اختار الله تعالى أن يكون رسوله صلى الله عليه وسلم من قريش أشرف القبائل، وأزكاها نسباً، وأعلاها مكانة، وأن يكون من بني هاشم أشرف بيت في بيوت العرب، وقد روى عن العباس رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن الله خلق الخلق، فجعلني من خيرهم من خير فرقهم، وخير الفريقين، ثم تخير القبائل، فجعلني من خير قبيلة، ثم تخير البيوت، فجعلني من خير بيوتهم، فأنا خيرهم نفساً وخيرهم بيتاً.
حاز النبي صلى الله عليه وسلم كل المحامد التي تكبرها قريش والعرب، وكان اسماً على مسمى بين قومه، فكان محموداً فيهم بالكثير من الخصال والأخلاق التي كانت فيه، كأنها طبعه الذي خلق عليه، واستكمل في نفسه وفي خلقه الصفات التي تؤهله للقيام بالدور المنوط به من رب العالمين.
وكانت قريش تعترف له بشرف النسب فيها، ولم تجد عليه في ذلك أي مطعن، بل لقد كان نسبه فيها أحد العوامل التي حفظت له الحق في الدعوة، وعدم التعرض له، وكان طوال نشأته معروفاً بين الناس بالصادق الأمين، وموصوفاً برجاحة العقل والحكمة، لم يشاركهم في دين آبائهم، واعتزل باطلهم، وراح يبحث لنفسه عن هداية تنأى به عن هذا الباطل الذي عافته نفسه، وصار يتأمل في الغار الليالي الطوال باحثاً عن الهدى، وجاءه الجواب أخيراً بنزول الوحي، وله من العمر أربعون سنة.
ارتباك قريش
أصابت بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشاً بالارتباك الشديد، فاجأهم من يعرفونه، ويعهدون فيه كل خلال طيبة، ويقرون له بالأخلاق الرفيعة، ويعترفون له بالسيرة الحسنة، فاجأهم بقوله إنه رسول من رب العالمين: قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون (الأعراف: 158)، فكانت ردة فعلهم لحظة أعلن عليهم ذلك النبأ العظيم، وعجبوا أن جاءهم منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب، عكس قولهم الثابت عليهم بأقوالهم عنه قبل بعثته صلى الله عليه وسلم، وهم الذين سموه من قبل الصادق الأمين، رموه بالكذب وهم يشهدون له بالصدق، فكان أن تحيروا فيما يقولون فيه.
وكانت أخلاقه المعروفة للعامة والخاصة إضافة إلى ضعف منطقهم، وباطل ما يتمسكون به، نقطة ضعف المشركين الكبيرة، وكان الناس يختارونه لحفظ ودائعهم عنده، وكانوا لا يستأمنون أحداً في قريش غيره، وقد بقيت أماناتهم عنده حتى يوم هجرته من مكة إلى المدينة، ولم ينس صلى الله عليه وسلم أن يكلف علي بن أبي طالب رضي الله عنه برد الأمانات إلى أهلها، رغم تآمر القوم عليه وتتبعهم إياه ومطاردته، والعزم على قتله.
وانظر إليهم يوم صعد النبي صلى الله عليه وسلم على الصفا ونادى عليهم قبيلة قبيلةً، وبيتاً بيتا، وبطناً بطنا، حتى اجتمعت قريش، فقال صلى الله عليه وسلم: أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلاً بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟ قالوا: نعم ما جربنا عليك كذباً قط.
وقد ألقمهم الله حجراً بهذه الحجة في موضع آخر، وهو قوله: أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون (المؤمنون: 69)، ولذا لما سأل هرقل ملك الروم أبا سفيان، ومن معه عن صفات النبي، قال هرقل لأبي سفيان: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال أبو سفيان: لا، وكان أبو سفيان في ذلك الوقت زعيم الكفار، ورأس المشركين، ومع ذلك اعترف بالحق، والحق ما شهدت به الأعداء، فقال له هرقل: فقد عرفت أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس، ثم يذهب فيكذب على الله.
مكانة النبي
لو أن هذا هو المنطق الذي حكم قريشاً لآمنت جميعاً، فقط لأنها تعرف رسول الله، وقد لبث فيهم أربعين سنة قبل البعثة، وكانوا يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، وهم يذكرون يوم قررت قريش تجديد بناء الكعبة وقد جزؤوا العمل، وخصوا كل قبيلة بناحية، واشترك سادة قريش وشيوخها في نقل الحجارة ورفعها، وشارك معهم صلى الله عليه وسلم، فلما بلغوا موضع الحجر الأسود اختصموا فيه، كل قبيلة تريد أن ترفعه إلى موضعه دون الأخرى، وكادوا يقتتلون فيما بينهم، لولا أن أبا أمية بن المغيرة قال: يا معشر قريش اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه أول من يدخل من باب المسجد، فلما توافقوا على ذلك دخل محمد بن عبدالله، فلما رأوه قالوا: هذا الأمين، قد رضينا، فلما أخبروه الخبر قال: هلموا ثوباً، فأتوه به، فوضع الحجر فيه بيديه، ثم قال: لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب، ثم ارفعوا جميعاً فرفعوه، حتى إذا بلغوا موضعه وضعه بيده الشريفة ثم بنى عليه.
والحادثة تكشف عن مكانة النبي صلى الله عليه وسلم الأدبية في الوسط القرشي، وكان قدر الله عز وجل أن يكون لرسوله صلى الله عليه وسلم شرف فصل الخصومة بين قبائل قريش، بالإضافة إلى الشرف الذي تنافس عليه القوم فادخره الله لنبيه فكان هو الذي وضع الحجر الأسود مكانه.
كانوا يقولون للناس: إنه كذاب، وكانوا يقولون له: لا نكذبك، ولكنا نكذب بما جئت، وكان أبو جهل يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: إنا لا نكذبك، ولا أنت فينا بمكذب، ولكن نكذب بما جئت به، وأنزل الله تعالى: فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون (الأنعام: 33)، ومع ذلك ظلوا يكذبونه أمام الناس.
لم يكونوا يصدقون كذبهم عليه، ووصفهم له بأنه كذاب، وروى الزهري عن سعيد بن المسيب بسند صحيح أنه حدث أن أبا سفيان بن حرب وأبا جهل والأخنس بن شريق خرجوا ليلة ليستمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي من الليل في بيته، فأخذ كل رجل منهم مجلساً يسمع فيه، وكل لا يعلم بمكان صاحبه، فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا، فجمعهم الطريق فتلاوموا، وقال بعضهم لبعض: لا تعودوا فلو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم في قلبه شيئاً، ثم انصرفوا، حتى إذا كانت الليلة الثانية عاد كل رجل منهم إلى مجلسه فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا، فجمعهم الطريق، فقال بعضهم لبعض مثل ما قالوا أول مرة، ثم انصرفوا، حتى إذا كانت الليلة الثالثة أخذ كل واحد منهم مجلسه، فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا فجمعهم الطريق، فقال بعضهم لبعض: لا نبرح حتى نتعاهد أن لا نعود، فتعاهدوا على ذلك، ثم تفرقوا، فلما أصبح الأخنس بن شريق أخذ عصاه ثم خرج حتى أتى أبا سفيان في بيته فقال: ما تقول؟ قال: أعرف وأنكر، قال أبو سفيان: فما تقول أنت؟ قال: أراه الحق، قال أبو سفيان: والله يا أبا ثعلبة لقد سمعت أشياء أعرفها وأعرف ما يراد بها وسمعت أشياء ما عرفت معناها ولا ما يراد بها قال الأخنس: أنا والله كذلك، ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل فدخل عليه بيته فقال: يا أبا الحكم ما رأيك فيما سمعت من محمد؟ قال: ما سمعت؟ تنازعنا وبنو عبدمناف الشرف، فأطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تجاثينا على الركب، وكنا كفرسي رهان، قالوا منا نبي يأتيه الوحي من السماء، فمتى ندرك مثل هذه؟ والله لا نؤمن به أبداً ولا نصدقه.
الوليد وأبو جهل
تحيرت قريش فيما تقول عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم تكن حيرتهم ناشئة إلا عن معرفتهم السابقة التي تصب في صالحه، ولذلك تفرقوا في التعبير عن رفضهم للنبي ورسالته، وتضاربت أقوالهم فيه، حتى أن الوليد بن المغيرة لما سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المسجد سورة غافر، انطلق إلى مجلس بني مخزوم فقال: والله لقد سمعت من محمد كلاماً آنفا، ما هو من كلام الإنس، ولا من كلام الجن، إن أسفله لمغدق، وإن أعلاه لمونق، وإن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه يعلو ولا يعلى، ثم انصرف، فقالت قريش: لقد صبأ الوليد، والله لئن صبأ الوليد لتصبأن قريش كلها، وكان يقال للوليد ريحانة قريش، فقال أبو جهل: أنا أكفيكموه، فانطلق حتى دخل عليه، وهو حزين فقال: يا عم إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالاً ليعطوكه، فإنك أتيت محمداً تتعرض لما قبله، فقال: لقد علمت قريش أني من أكثرها مالاً، قال: فقل قولاً يبلغ قومك (أنك كاره له)، قال: وماذا أقول فيه؟، والله إنه ليس من كلام الإنس، ولا من كلام الجن، فقال له أبو جهل: لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه، قال: دعني أفكر فيه.
واجتمع بقومه، فقال لهم: يا معشر قريش إنه قد حضر هذا الموسم، وإن وفود العرب ستقدم عليكم فيه، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا، فأجمعوا فيه رأياً واحداً، ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضاً، ويرد قولكم بعضه بعضاً، قالوا: فأنت يا أبا عبد شمس، فقل وأقم لنا رأيا نقول به، قال: بل أنتم فقولوا أسمع، قالوا: نقول كاهن، قال: لا والله ما هو بكاهن، لقد رأينا الكهان فما هو بزمزمة الكاهن، ولا سجعه، قالوا: فنقول مجنون، قال: ما هو بمجنون، لقد رأينا الجنون وعرفناه، فما هو بخنقه، ولا تخالجه، ولا وسوسته، قالوا: فنقول شاعر، قال: ما هو بشاعر، لقد عرفنا الشعر كله، رجزه، وهزجه، وقريضه، ومقبوضه، ومبسوطه، فما هو بالشعر، قالوا: فنقول: ساحر، قال: ما هو بساحر، لقد رأينا السحار وسحرهم، فما هو بنفثهم، ولا عقدهم، قالوا: فما نقول يا أبا عبد شمس؟ قال: والله إن لقوله لحلاوة، وإن أصله لعذق، وإن فرعه لجناة، وما أنتم بقائلين من هذا شيئاً إلا عرف أنه باطل، وإن أقرب القول فيه لأن تقولوا ساحر، جاء بقول هو سحر، يفرق به بين المرء وأبيه، وبين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجته، وبين المرء وعشيرته، فتفرقوا عنه بذلك.
وجعل كفار قريش يجلسون بسبل الناس حين قدموا الموسم، لا يمر بهم أحد، إلا حذروه من النبي، وذكروا لهم ما استقر كبراؤهم على القول فيه، ويروي طارق بن عبدالله المحاربي فيقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مر في سوق ذي المجاز وعليه حلة حمراء وهو يقول: يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا، ورجل يتبعه يرميه بالحجارة قد أدمى كعبيه وعرقوبيه وهو يقول: يا أيها الناس لا تطيعوه فإنه كذاب، فقلت: من هذا؟، قالوا: غلام بني عبدالمطلب، فقلت: من هذا الذي يتبعه يرميه بالحجارة؟ قالوا: هذا عبدالعزى أبو لهب.