يحكى أن رجلاً أعجب بعمامة جميلة ناصعة البياض على رأس رفيقه في القطار، وتجاوز محطته حتى يوثق علاقته بصاحب العمامة ويجد طريقة لسلبها منه، وفي احدى المحطات الشهيرة بالبطيخ نزل الرجل واشترى واحدة وانتظر حتى بدأ القطار يتحرك فهرع بها الى الشباك حيث يجلس رفيقه، وطلب منه حمل البطيخة لكي يتمكن من اللحاق بالقطار، فاخرج الرجل نصفه العلوي لتناول البطيخة التي ما أن أصبحت بين يديه حتى خطف الآخر العمامة، وترك صاحبنا في حيرة بين عمامته الجميلة وبين البطيخة التي بين يديه .
القصة قد تبدو بعيدة عن محاور تقرير يتناول المشهد السياسي في السودان بعد هدوء عاصفة الانتخابات، لكن بعض ملامحها سيظهر رويداً رويداً، فالخرطوم التي انغمست منذ الأسبوع الماضي في دراسة التأثيرات المتوقعة لانفصال الجنوب عن الشمال وتحليل نسب الربح والخسارة بين الدولتين ومناقشة قضايا معقدة، ومحاولات رسم أوضاع ولايات التماس (النيل الأزرق وجنوب كردفان وآبيي ودارفور) حتى لا تصبح كشمير السودان، يجري قطارها هذه الأيام وسط حقول ملغومة بالتوقعات والترقب، أملاً في الوصول الى محطة يجد فيها الشماليون والجنوبيون فسحة لتأسيس جوار أخوي بعيداً عن مشاكل الحرب والنفط والهوية .
وما فتئت التحذيرات تنطلق من هنا وهناك، من مشفق ومن طامع، لما يمكن ان يحدث للسودان، بين شمال يصطرع على ما كسب من انفصال الجنوب وما خسره، وبين جنوب جديد، يراهن على دولة حديثة لا تملك من مقومات الحداثة الا قليلا، وكثيرا من الصراعات القبلية والحروب الأهلية، وظهره مكشوف على جيران طامعين فيه .
السلطة والثروة، حجرا الرحى اللذان يتقاتل عليها الجميع، أصبحتا مثل عمامة راكب القطار وبطيخة الحرامى، لن يلتقيا عند طرف واحد، فإما سلطة بعمامة من دون أطماع في ثروة، أو بطيخة مقفولة كثروات ارض السودان الباطن منها والظاهر، من دون التحسر على سلطة . الجمع بين الاثنين تحرمه السياسة السودانية، فمن يترك لك السلطة وهو ثري وأموره ماشيه كما قال احد السياسيين، لن يسمح ان تهنأ بالاثنين إذا حرمته من واحدة .
رغم كل الملفات الكبيرة بين الشمال والجنوب، ورغم كل ما أنجز وما تبقى من اتفاقية السلام الشهيرة في نيفاشا بين شريكي الحكم في السودان، يبقى موضوع الاستفتاء على بقاء الجنوب متحدا أو منفصلا عن الشمال، هو الملف الأهم والمصيري بين كل القضايا .
وفي أول احتفال بالفوز رئيساً منتخباً للسودان، اعلن عمر البشير عن أهمية الشراكة بين المؤتمر الوطني والحركة الشعبية خاصة خلال المرحلة القادمة التي ستشهد الكثير من الأحداث المهمة، وبالطبع يأتي الاستفتاء على رأسها، وتوالت التصريحات من مسؤولي الطرفين في ذات الإطار التطميني بأن الأمور ستمضي أو ستدفع قدما الى الاستفتاء من دون تأخير عن موعده المعلن . وهو تطمين يرى المراقبون ان المعني به هما الشريكان فقط، ولن يقلل من خشية الآخرين من وقوع الانفصال . وفي محفل آخر يؤكد البشير، أن السلطات بالجنوب منعت الناخبين من ممارسة حقهم في الاقتراع، ويقول كنا نأمل أن يعبر الناخب الجنوبي عن رأيه من دون ضغوط، ويشير الى ان تحقيق الوحدة من أولويات الحكومة القادمة، ويحذر البشير من ان شجرة السودان جذورها بالجنوب لو انقطعت ذهب السودان .
تطمينات
رموز الشريكين الكبيرة، تبادلت تصريحات ودودة عقب نتائج الانتخابات، خفضت من درجات التوتر الذي صاحب الانتخابات ونتائجها، فبعد التهاني والتبريكات، دعا الرئيس البشير القوات المسلحة والجيش الشعبي للابتعاد عن المناطق الحدودية التي تشهد نزاعات بين الشمال والجنوب وتجاوز المشاكل وتفعيل العمل المشترك للوصول إلى الهدف الكبير . وأكد البشير أن تحركات القوات المسلحة عادية وليست لأهداف محددة وأن القوات المسلحة ليس لديها أيّة مصلحة في إحداث أي مشاكل في هذه المرحلة التي تحتاج للعمل السياسي .
وأعلن علي عثمان محمد طه نائب رئيس الجمهورية تشكيل مفوضية استفتاء جنوب السودان الأسبوع المقبل، ورحب بالتأكيدات التي أعلنها رئيس حكومة الجنوب سلفاكير ميارديت في شأن العمل نحو وحدة السودان، وقال إنها تعبر عن بعد نظر وإدراك ووعي لما يمكن أن توفره الوحدة للسودان من تطوير وتقدم، وقدرته على مغالبة المصاعب التي تعيق ذلك التطور والتقدم المنشود .
أما قضايا ما بعد الاستفتاء فقد أشار إليها طه بضرورة مناقشتها بذات الروح الوطنية السابقة لتعزيز الوحدة، مشيراً إلى أن مفوضية استفتاء جنوب السودان ستضم شخصيات قومية تتسم بالوطنية والموضوعية . لكن طه لم يقل بماذا ستتعامل تلك الروح الوطنية، هل مع الانفصال أم مع الوحدة؟، وألمح الى ان العمل عبر مفوضية ترسيم الحدود ماضٍ وفق ما خطط له واتفق عليه . بينما لخصت الحركة الشعبية لتحرير السودان موقفها في التأكيد على لسان أمينها العام باقان اموم ان هدفهم ما بعد الانتخابات هو إكمال تنفيذ اتفاق السلام الشامل وإجراء الاستفتاء مطلع العام المقبل .
بيد أن مراقبين للشأن السوداني، يرون أن الحركة الشعبية ستعلن انفصال الجنوب من جانب واحد حال فشل نتائج الاستفتاء في تحقيق الانفصال . وتأتي رؤية المعارضين مستندة الى رفض حكومة البشير لإجراء الاستفتاء والعمل على تأخيره ما أمكن، ويشيرون الى ان الشريكين يبحثان بعيداً عن الأضواء انفصالاً سلساً وهادئاً يمكنهما تحاشي الدخول في حرب جديدة تطيح بمكتسباتهما التي وفرتها اتفاقية السلام، أو الانتخابات بقضها وقضيضها، أو الواقع السياسي المتحول خلال العقدين الماضيين . وتبقي المعضلة قائمة، لا يحلها الإجابة على أسئلة مرتبطة ببعضها، من سيأخذ السلطة والثروة معا، ومن سيأخذ واحدة دون الأخرى؟وهل إذا انفرد الجنوب بسلطته وثروته، ستنفرد حكومة الشمال بسلطتها وثروتها، بعيدا عن القوى السياسية الشمالية الأخرى، ومن دون الشرق ومطالبه واتفاقيته، وتحت أنظار قوى دارفور السياسية والمسلحة واتفاقياتها الكثيرة، وبغض الطرف عن مناطق النيل الأزرق وجنوب كردفان ودارفور التي قد تنهض لنيل نصيبها من كعكة السلطة والثروة بالقوة إذا أحسوا بكشمرة شمالية أو جنوبية؟
وتجر الأسئلة بعضها البعض، هل ستقدم القبائل العربية في تلك المناطق عمامة بيضاء عن طيب خاطر إذا عبرت حدود الجنوب لرعي ماشيتها، وهل سيفعل الجنوبيون بالمثل إذا دعتهم الظروف للعبور شمالا؟ . وهل الشريكان لديهما القدرة على حلحلة كل تلك المشاكل، قبل أو بعد الاستفتاء -كما يقول بثقة أحد القياديين في المؤتمر الوطني . بينما مراقب يقول إن الشريكين ومنذ توقيع اتفاق نيفاشا يعملان على تجاوز عقباتهما بالتفاهم والاتفاق بأي شكل من الأشكال، وفي مسألة الاستفتاء بالذات سيعملان على تحديد صيغة معينة وباتفاق سياسي بينهما تجنبا لأي موقف انتحاري كالعودة للحرب .
المعارضة تستعد
ويأتي موقف القوى السياسية الشمالية المعارضة المعلن، وان كان مهددا لحكومة الشمال فقط إذا وقع الانفصال، وهو رفض نتيجة الانتخابات، واعتبار فوز الرئيس عمر البشير امتدادا لنظام غير شرعي أتى بالانقلاب العسكري، وعدم المشاركة في أي حكومة ذات قاعدة عريضة، وحسب ناطق باسم تحالف معارض انها تعد برنامجاً متكاملاً لمحاصرة حكومة البشير لتنفيذ كافة الاتفاقيات التي وقعتها، والضغط عليها لتحقيق التحول الديمقراطي والسلام في دارفور وتنفيذ ما تبقى من نصوص اتفاقية السلام الشامل . والتمسك بمقترح حكومة انتقالية تجري الاستفتاء ثم بعد ذلك تجري انتخابات جديدة . وحذرت المعارضة حكومة البشير إذا لم توافق على مقترحنا فعليها أن تواجه مخاطر انقسام البلد لأن الجنوب يستعد الآن للاستقلال عن الشمال، ودارفور ترتفع فيها وتيرة الحرب وستتصاعد مرة أخرى بعد هذه الانتخابات، والمحكمة الدولية ستعود وتصعد مواقفها ضد البشير، والوضع السياسي في الشمال محتقن .
وقابل المؤتمر الوطني موقف المعارضة بالتأكيد على أن العملية الانتخابية قد أعطت الشريكين دفعة قوية لإنفاذ اتفاقية السلام الشامل خاصة قضايا الاستفتاء، مؤكداً أن الاستفتاء سيتم في موعده المحدد لعدم وجود عراقيل تتطلب تأجيله . وأعلن الدكتور نافع علي نافع- نائب رئيس الحزب في أول مؤتمر صحافي عقب صدور نتائج الانتخابات أن تشكيل الحكومة القادمة لن يكون على أساس حزبي أو ائتلافي ولن يحمل صفة المحاصصة، مؤكداً انها ستكون حكومة برامج وأهداف يرجع التفويض المطلق لتكوينها لرئيس الجمهورية المشير عمر البشير . ودعا نافع القوى السياسية الى أن تسهم في جعل الفترة المقبلة فترة توعية للعمل الحزبي تؤسس على قبول الآخر وإرادة تجويد الواقع السياسي السوداني مؤكداً الاستعداد التام لعمل سياسي راشد مع كافة الأحزاب . وهو موقف يؤكد أن المؤتمر الوطني لن يعطي الأحزاب نصيباً من الحكومة الجديدة .
الموفد الأمريكي مجدداً
أمريكا التي تدخلت بقوة قبل الانتخابات وضمنت إجراءها وباركت بعض منتجاتها، عادت بعد سكون العاصفة، وارسلت مبعوثها الرئاسي سكوت غرايشن، لإجراء مشاورات مع المسؤولين ودفع عملية السلام عبر زيارات بين جوبا والخرطوم تعزز ما تداول في الأجهزة الإعلامية عن دور أمريكي في العلاقة بين الشمال والجنوب اشتهر بطبخة الانفصال .
وغداة إرسال غرايشون للسودان مارست الادارة الامريكية لعبة التوازنات، حيث أبدت وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون التزام بلادها بتقديم الرئيس البشير إلى العدالة . وقالت كلينتون لتلفزيون ان .بي .سي إن الولايات المتحدة تؤيد مواجهة البشير للعدالة . واعتبرت أن الانتخابات التي أعيد من خلالها انتخاب البشير معيبة بكل المقاييس، ثم عادت وأشارت إلى عدم وجود انتخابات في السودان لعدة سنوات، موضحة أن هدف واشنطن كان تقوية الأحزاب وتشجيع المواطنين للمشاركة في الانتخابات وهو ما حدث بالفعل .
المياه
قضية أخرى قد تبدو بعيدة عن الصراع الشمالى الجنوبي، لكنها تشكل خاصرته، وهي المياه التي لم تحسم اتفاقية نيفاشا أمرها مثل الاتفاقات والمعاهدات الدولية، حقول البترول وإنتاجه، الأصول والديون، وضع القوات المشتركة المدمجة، الحقول والبيئة حول حقول البترول، الملكية، الجنسية والعملة . فتقسيم مياه النيل بين السودان ودولة الجنوب المرتقبة، سيكون أصعب بعد الاستفتاء كما يقول احد خبراء المياه، مثلما ان مناقشته قبل الاستفتاء لم يكن سهلا . ويتوقع ذات الخبير ان يكون هناك تدخل من دول أخرى ترغب في الإجابة على السؤال هل سيحترم الجنوب الاتفاقات القديمة؟ . ويؤكد عدد من المراقبين أن الأمن المائي للسودان ومصر في حال انفصال الجنوب سيكون في خطر، لذا ما سيترتب على الاستفتاء مسائل خطرة جداً ليست فقط ما يهم الشريكين بل سيتمدد الأمر الى كل دول الجوار السوداني .
ويظل المشهد السوداني في حيرة حتى موعد الاستفتاء، بين الاحتفاظ بالعمامة الجميلة، أو البطيخة المقفولة، خاصة وان القطار لن يتوقف، وتشير كل الدلائل على انه يمضي الى محطته الأخيرة بثبات وبموعد مضروب، رغم الشهرة التاريخية لقطارات السودان التي لا تصل في موعدها .
سوق المواسير
حكومة البشير رفضت الدخول في مسار ثالث بمفاوضات الدوحة بعد توقيعها الاتفاقيات الإطارية مع العدل والمساواة وحركة التحرير للعدالة، وهو الموقف الأبرز لحراك دارفور السياسي مابعد الانتخابات، وان كانت قضية سوق المواسير عدت الأبرز بعد الانتخابات، وهي قضية سيطرت على ما عداها من قضايا دارفور، وأسفرت عن مقتل أربعة أشخاص وإصابة العشرات، في اشتباكات بين الشرطة والمواطنين هناك، وتعود تفاصيلها الى مقلب شربه عدد كبير من التجار بفضل ممارسات ربوية ووهمية شهدها السوق المذكور اضطرت سلطات ولاية دارفور لإغلاق السوق واحتجاز التجّار على ذمة التحقيق . وتحول الأمر الى فتنة وقلاقل سياسية من الذين حاولوا تغطية فشلهم في الانتخابات بحسب والي الولاية محمد يوسف كبر . وكانت مدينة الفاشر شهدت تعزيزات عسكرية ونشر قوات في الطرقات العامة والمداخل، وإخضاع كافة الداخلين إليها للتفتيش الشخصي تحسبا لتعرض المدينة لأية هجمات محتملة أو أعمال عنف وشغب .
ويأتي رفض الحكومة للمنبر الثالث في وقت تضغط فيه حركة العدل والمساواة الديمقراطية بقيادة إدريس عبد الله أزرق على الحكومة والوساطة لاعتماده ليمكنها من دخول المفاوضات بعد رفضها الانضمام للحركات الموقعة مع الحكومة . وقال الدكتور عمر آدم رحمة المتحدث باسم الوفد الحكومي المفاوض إن الوفد ينتظر تفويض رئيس الجمهورية المنتخب لدخول جولة المفاوضات منتصف مايو/أيار الجاري، مؤكداً جاهزية الوفد من خلال ملفات التفاوض المتمثلة في السلطة والثروة، اللاجئين والنازحين، الترتيبات الأمنية والأرض، موضحاً أن الوفد قام بتشكيل لجان لدراسة الملفات وتقديمها للوفد بشكل متكامل . وأوضح رحمة أن التجزئة وتعدد المسارات يضعف القضية وليس له ما يبرره باعتبار أن القضايا محل التفاوض معروفة وتمثل أساساً لقضية دارفور، مضيفاً أن أمام الحركات خيارات الانضمام إلى العدل والمساواة أو إلى حركة التحرير للعدالة.