... كلها إشارات مكثفة في مقطوعة شعرية واحدة وهي صور معبّرة مجسدة حالة هذه الأمة التي تلفظ أنفاسها إذا استمر الموت يحط فوقها والناس نيام، كما توحي الشاعرة.