عندما نفكر بالكون ومحتواه (السماء والسماوات والمجرات والنجوم والكواكب والمادة والطاقة..) نجد أنفسنا نربط الظواهر الكونية بآيات القران الكريم الدالة على خلق الله سبحانه وتعالى وعظمته الفائقة، وترتسم في أذهاننا -عملياً وعلمياً وتفكيرياً - مئات الصور ذات الوشائج التي تشد العقل إلى العلم من جهة، وإلى النص القرآني العظيم من جهة ثانية، على أساس تحديد العلاقة بين الثابت والمتغير في الشكل والجوهر ثم في الشكل إزاء الجوهر.
ويحمل النص القرآني مزية تلاقي الشكل بالجوهر من حيث ظواهر الإعجاز في خلق الكائن الحي وفي الكون ومحتواه.
وما أكثر الآيات الظاهرات الكريمات في كتاب الله تعالى التي تدعو إلى التفكر والتفكير.. سبحان الله، ولنقرأ الآتي:
«.. فاقصص القصص لعلهم يتفكرون» (الأعراف: 176)
«.. نفصل الآيات لقوم يتفكرون» (يونس: 24)
«.. إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون» الرعد 3، النحل 11 و69، الروم 21، الزمر 42، الجاثية 13
«.. ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون» (النحل: 44)
«.. وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون» (الحشر: 21)
«.. ويتفكرون في خلق السماوات والأرض» (آل عمران: 191)
«.. أن تقوموا لله مثنىٰ وفرادىٰ ثم تتفكروا..» (سبأ: 46)
«.. كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون» (البقرة: 219)
ولكن كيف يتم التفكر أو يصير؟ ولماذا؟ وماذا بعد التفكر في (يتفكرون)؟ أهو بالتفكير العقلي المجرد أم بالتفكير العلمي التجريبي؟ أم بهما معاً؟ أظن بهما معاً تحت الإيمان الراسخ بالله وقدرته.
في مقالاتنا المتواضعة هذه التي تنشرها لنا مشكورةً جريدة الخليج الغراء يومياً خلال شهر رمضان المبارك بصيغ جديدة - كما نظن -، فقد استهدفنا علوم فيزياء الفلك والكون تحت دافع التخصص، وانتهجنا الفكر والتحليل تحت الحاجة لمنهجية الموضوعات المطروحة، واستظللنا النص القرآني نبراساً يكشف عن سلامة التشخيص وصواب المعنى.
انطلقنا من القرآن الكريم لأننا تدبرنا كثيراً في أقواله سبحانه وتعالى فوجدناها تحمل إشارات كونية فلكية جديرة بالإثارة والدراسة المعمقة الدقيقة استرشادا وتيمناً بقوله تعالى:
«.. ونزلنا عليك الكتاب تبيانًا لكل شيء وهدى ورحمةً وبشرى للمسلمين» (النحل: 89)،
«ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل فأبى أكثر الناس إلا كفوراً» (الإسراء: 89)
إن العلوم الفلكية والفضائية من العلوم المعاصرة دائماً ووصلت إلى درجة عالية جداً من الدقة بخصوص كل ما يتعلق بحركات محتوى الكون من مختلف الأجرام السماوية ومعرفة مواقعها وخواصها الفيزيائية وتطورها وبخاصة القريبة منا مثل الشمس والقمر والمريخ والزهرة ومعرفة مواضعها ونسبة بعضها إلى بعض في كل لحظة من لحظات الزمن بصورة قطعية لا تقبل الشك. ولا شك أن القرآن الكريم هو كتاب الله المقروء، والكون هو كتاب الله المنظور، وبالرغم من أن كلمة الكون غير واردة في القرآن الكريم، فإن مرادفاتها مثل السماء والسماوات مذكورة في أكثر من سورة وأكثر من آية بشكل يفسر الدقة والحساب والمحتوى، فضلاً عن ذكرها بشكل متلازم مثل «السماوات والأرض» و«الشمس والقمر» و«الليل والنهار» و«الشمس والقمر والنجوم» وهكذا نجد الدقة المتناهية المنسقة.
وبالنسبة للعلوم عامةً والفلك والفيزياء خاصةً فقد احتلت - بمختلف تخصصاتها وفروعها - منزلة رفيعة في الإسلام، ونال العلماء من المكانة والتقدير ما لم يبلغوه في دين آخر، إذ تميز الإسلام بالنظرة الشاملة الكاملة للكون بكل محتواه المادي والحسي والروحي، وكما ذكرنا فإن القرآن الكريم غني بالإشارات والدلالات الدقيقة على الكون وما يحتويه.
وأشار القرآن الكريم إلى الكون وظواهره ومحتواه في أكثر من 40 سورة من سوره البالغ عددها 114 سورة. وقد أفاض المتحدثون من العلماء والباحثين في أوجه الإعجاز في القرآن الكريم، إذ فيه الإعجاز اللغوي، التاريخي، البياني، النظمي، التركيبي، الدلالي، التعبدي، الأخلاقي، الاقتصادي، الإداري، الطبي والصناعي، العلمي والتقني (العلوم الأساسية والاجتماعية والأدبية والتاريخية والتربوية)، العددي والرقمي (الرياضياتي)، الصوتي والضوئي، فضلاً عن الإعجاز في الطبيعة وفي الكون وفي المادة والطاقة.
وقد استعنا بالقرآن الكريم إذ تدبرنا كثيراً من أقواله سبحانه وتعالى فوجدناها تحمل معلومات جديرة بالبحث المعمق من جهة، ولأننا استرشدنا بقوله تعالى:
«ويوم نبعث في كل أمة شهيداً عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيداً على هؤلاء ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء وهدىً ورحمةً وبشرى للمسلمين» (النحل: 89)
وثم بقوله تعالى: «ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل فأبى أكثر الناس إلا كفوراً» (الإسراء: 89)
من هنا وجدنا أن العلوم الفلكية الكونية ليست بعيدة عن النص القرآني، ولكن لا يمكن تحديد درجة القرب من غير عمل متصل ومترابط، بل مصنف ومتدرج، فكان هذا الجهد المتواضع، وأي جهد آخر متوقع، فإنه لا يبلغ الكمال في إعداده ولن يستطيع، إنما حسبه الغور والاتساع في ثلاثية «النص القرآني والفكر والعلم» وكان عملنا في سبيل الله وابتغاء رضوانه، فعندما نبدأ بتأمله ومناقشة تفسيراته ثم مراجعة بيانات ومعطيات علوم الفيزياء الفلكية والجوية، قديماً وحديثاً في مؤلفات لنا منشورة مع التعديل حسب الحاجة، يتيسر لنا تحديد المشكلة على نحو دقيق وتحليل أبعادها واستنباط معالجاتها من خلال مناقشة جامعة، وعلى الرغم من هذا الجهد فإن الطبيعة الإعجازية الكونية في القرآن الكريم غالبة على أمرها، فإذا لم نتوصل إلى فهمه فإن عدم الفهم يمثل قصوراً في الفعل الإنساني، وإن تعدد أوجه معانيه ونظائره يعد طريقاً سالكة لمزيد من البحث والنقاش والتقصي، أما ما نقترح إضافته أو تعديله فإنه يكون حسب معايير لا تخرج عن سياق الموضوعات المبحوثة، وفي الوقت نفسه تبقى في حيثياتها معززةً لإعجاز فهم النص القرآني العظيم، أما ما يبقى مجهولاً على نحو كلي أو على نحو جزئي أو من طبيعة المستحيلات فإن أمره إلى الله، إن أراد كشفه لعباده، وتلك مشيئة في الزمان والمكان اللذين يريدهما الله تعالى، وإن أراد حجبه إلى يوم الدين فهو القادر على ذلك، وليس من نهجنا في كل الأحوال أن نفترض ما لا يتفق مع النص أولاً ولا يقره المنهج العلمي الرصين ثانياً، لكي لا نحشر هذا الجهد مع ما سبقه من جهود غلبت عليها السرعة والحماس وغابت عنها أمور كثيرة، أولها الهدف الذي نريده هنا وهو الانتهاء بفرضية أو إلى فرضية (فقهية - علمية) محددة في النظرة إلى الكون.
*مدير جامعة الشارقة - رئيس الاتحاد العربي لعلوم الفضاء والفلك