480 مرمى للبنادق و 120 عقداً لوقوف الحراس المناوبين، و240 سراجاً للزينة، ومدفع من مدينة بوسطن الأمريكية يرجع إلى النصف الأول من القرن التاسع عشر، آثار تحفظها قلعة نزوى العمانية. وتشكل ولاية نزوى همزة الوصل بين جميع مناطق الداخلية، والظاهرة، والجنوبية، وتتبعها نيابة الجبل الأخضر وبركة الموز، وتبعد عن مسقط العاصمة بحوالي 175 كيلومتراً، وعدد سكانها 733.48 ألف نسمة في 150 قرية، وتحدها ولايات أزكى شرقاً، وبهلا غرباً، وأدم جنوباً، والجبل الأخضر شمالاً.. وكانت تلقب في ما مضى من الزمان ببيضة الإسلام أو قلب عمان، فقد كانت عاصمة عمان التقليدية، والقلب النابض لجنوب شرق الجزيرة العربية.
تشتهر نزوى ماضياً وحاضراً بمركزها التجاري المهم، فيها القلعة التاريخية الشهيرة التي بنيت في عهد اليعاربة، وتشتهر بفلجها المسمى دارس وهو من أكبر أفلاج السلطنة، وكذلك يوجد بها فلج الغنتق، ويزرع فيها النخيل والليمون والمانجو وقصب السكر، وغير ذلك من الفواكه والخضروات، ويهتم الأهالي بصناعة ماء الورد، وفيها عدد من المساجد التاريخية، أقدمها مسجد الشواذنة الذي بني في السنة السابعة للهجرة، ومسجد سعال الذي بني في السنة الثامنة الهجرية.. أما مسجد الشرجة الكائن في منطقة سعال، فتدل الكتابة والنقوش في محرابه على أنه بني في عام 924ه/1518م. ويوجد في الولاية عدد من الحصون أهمها حصن تنوف وبيت الرديدة، وبيت السليط.
ويشتهر سوق نزوى بالصناعات اليدوية المتقنة من مشغولات معدنية وخشبية كالحلى الفضية والذهبية والدلل والخناجر والسيوف والمصنوعات النحاسية المختلفة، بالإضافة إلى الأحزمة والأقفال ذات النقوش التاريخية.
وتتسع السوق لتسويق الثروة الحيوانية، كما تحفل بالمحاصيل الزراعية، وتأتي التمور في مقدمة محاصيلها الرئيسية، وبها مصنع لتعليب التمور وتسويقها وفق أحدث المواصفات العالمية.
ومن رجالات نزوى عبر التاريخ جابر بن زيد الأزديي الذي عاش في قرية فرق، واصبح ثقة في الحديث بإجماع المحدثين، ولد في أوائل العشرينات من الهجرة، وتوفي عام ثلاثة وسبعين بالبصرة.
كما ولد فيها أيضاً أبن دريد اللغوي، والشاعر العماني المشهور، صاحب معجم الجمهرة، ومقصورة ابن دريد القصيدة المشهورة، وتوفي عام ثلاثمائة وواحد وعشرين، ويقال إنه عاش ثلاثة وتسعين عاماً.
ونظراً لما قامت به نزوى من دور مهم في داخلية عمان عبر حقب التاريخ الماضية، قام الإمام سلطان بن سيف بن مالك اليعربي الذي خلف الإمامة من الإمام ناصر بن مرشد في عام 1059ه/1649م ببناء قلعة نزوى.
وتعتبر قلعة نزوى من أروع وأضخم المآثر الحضارية والتاريخية في عمان، فموقعها في وسط مدينة نزوى، وملاصقة لمركزها السياسي القديم حصن نزوى وعلوها المتميز، وحصانتها، جعلها من أهم المعالم التاريخية في السلطنة، وقد استغرق بناؤها أثنى عشر عاماً، وأنفق الإمام سلطان على بنائها مما غنمه من إحدى غزواته التاريخية المعروفة بديو، حيث استولت قواته على غنائم وثروات كبيرة، ويقال إن ديو كانت إحدى أكبر مراكز البرتغاليين البحرية في الشرق، والإمام سلطان هو الذي شق فلج بركة الموز بين أزكى ونزوى، وقد كان الغرض المحدد لهذه القلعة هو التحكم في تلك الواحة الداخلية، وفي الطرق المحيطة بها.
والقلعة عبارة عن مبنى دائري كبير وهي مبنية بالحجر والجص العماني، يبلغ ارتفاعها 115 قدماً، وقطرها 150 قدماً، وهي بمثابة منصة منبسطة السطح إقيمت على قاعدة مردومة بالحجارة علوها 15 متراً، وتتكشف أمامها أشجار النخيل والمباني المحيطة بها، ويتم الصعود إلى أعلى القلعة عن طريق سلم ضيق على شكل حرف ح، حيث يوجد عند كل منعطف منه باب لعرقلة الهجوم المحتمل من الأعداء، وعدد هذه المنعطفات سبعة، تحميها فتحات قاتلة، تطل من أعلى القلعة على كل منعطف منها، وذلك لإلقاء القذائف منها على المهاجمين.
كما يوجد تحت كل منعطف بئر، وأمامه باب ذو متاريس، فإن أفلت العدو من القذائف أو الماء الحار أو الدبس المغلي (عسل النخيل) التي تنهال من الفتحات في أعلى القلعة، سقط في البئر، وإذا نجا من الإثنين، عاقته البوابة، وإذا أفلت من منعطف تعذر عليه ذلك في المنعطف الثاني.
وتتزود القلعة بحاجتها من المياه من عدد من الآبار داخلها، ووجود عين ماء جارية تحتها، كما توجد حجرة لخزن الذخيرة والمواد التموينية، وكانت المواد التموينية ترفع بحبال من فتحات تطل من سور القلعة، وتلف حول عجلة في أعلاها، وهي أيضاً نفس الطريقة التي تستخرج بواسطتها المياه من آبار القلعة إلى سطحها.. وتوجد بسطح القلعة فتحتان إلى حجرتين، عمق كل منهما خمسة أمتار، كانتا تستخدمان كمخازن للأسلحة.
ومنصة القلعة الدائرية مزودة بفتحات للمدافع، تضمن إطلاق النار وانتشارها على 360 درجة كاملة، وترتفع الجدران فوق المنصة إلى عشرة أمتار، بها يتم استكمال المبنى وتتيح له بذلك منطقة دائرية لتحرك الفرسان الذين يستطيعون إطلاق النيران من فتحات توفر لهم الحماية.
وتمثل قلعة نزوى التطور في نمط القلاع بين عامي 1059ه 1090ه، 1649م - 1679م القائم على أساس برج المدفعية، وهي قلعة حصينة إلى اليوم.. ويمكن اعتبار قلعة نزوى معماراً أنتجته حرب مدفعية الأبراج، فاختلفت بذلك عن معمار قلاع عمان السابقة عليها، ولهذا يتميز بناؤها بأنه على أقصى درجة ممكنة من الصلابة، وذلك حتى يستطيع امتصاص ارتجاجات مختلف أنواع المدفعية، حين تنطلق، وقد تحقق ذلك لكونها كتلة ترابية رصينة.
وقد تطورت قلعة نزوى تطوراً طفيفاً في ذلك الوقت بتطور تكنولوجيا الحروب، فتم إدخال تعديلات على عمارة القلعة، حتى يصبح من الممكن وضع مدافع أخف وزناً في مواقع غير مكشوفة، وذلك بهدف تقليل الغازات الضارة الناتجة عن إطلاق القذائف، ولا يزال يوجد فيها حتى اليوم بعض المدافع على السطح منها ما تم صنعه في نزوى، وعليه كتابة باللغة العربية، فمثلاً أحد المدافع يمكن قراءة اسم الإمام سلطان بن سيف المحفور عليه، كما أن هناك مدفعاً من مدينة بوسطن الأمريكية، تم إهداؤه إلى أحمد بن نعمان الكعبي أول سفير عماني إلى الولايات المتحدة عام 1840م.
ويوجد في هذه القلعة 480 مرمى للبنادق لرمي الأعداء ضد أي هجوم عليها، ويوجد بها كذلك 240 سراجاً للزينة على مدار القلعة، ومائة وعشرون عقداً لوقوف الحراس المناوبين لحراسة القلعة والبلاد، وفيها أربع وعشرون فتحة للمدافع الكبيرة، وأربعون رفصة (أي مدرج السلم الذي يصعد عليه الناس)، وقد أسس بناؤها من قواعد صلبة بعمق ثلاثين متراً من فوق الماء الجوفي.
أما الحصن الملاصق للقلعة، فقد شيد أول جزء منه الإمام الصلت بن مالك عام 237ه/851م، وفي رواية أخرى أنه بني قبل تولى الإمام الصلت بحوالى 12 عاماً، وجدد بناؤه في عهد الإمام ناصر بن مرشد اليعربي عام 1034ه/1624م، وبقي الحصن والقلعة مقراً إدارياً للولاية على مر العصور، يسكنه الأئمة والولاة.
وضمن خطة الاهتمام بترميم المباني التاريخية، قامت وزارة التراث القومي والثقافة بوضع دراسة شاملة لترميم هذا المبنى التاريخي، وقد تم ترميمه ليبقى معلماً متميزاً يجمع بين صلابة التاريخ وصمود الحاضر.