تحتفي أغلب المسارح العربية حالياً بمئوية المسرح فيها باستثناءات قليلة، كانت مبكرة كما في بلاد الشام ومصر، وأخرى متأخرة قليلاً في بعض الأقطار مثل موريتانيا والصومال وجيبوتي وجزر القمر، وليس مصادفة أن تحتفل تونس وليبيا والسودان والجزائر والمغرب معاً بمئوية المسرح، وتستعد بعض الدول الأخرى في الخليج العربي، والتي قاربت هذا الاحتفال بقليل.

يعود هذا التقارب للتشابه في الأوضاع الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية في هذه البلدان، حيث عاشت أغلبها مرحلة الاستعمار الغربي وما صاحبه من معوقات وقفت وراء تأخر الارهاصات المسرحية الأولى، إضافة الى هذه الارهاصات انطلقت متماثلة من خلال المسرح المدرسي، عبر محاولات مبكرة مثّلت شكلاً أو مظهراً مسرحياً من دون الاقتراب من بنية المسرح الفنية والفكرية، وهو ما يمثل الارتكاز الأساسي لبدايات المسرح العربي في جل أقطار الوطن الكبير بعدما تعايشت مع زيارات الفرق المسرحية الغربية، التي كانت تجوب العواصم والمدن العربية للترفيه عن الجاليات الأجنبية فيها، وفي جولة ترصد هذه البدايات، تطالعنا المحاولات الأولى لبدء النشاط المسرحي في الأردن، مع بدايات القرن العشرين وتحديداً ما بين 1918-1920 أعقبتها محاولات جادة قام بها بن زائد العزيزي ومعه الأب انطون الحجي وزكريا الشوملي، في تجارب مسرحية متقدمة، وهو ما حدث أيضاً في تونس، حيث أعقب العروض المسرحية الأوروبية وخصوصاً الفرنسية، صدور قرار مجلس بلدية تونس بتنظيم عروض مسرحية ناطقة باللغة العربية على المسرح البلدي، وشهد العام 1907 تكوين أول فرقة مسرحية تحت اسم النجمة والتي قدمت أول مسرحية لها بعنوان صدق الإخاء للفنان اسماعيل عاصم.

وتأثرت كوكبة من الليبيين بالعروض الأجنبية ومنها الإيطالية، فعمدوا إلى إنشاء أول فرقة مسرحية ليبية في العام 1908 وكانت بعنوان حب الوطن قدمها المخرج محمد قدري المحامي، ويرجع النقاد بدايات المسرح في المغرب إلى العام 1912 مع إنشاء وتكوين عدة فرق وجوقات مسرحية منها جوقة الفني الفاسي والطنجي للممثل وهو ما يدل على أنه رغم اختلاف التاريخ في بقية الأقطار العربية، والتي تأخرت قليلاً في بداياتها المسرحية، والذي يعود إلى الأربعينات والخمسينات من القرن الفائت مثل الكويت والإمارات وغيرهما إلا أن البدايات كانت متشابهة ومتطابقة في جل هذه الأقطار.

نقطة أخرى للتشابه بين المسارح العربية، أعقبت مرحلة التأسيس الأولى، ألا وهي النزوع نحو المسرح الغربي، والانشغال بخلق ذلك التماس معه، حتى أن أغلب بواكير النتاج المسرحي كان باقتباس الأعمال المسرحية الغربية وخصوصاً الأوروبية منها، وذلك نتيجة خضوع الأقطار العربية وقتذاك للاستعمار الفرنسي أو البريطاني أو الإيطالي، فانتشرت أعمال شكسبير وموليير مترجمة إلى اللغة العربية، لتقدم على خشبات المسرح في العواصم العربية.

واستمر الأمر كذلك حتى منتصف القرن الفائت حيث انتشرت في المسارح العربية، الرغبة في التوجه نحو التأليف المسرحي، وانشغل الكتّاب في البحث عن هوية وشخصية المسرح العربي، بعيداً عن هيمنة المسرح الغربي، وبرزت أسماء عدة سعت بجدية وصدقية لتحقيق ذلك، ومنهم على سبيل المثال د. يوسف ادريس (مصر)، وسعدالله ونوس (سوريا)، وعبدالكريم برشيد، والطيب الصديقي (المغرب)، والمنصف السويسي (تونس)، وعبدالقادر علولة (الجزائر)، وروجيه عساف (لبنان) وغيرهم، حيث عمدوا إلى استلهام التراث وتوظيف بعض مشهدياته في أعمالهم المسرحية، التي عمت خشبات المسرح العربي من محيطه إلى خليجه، سواء عبر خيال الظل أو الحكواتي أو الاحتفالية، بهدف ترسيخ ثوابت الهوية وخصوصية الانتماء.

وأعقبت هذه القفزة النوعية في المشهد المسرحي العربي، ما يسمى بظاهرة التجريب، الذي صبغ وبصم المسرح العربي شكلاً ولوناً، وإن كان قد اختلف في عمق ممارسته، ونتائج هذه الممارسات من مسح إلى آخر، ومن بلد إلى آخر، ومن مسرح إلى آخر، إلا أن غيوم التجريب كما يسميها د. عقيل مهدي يوسف، كانت مع الجيل الجديد والذي تعلم مفردات مسرحية جديدة مثل تظاهرة مسرح الجيب أو مسرح المائة كرسي أو مسرح المقهى وغيرها، وإن اتسمت هذه التظاهرات بالنخبوية، حيث انشغلت هذه النخبة في الاشتغال على الخطاب الفني، على حساب الضرورة الاجتماعية ما أسهم ولفترة طويلة في بروز إشكالية المسرح والجمهور الذي بدأ يبتعد عن خشبة المسرح وينفصل عن المشهد المسرح، نتيجة الجنوح في ما يقدم من تجريد مبالغ فيه، سواء على مستوى الشخصية أو الحدث أو الحوار، بعدما نجح بريخيت في غواية العدد الأكبر من المخرجين والمؤلفين المسرحيين العرب، وهو ما خلق ذلك الاخدود في بنية المسرح العربي، فقد اخترقوا الجدار، وانطلقوا في أروقة وممرات وساحات المسرح الخارجية، سعياً وراء التغيير، مع استثناءات قليلة تمثلت في تجارب بعض المتميزين الذين اشتغلوا على الوعي الجمعي التاريخي، والانفتاح المعاصر على العامة من الجمهور. وتعاملوا مع التجريب بطريقة خلاقة ومبدعة، كما نجحوا في ربط التاريخ بالمسرح عبر المشهدية ومن خلال لغة تراثية مطواعة مبدعة، ضمن الأعمال التراثية أو التاريخية الممزوجة بروح شعبية وأدوات مسرحية، ترسخ فنون الفرحة والاحتفالية على المستويين البصري والسمعي، وتخاطب الوجدان الجمعي من خلال نقل المآثر من التاريخ والتراث وإعادة صياغتها في اسلوب فني وفكري معاصر. في حين توجهت الشريحة الأكبر من المسرحيين الى الانفلات من اغلب الضوابط والاصول، لتعم العروض التهريجية، وتسود الضبابية خشبات المهرجانات المسرحية العربية ما عمق السطحية والتوجهات الفردية في الحركة المسرحية، نتيجة سوء الفهم لتجارب بروك وجروتوفسكي وجوليان بيك وباربا وغيرهم، بل ان البعض فهم هذه التجارب بمفهوم معاكس ما أدى الى طغيان الرغبة التدميرية بعيداً عن الضرورات الفنية والجمالية.

بينما ظلت تلك الكوكبة الواعية لدور المسرح النبيل اجتماعياً وفكرياً وثقافياً، تسعى الى تغيير الواقع الخارجي وتحويله الى رموز ودلالات فنية تحاكي الواقع المعاش بلغة فنية مسرحية، كما دعا ستانسلافسكي ومحاولة خلق الفضاء المسرحي من خلال النص وأنسقة العرض المختلفة، وتفعيل الجدل الحيوي الذي يسعى الى ربط فكرة العرض المسرحي بوعي المتلقي، كما سعى بريخيت والعمل على فهم النص ضمن برواز الفرجة والاحتفالية ليمتلك مشروعيته الفكرية من خلال العلامات المحفزة سياسياً واجتماعياً، كما أراد جان فيلار وتوظيف الأمكنة العامة لتغير فضاءات العرض، من خلال لغة مسرحية مفعمة بالرموز والشيفرات المتصلة والملتحمة بالبيئة، كما حاول بيتربروك.

ومن خلال مقاربة مع الحركة المسرحية في الإمارات نجد أن التجربة المسرحية في الإمارات، تتشابه كثيراً مع نظيراتها العربية، سواء بالقواسم المشتركة مع الارهاصات الأولى، التي بدأت في الخمسينات مع المسرح المدرسي وتحديداً مع مسرحية وكلاء صهيون والتي شارك فيها صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة في مدرسة القاسمية في الشارقة، وما تلاها من أعمال مسرحية غلبت عليها المضامين التربوية والتعليمية والأخلاقية، أو مرحلة السبعينات والثمانينات، والتي شهدت إنشاء المؤسسات المعنية بالشأن الثقافي، والتي أولت المسرح جل اهتمامها، من خلال دعمها للحركة المسرحية ما أسهم في ظهور وترسيخ المهرجانات والملتقيات والمسابقات المسرحية، وتبنت جمعية المسرحيين ودائرة الثقافة والإعلام في الشارقة العديد من الأنشطة والفعاليات المسرحية، ومنها أيام الشارقة المسرحية والموسم المسرحي ومهرجان مسرح الطفل ما أفسح المجال أمام أهل المسرح الإماراتي لتقديم أنفسهم وتجاربهم المسرحية التي نجحوا من خلالها في الوصول إلى هذه المكانة المتقدمة على المستويين الخليجي والعربي، وبرزت أسماء مسرحية تساوت مع قامات مسرحية عربية لها باعها وتاريخها الطويل في المشهد المسرحي العربي، ونجحت في اختصار الزمان مسرحياً.

ويسجل د. حبيب غلوم في كتابه المسرح في الإمارات من إصدارات الهيئة العربية للمسرح، قاعدة بيانات لأهم المسرحيات التي حققت للمسرح الإماراتي مكانته المتميزة عربياً ومنها راعي البوم عبرني والبقشة وغصيت بك يا ماي ومولاي يا مولاي ومجاريح للكاتب اسماعيل عبدالله، ومسرحيات بومحيوس ومال الله الهجان وبهلول والوجه الآخر للكاتب جمال سالم، ومسرحيات احلام مسعود وزمزمية وعرج السواحل للكاتب الراحل سالم الحتاوي والبديل ومساء للموت وبنات النوخذة للمؤلفة باسمة يونس ويذكر ايضاً بعض مسرحيات صالح كرامة ومحمد الضنحاني وأحمد بورحيمة وشريف العوضي، وهي في مجملها تتناول قضايا وهموم الانسان الاماراتي برؤية شفافة، وترصد العلل والآفات المزمنة في تربة المجتمع، وتضع الاصبع على الجرح لمعالجته قبل استفحال الأمر، كما يشير إلى كوكبة من المخرجين الذين اجتهدوا لرسم ملامح المشهد المسرحي الإماراتي، ومنهم عبدالله المناعي وابراهيم سالم وناجي الحاي وحسن رجب وأحمد الانصاري ومحمد العامري وغيرهم من المخرجين، الذين اسهموا في بلورة الرسالة شكلاً ومضموناً، فأبدعوا من خلال تطلعاتهم التجريبية واستلهامهم للتراث برؤية ومنهجية رضية ساعدت على بلوغ الحركة المسرحية في الإمارات قامتها ورصيدها الفني والفكري.

مشيداً بدور الفرق المسرحية وفي مقدمتها فرقة مسرح الشارقة الوطني ومسرح رأس الخيمة ومسرح دبي الأهلي والمسرح الحديث في الشارقة ومسرح دبي الشعبي.

ومن هذا الاستعراض للقواسم المشتركة للمسرح العربي في مختلف أقطاره، نلمس أن المسرح العربي أصبح شديد وعميق العلاقة مع التجريب، وله محاولات متقدمة، سعت بصدقية إلى تطوير الخطاب التجريبي في مضمونه الفكري وشكله الفني، إلى جانب بروز محاولات فيها الكثير من الجدية والثقافية، تحاول إعادة اكتشاف الصيغ الفنية على المستويين المرئي والمسموع، بالاتكاء على تراثنا العربي واستلهامه ومحاولة اسقاطه على الواقع المعاش، باعتباره أنجع الحلول الابداعية، في البحث عن هوية عربية للمسرح وهذه المحاولات والتجارب لا تزال مستمرة، مع جيل شاب واعد يهتدي بمن سبقوه من الرواد الأكثر تحفيزاً حتى الآن من سواهم، هذا الجيل الذي نشاهد تجاربه من المحيط إلى الخليج، وهو يجهد في البحث عن الأصيل المبتكر، وعن الفن المسرحي الذي يلبي الاحتياجات الاجتماعية والفكرية والروحية ويطور من ذائقتها ووعيها جمالياً على خشبات المسرح العربي.