لمن أشكو حزني؟ سؤال لافت يفتتح به أنطون تشيخوف قصته الشهيرة وحشة والتي تدور حول حوذي يموت ابنه وعندما يحاول أن يشكو حزنه إلى من حوله لا يجد من ينصت إليه وفي النهاية يتحدث إلى حصانه عبر حوار مكثف يكشف من خلاله تشيخوف معاني عدة تتماس مع أحاسيس الوحدة ومشاعر الألم.
في قصته البيبسي من مجموعة شيء من الحنان يصور لنا محمد المر علاقة شديدة الرهافة والشفافية بين فرحان سعيد والبيبسي، جمل الفريج المنبوذ، بطل القصة فرحان سعيد.. والاسم له دلالته الواضحة، كان يعمل في آبار النفط البحرية وفي أحد الأيام وقعت له حادثة جعلته يصاب بالعرج، أما جمل الفريج فكان لرجل يدعى عبدالله اشتراه صغيراً وأحضره الى منزله، ولكن زوجته رفضت إطعام الجمل، بل وهددت بقتله خوفاً من أن يصيب ابنها الصغير بأذى مما دفع عبدالله إلى إطلاق الجمل الصغير المقروح وفي الفريج أصبح الجمل ملكية جماعية لكل الصبية والشباب كل واحد يتبرع له بقطعة بسكوت أو حلاوة أو مشروب وكلهم يداعبونه ويركبون عليه وأطلقوا على الجمل البيبسي لأنه كان يمسك زجاجة البيبسي بفمه ويرفعها إلى أعلى ويظل يمصها حتى تفرغ ثم يرميها.
وعند دكان عبود البقال اعتاد فرحان سعيد الوقوف وهناك كان يكلم البيبسي شاكياً اليه أحواله وبمرور الوقت قامت علاقة بين الاثنين تذكرنا بقصة تشيخوف السابقة الذكر، ولكن المر يذهب بالحدوتة الى آفاق أبعد، ففرحان سعيد المدمن والبائس والمطرود من العمل يضع كل آماله في الجمل، ويقرر أن يشترك من خلاله في سباق الجمال وفي أثناء الاستعداد لذلك تصدم إحدى السيارات البيبسي فيصاب بالعرج هو الآخر.
إن فرحان سعيد أصبح في قصة المر لا يعاني النبذ والطرد من العمل بمفرده، بل وجد من يشاركه تلك الأحاسيس حتى النهاية، فالقصة لا تنتهي إلا بإصابة الجمل بالعرج، فهل نقرأ في ثنايا القصة أبعادها الإنسانية وحالة التماهي الوجودية التي يقيمها المر؟ أم نلتفت إلى أبعادها الحضارية وربما المحلية. ففرحان سعيد الذي يقول عن نفسه أنا كنت أقوى العمال وأحمل أثقل الأنابيب يطرد من عمله بسبب توحش آلة أصابته بالعرج فيلجأ إلى الجمل المعروف بصبره وقوته والمعبر عن ثقافة المكان المحلية والذي يصاب هو الآخر بالعرج نتيجة لتهور سيارة مسرعة.
القردة أم كامل بطلة قصة واقفة وهي تبتسم من مجموعة مكان في القلب تقوم بأحداث عجيبة، فهي تهرب من صاحبها صقر لتفسد عرساً فخماً، وفي موقف آخر تهاجم بقالة وتعبث بمحتوياتها وتتكرر مغامراتها بتسلق منبر أحد المساجد مما يؤدي إلى فرار من فيه وعندما يبحث عنها صقر يجدها بعد عام مصادفة في منزل أحد أصدقائه القدامى والذي أثرى بطرق ملتوية، وهي جثة مبتسمة محنطة. إن القردة في قصة المر لا تقوم بمغامراتها بهدف التسلية وإنما تعبر عن رفض الكاتب لمظاهر اجتماعية مستهجنة مثل الإفراط والبذخ في حفلات العرس والنزعة الاستهلاكية المتفشية في المجتمع عبر الإقبال على الشراء من محلات البقالة وربما يرمز وجودها محنطة في نهاية الأمر في بيت من أثرى بطريقة غير مشروعة إلى الدلالة على ما آلت إليه الأمور على أرض الواقع.
تذكرنا العديد من قصص محمد المر بنقد ابسن للقيم الاجتماعية في مسرحية أعمدة المجتمع، ففي قصة نصيب من مجموعة تحمل الاسم نفسه يتخذ المر من فكرة الزواج منطلقاً لنقد أفكار وتصورات المجتمع الذي يعيش فيه، تحتاج كل جملة وفقرة في هذه القصة الوقوف أمامها وقراءة المسكوت عنه فيها، تبدأ القصة بسؤال كيف ومتى جاءت فكرة الزواج إلى ذهن راشد؟ يجيب الراوي أن راشد فكر في الزواج بعد زيارته لأحد أقربائه، وهناك شاهد زميل دراسة له لم يره منذ سنوات ومعه ابنه الصغير صاحب الوجه الضحوك والشعر الطويل وهنا نشأت في رأس راشد فكرة الزواج.
ومن خلال السرد نتعرف إلى سمات راشد الشكلية وخلفياته الاجتماعية، شاب في مقتبل العمر، رياضي، يعمل ضابطاً في الجيش، راتبه يقترب من راتب وكيل وزارة، يعيش في فيلا فخمة، باختصار تتوافر فيه كل صفات العريس المثالي، يذهب إلى والدته وعمتيه ليخبرهن برغبته في الزواج وتتشكل لجنة من الثلاثة لاختيار العروس المطلوبة، يقع الاختيار أولاً على إحدى القريبات، تقدم اللجنة تقريراً مطولاً عن مميزات العروس وعندما يتم الرفض تتحول لائحة المميزات إلى قائمة بالنقائص تشمل أشياء تافهة ويفضح الحوار ذهنية رجعية وسطحية ومع تكرر الرفض وفشل راشد المستمر في التوفيق إلى العروس المناسبة نجد في كل مرة تقرير المميزات المبدئي وقائمة النقائص اللاحقة، وفي النهاية يتزوج راشد إحدى الفتيات والتي يتعرف إليها بالصدفة.
يقول المر مبرراً ذلك الزواج يقرآن لنفس الشعراء، أذواقهما في الموسيقا مشتركة فهل نحن أمام دعوة إلى التخلص من كل القيم البالية والتي لا تتفق مع روح العصر؟!
ويدفعنا المر في قصة الحاج أمين من المجموعة السابقة نفسها إلى تذكر شخصية طرطوف لموليير، فبطل القصة الانجليزي جون ويليم والذي يعمل في شركة الرمال الذهبية للنقل والمملوكة لسالم عبدالله يستطيع بجهوده المخلصة أن يحقق أرباحاً ضخمة لصاحب الشركة، مما يدفعه إلى التقرب منه وأدت العلاقة الوطيدة بينهما إلى أن يعتنق جون ويليم الإسلام ويختار اسم أمين عبدالله، والاسم له دلالاته، بل ويطلق لحيته ويؤدي مناسك الحج ويمارس الدعوة للدين الإسلامي، وفي نهاية القصة يقرأ سالم عبدالله خبراً في إحدى الصحف مضمونه أن إدارة المباحث الجنائية في دبي ألقت القبض على جون ويليم الذي كان يشرف على شبكة تهريب دولية للمخدرات.
إن الملحوظة الأساسية التي يمكن الخروج بها من هذه القصة تتمثل في جرأة المر وبصيرته المستقبلية، فالقصة التي كتبت في عام 1986 سيتم تكرار تيمتها مراراً في ما بعد من قبل العديد من المبدعين والمثقفين العرب في مصر والجزائر طوال حقبة التسعينات من القرن العشرين.
لا يكتمل النقد إلا بإلقاء الضوء على عيوب الذات ونقصد هنا الإشارة إلى النقد الذاتي الذي نظر له الكثير من المثقفين العرب وتناول شخصية المثقف وحالة الفصام التي يعيشها والناجمة عن هشاشة التكوين الاجتماعي للمحيط الذي يعيش فيه المثقف العربي المعاصر، في قصة ما يقال وما لا يقال من مجموعة شيء من الحنان يقوم أحد الأدباء الكبار بإجراء حوار صحافي مع اثنين من المحررين في كل سؤال يقدم الأديب الكبير إجابتين، الأولى حقيقية وقاسية تتناول الأوضاع القائمة بمرارة، والثانية وردية تجمل كل ما هو قبيح. ودائماً يطالب بشطب الإجابة الأولى والإبقاء على الثانية، والممتع في هذه القصة أن ذلك الأديب يسخر في نفسه من الأسئلة المفخمة والموجهة إليه ويشعر بالألم للإجابات الوردية التي يقدمها.
أحياناً تنظر الى وجه طفلة فتجد فيه جمال كل نساء العالم هكذا يصف المر جمال نفافة في قصة تحمل الاسم نفسه من مجموعة المفاجأة، نفافة طفلة جميلة عندما بلغت العاشرة كانت كل نساء الحي يفكرن فيها كزوجة لأبنائهن، نفافة روح طليقة كثيرة الحركة، تعشق المشي في الأسواق، يخشى عليها أبوها من العيون، يضربها الأب بقسوة، يحترق قلب الأم العاشقة لابنتها وتموت، يتحول شعر الطفلة الأسود الكثيف الى اللون الأبيض، تصبح نفافة من أبناء السبيل، تنام في المساجد تدخل البيوت ويتبرك بها المرضى والنساء العاقرات والعوانس، ينتهي بها الحال لترحل لتعيش مع المجذومين في خيامهم المجذومون أرواح إنسانية تحيا على السمر والغناء، وفي النهاية تموت نفافة.
والسؤال الذي نطرحه بعد تأمل مضمون قصة نفافة ودلالاتها الى أي مدى يصل بنا النقد في إبداع المر؟ ربما تتضح الإجابة بعد جولة سريعة مع المر في قصته الدب الموسيقي من مجموعة قرة العين، في تلك القصة نجد طفلاً دائم البكاء في مستشفى، يفشل الجميع في إسكاته والسعي الى إسكات الطفل والذي يُسخر له الجميع أنفسهم لا ينطلق من التعاطف معه بقدر ما يرتبط برغبة كل شخص في العودة الى الموضوع الذي يشغله وأفسده بكاء الطفل. فما هذه الموضوعات؟ أحدها يتعلق بحل الكلمات المتقاطعة وآخر ثرثرة فارغة وثالث يدور حول كرة القدم ورابع يتناول الملاكمة وحياة محمد علي كلاي إلخ.. ولا يسكت الطفل إلا عندما يرى طفلة معها لعبة عبارة عن دب موسيقي متحرك.
يمكن القول إن النقد في إبداع المر بلا حدود، وقصصه لا تقدم حلولاً لقضايا ومشكلات المجتمع المؤرقة بقدر ما تثير أسئلة تدفع الذهن الى التفكير وربما يصل النقد في عالم المر الى الدعوة الى الانسحاب من واقع لا يتفق تماماً مع أحلام وتصورات المر وإقامة عالم بديل ولو كان سكانه من المرضى المجذومين وفي أحيان أخرى يصبح الرمز الى الواقع شديد القسوة -المستشفى بكل دلالاته- وتتلبس المر روح الطفل والتي يقول عنها ديستويفسكي في رواية المراهق إنها روح تخريبية تسعى لتدمير الواقع المتناقض لتقيم على أطلاله عالماً أكثر انسجاماً.
لقد استطاع المر أن يقيم عالمه الخاص من خلال إبداع يرتكز على ثلاث دعائم: لغة انسيابية تمتلك تقنيات الحكي وآلياته، مدينة يعرفها كبيته، واستطاع من خلالها أن يرصد تطور مجتمع الإمارات خلال العقود الماضية، وحداثة تؤسس للنقد وتحتفي به بوصفه خطوة أولية وجوهرية لأي نهوض منشود.
العلم والعدالة
يقول محمد المر في قصة خمسة آلاف مليون من مجموعة نصيب: الأرض لا تكفي خمسة آلاف مليون إنسان بل خمسين ألف مليون لو ساد العلم والعدالة، في العالم مجاعات لأنه هنالك من يموت من التخمة، وفي العالم حروب لأن هنالك من يثرى بسببها، وفي العالم أوبئة لأن البشر ينقادون لغرائزهم ولا يحكمون عقولهم في حياتهم تتناص هذه الفقرة والتي تتكرر بمفردات أخرى في إبداع المر ببحث نجيب محفوظ الدائم عن العدالة والعلم، حيث كتب أجمل إبداعاته كأولاد حارتنا وملحمة الحرافيش ورحلة ابن فطومة ليؤكد هاتين القيمتين بوصفهما تمثلان حلم الإنسان الدائم والأبدي.