تمتد تجربة الدكتور والباحث المترجم جمال شحيد إلى أكثر من خمس وعشرين سنة من الترجمة عن الفرنسية ترجم خلالها حوالي خمسة عشر كتابا إلى العربية لعل أبرزها سباعية البحث عن الزمن المفقود للكاتب الفرنسي مارسيل بروست في جزأيها السادس والسابع، ذلك العمل الفريد في الأدب العالمي، إضافة إلى ترجمته لرحلة لامارتين إلى الشرق .

الدكتور جمال شحيد الباحث في المعهد الفرنسي للشرق الأدنى والحاصل على الدكتوراه من جامعة باريس السوربون الجديدة عام 1974 ترجم العديد من الأعمال منها السفينة لجبرا إبراهيم جبرا، ورواية بريد بيروت لحنان الشيخ، كما ألف العديد من الكتب والدراسات منها خطاب الحداثة في الأدب، ودراسة مقارنة في الوعي التاريخي عند زولا ومحفوظ، وكان لنا معه الحوار التالي:

ترجم سباعية البحث عن الزمن المفقود بين 15 كتاباً

د . جمال شحيد: أقدم النص كأنه بلغته الأصلية

دمشق - منى علي:

أكملت ترجمة واحدة من أهم الأعمال الأدبية بعد ترجمتك للجزأين السادس والسابع من رواية البحث عن الزمن المفقود للفرنسي مارسيل بروست، كيف تقيم تلك التجربة؟

ترجمت مجموعة من الكتب إلا أن أصعب ترجمة كانت ترجمة بروست، وكان المرحوم الياس بديوي قد ترجم الأجزاء الثلاثة الأولى وأصدرتها وزارة الثقافة السورية في خمسة مجلدات، ثم توقف المشروع في الثمانينات من القرن الماضي، فبادرت دار الشرقيات في مصر بالتعاون مع المركز الثقافي الفرنسي في القاهرة باستكمال المشروع في العام 1994 وترجم بديوي الجزأين الرابع والخامس، إلا أنه توفي، وتوقف المشروع، بعدها اتصلت المسؤولة عن المركز الثقافي الفرنسي في القاهرة بي وطلبت مني استكمال الجزأين السادس والسابع، فتهيأت للأمر لأن الياس بديوي علم من أعلام الترجمة في اللغة العربية، لكني خضت التجربة كتحد لنفسي، وصدرت الرواية كاملة في العام 2005 .

لماذا يتمتع بروست وروايته البحث عن الزمن المفقود بكل هذا السحر؟

يعتبر بروست أهم كاتب في اللغة الفرنسية، ويوضع عمله البحث عن الزمن المفقود بين الأعمال الأساسية في العالم مثل الإلياذة والأوديسة والديكاميرون والكوميديا الآلهية، وهو يعد من الأوائل الذين وظفوا السيرة الذاتية في الرواية، واستطاع أن يرصد المناخ الفكري السائد في عصره، وقد ترك بصمات واضحة على عدد من الكتاب في العالم كما في الأدب العربي مثل جبرا إبراهيم جبرا وإدوار الخراط .

ما الآلية التي تتبعها أثناء ترجمتك لأي عمل؟

قبل القيام بترجمة أي كتاب أحضر نفسي من ناحية المراجع والقراءات والمواضيع المتعلقة بالترجمة، كما أستشير عددا من الأصدقاء من ذوي الاختصاص في مجال ما أقوم بترجمته، فعندما ترجمت كتاب المفكر والأحرار في الإسلام والذي يتناول الفكر العربي إبان العصور الوسطى، كان عليّ أن أستشير بعض الزملاء في قسم الفلسفة لأفهم منهم تماما ماذا تعني هذه العبارة وكيف يستخدمونها في الفكر العربي .

فعملية الترجمة بحد ذاتها تقتضي مني أن أكون يقظا، وأن لا أتشتت عن الموضوع، وعندما أشعر بقليل من التعب أو الوهن أتوقف عن الترجمة، فيما بالنسبة للكثيرين لا مانع من استمرارية في الترجمة، أعود بعد ذلك لأنقح ما كتبت، فالترجمة أثناء الوهن تقع في مطبات والمطبات كثيرة، حيث نقرأ كلمة بدل كلمة أو نفهمها بشكل سريع، ولا ندخل في دقة الترجمة كما هو مراد، المهم في الموضوع هو التقاط المعنى، وطبعا الترجمة الحرفية في هذا المجال هي تجربة فاشلة والذي يلجأ إلى الترجمة الحرفية هو الذي لم يستطع الوصول إلى المعنى فيترجم المفردات دون أن يصل إلى المعنى .

بعد أن أترجم النص للمرة الأولى أتركه لمدة أسبوعين أو ثلاثة وبعد ذلك أعود إلى النص وأضعه مقابل النص الفرنسي الأصلي وأقرأ النص العربي، وعندما أشعر بالخلل أعود إلى النص الفرنسي وفي هذه الأثناء أصحح الأخطاء اللغوية أو الهفوات النحوية إذا كانت موجودة، وبعد هذه القراءة الأولى للترجمة، أعود وأترك الكتاب لأسبوع آخر ثم أعود في هذه المرة إلى النص الفرنسي والنص العربي معا للوصول إلى أسلوب لغوي لا تشتم منه رائحة الترجمة، والقراءة الثالثة تكون للنص العربي ليكون سلسا وأسلوبه سهلا طبيعيا لا تظهر فيه علامات الترجمة، لأني أريد الوصول إلى نص كأنه مكتوب باللغة العربية .

وكيف تصل إلى نص مترجم دون أن تشتم منه رائحة الترجمة؟

طبعا هذا يأخذ الكثير من الوقت، وعندما ترجمت لمارسيل بروست الجزأين السادس والسابع من البحث عن الزمن المفقود أخذ معي الجزء السادس سنتين تقريبا، فيما أخذ الجزء السابع سنتين ونصف السنة من الزمن، فأحيانا كنت أتوقف عند جملة طولها 35 سطرا، فكانت بمثابة المتاهة لا أعرف من أين أمسك بها، فلغة بروست فيها الكثير من التلميحات والإيحاءات للأشخاص، وبشكل عام الجيل الجديد في فرنسا لا يقرأ لبروست ولذلك كانوا يعطون إجابات غير دقيقة وغامضة، فكنت أضطر لتجميع الجملة وسؤال الأصدقاء الألسنيين عن مدى صحة ذلك الشيء لأصل في النهاية إلى اجتهاد .

هل من عقبات تواجه الترجمة في ضوء تجربتك؟

نعم هي كثيرة، وعلى الصعيد الشخصي مثلا كانت رحلة لامارتين إلى الشرق نصا سهلا عمليا بالنسبة لبروست وقد صدرت هذه الترجمة في الكويت عن مؤسسة البابطين، ولسوء الحظ فإن الترجمة تخضع للرقابة الشديدة، فالجزء الأول الذي ترجمته من رحلة لامارتين المكونة من جزأين والتي ترجمت جزأها الثاني اللبنانية ماري طوق، مكون من 400 صفحة فيما حذف منها حوالي خمسين صفحة، حيث كان هناك فصل يتحدث فيه لامارتين عن الطوائف في بلاد الشام، علما بأن لامارتين نظرة إليها بموضوعية ونظرة علمية، فهي تعد وثيقة من القرن التاسع عشر أي من العام 1832 ميلادي، والرجل أتى من بلاده بعد فشل سياسي وزار الشرق لأهداف إنسانية .

كيف تقيمون واقع الترجمة والمترجمين في الدول العربية؟

أصبحت الترجمة في العصر الحديث عنصراً أساسياً بل ودعامة أساسية من دعامات الحضارة، فكل شيء يمر بالترجمة سواء كان في مجال العلوم أو الفنون أو الآداب أو المجالات الأخرى، وهذه الترجمة في العالم لم تقتصر على ترجمات الكتب إنما تشمل أيضا المقالات على الانترنت، والكثير من كبار الكتاب في العالم قاموا بالترجمة، وهذا أمر مهم، فنجيب محفوظ ترجم كتاباً من الإنجليزية عن مصر الفرعونية، وكذلك جبرا إبراهيم جبرا الكاتب والمترجم المتميز الذي ترجم لشكسبير، وأدونيس الذي ترجم كثيرا من الفرنسية إلى العربية، إلا أن الترجمة في العديد من الأوساط تتعرض أحيانا للغبن، فالمترجمون يتعرضون لشيء من الإساءة والامتهان سواء أكان في الأجور أم في الجهد المبذول في مجال الترجمة، كما يجب التوقف عند النوعية إضافة إلى الكم، وقد تختلف حسب ذائقة كل مترجم وحسب دقة كل مترجم .

ولكن هناك اتهامات للمترجمين باعتمادهم على التقنيات الحديثة وانعكاس ذلك على نتاجهم، كيف ترد على ذلك؟

وفرت التقنيات الحديثة سهولة في مجال الترجمات العلمية خلافا لما هي عليه الحال في الترجمة الأدبية، وتشكلت ظاهرة خاصة بالترجمة الحديثة ألا وهي الترجمة الآلية حيث ظهرت في خمسينات القرن العشرين برامج تهتم وتعنى بترجمة اللغات آليا ووضعوا قواميس آلية للغات كما وضعوا برامج تضبط القواعد والنحو والمصطلحات الخاصة كما وضعوا القواميس الالكترونية لترجمة العبارات والأمثال، وكل هذا المخزون بدأت تظهر نتائجه في نهاية السبعينات في القرن الماضي، غير أن المجال الذي وظفت فيه الترجمة الآلية بأقصى ما يمكن كان في المجالات العلمية ولم يكن مجال الأدب الرفيع، فهي تؤدي ما نسبته 80 في المائة من النص المراد ترجمته ما يوفر إمكانات هائلة بالنسبة للمترجمين، فيما يبقى نسبة 15 أو 20 في المائة من جهد المترجم اليدوي في التدقيق، إلا أنه لسوء الحظ لم تستفد اللغة العربية كثيرا من هذا المجال لأنه يتم إدخالها إلى الحاسوب دون حركات التشكيل فالكمبيوتر لا يميز بين عِلم وعَلم مثلا، ما يساهم بعدم الحصول على المعنى بالدقة المطلوبة كما يحدث مع اللغات الأخرى .

* * *

يهدف إلى الترقي وزيادة الإنتاجية

"إدارة الوقت" التوازن بين العمل والحياة

صدر حديثا عن دار جرير للطباعة والنشر والتوزيع كتاب جديد بعنوان إدارة الوقت في لحظة لكاتبتين غربيتين هما كارين ليلاند وكيث بيلي والكتاب ذو حجم صغير يتألف من 154 صفحة تتضمن أبوابا عديدة ومهمة . ويتناول طريقة إدارة الإنسان لوقته بنظام، وأن يقوم بتقسيم وقته بين العمل والحياة بشكل منتظم.

دمشق - عروة محمد:

في أواخر الثمانينات من القرن العشرين بدأت عبارة التوازن بين العمل والحياة في الظهور، في أماكن العمل وفي كل مكان، ولدى الخبراء الاستشاريين، وفي البرامج التلفزيونية الحوارية . وتصف عبارة التوازن بين العمل والحياة، العلاقة بين إنجازات الحياة المهنية (الترقي، زيادة الإنتاجية، الإنجاز المهن) والإشباع الشخصي (الأسرة والأصدقاء والهوايات والإسهامات المجتمعية)، ولكن، بالرغم من كل هذه الكلمات الطنانة، فقد شهد العقدان الأخيران الارتفاع في معدل العمل الأسبوعي من 43 ساعة إلى 47 ساعة .

وتمثل هذه المشكلة للعديد من الناس فخا لا فكاك منه، فإذا قضى الإنسان وقتا أطول في عمله تتأثر حياته الأسرية وسعادته، وإذا قضى وقتا أطول في حياته الشخصية، يتأثر عمله ويتراجع . وبالرغم من أنه لا يعتقد بوجود حل فإننا نعتقد أن تعلم إدارة الوقت والطاقة يصنع اختلافا جوهريا في تحقيق هذا التوازن بين العمل والحياة .

وترى الكاتبتان أن المبادئ والممارسات الموجودة في هذا الكتاب تأتي من خلال ورش العمل التي تمت قيادتها في الشركات خلال الخمس والعشرين سنة الماضية واستقصاءات التوجهات الذهنية التي أجريت لآلاف من الموظفين واستعراض أحدث الأبحاث التي قام بها علماء السلوك، والفرص التي سنحت لمراقبة العملاء عن قرب وهم يتعلمون كيفية تحقيق الاستفادة القصوى من يومهم .

وتحت عنوان الابتعاد عن سوء تقدير الوقت تقول الكاتبتان إنه في يوم الخامس عشر من أبريل/ نيسان من كل عام يسابق ملايين الأمريكيين الزمن ليلحقوا بالموعد النهائي لتقديم إقراراتهم الضريبية، وتكمن أسباب هذا الإسراع في اللحظة الأخيرة، في التسويف وسوء التقدير، وبالأخص سوء تقدير الوقت الذي يستغرقه بالفعل تحديد أماكن الفواتير وتصنيفها، وتجميع الأعمال الكتابية ومعالجة الأرقام بحيث يمكن استيفاء الاستمارات أخيرا وإرسالها في طريقها السعيد .

وتتابع الكاتبتان أنه وفقا للتقديرات الحكومية يستغرق دافعو الضرائب 28 ساعة و30 دقيقة لاستكمال إقرار ضريبي عادي محدد الاستقطاعات والدخل الوارد من الفوائد وتوزيعات الأرباح وأرباح رأس المال .

وترى الكاتبتان أن هذه النزعة لسوء تقدير الوقت الذي يستغرقه القيام بشيء ما ليست مقتصرة فقط على مثل هذه الأشياء المهمة مثل الضرائب، ولكن يمكن أن نراه أيضا في أشياء بسيطة مثل الحضور في المواعيد التي نحددها للآخرين . وللتخلص من سوء تقدير الوقت، وتقدير الوقت الذي تستغرقه للوصول إلى مكان ما أو القيام بشيء ما بدقة، تقدم لنا الكاتبتان كارين وكيث بعض الإرشادات التالية:

ابدأ بالعكس: ابدأ بالنهاية في عقلك، بحيث يمكن أن تكتشف بوضع معكوس كم الوقت الذي ستستغرقه للحاق بالموعد النهائي . اعمل بالعكس لتحسب الخطوات التي تحتاج أن تتخذها والوقت الذي ستستغرقه هذه الخطوات وهذا سيساعد على توضيح بالضبط ما الذي يحتاج أن يتم عمله ومتى .

ويمكن للعقل في مواقف سوء التقدير للوقت أن يهوّن الأمور ويغطي حقائق ما يستغرقه انتقاله من (أ) إلى (ب) . خطط دائما لعشرة في المائة من الوقت لحالات الطوارئ والتغيرات والتأجيلات غير المتوقعة . من هنا تبادر الكاتبتان القارئ بعبارة فكر في السيناريو الأسوأ .

ولا تستهن بالأمور الصغيرة، حيث يحدث الكثير من التأخير بسبب عدم الانتباه الكافي للأمور الصغيرة وبالأخص التي تربط نشاطا بآخر: وتحت عنوان احتفظ بسجلّ لنشاطاتك تقدم لنا الكاتبتان طريقة جيدة من أجل القيام بتنظيم أعمالنا اليومية وهي أن نحتفظ بسجل للنشاط اليومي لمدة أسبوع كامل وهي: القيام بتدوين كل نشاطنا اليومي .

ومن نصائح الكتاب: ألق نظرة على مفكرتك وحدد فترة زمنية معينة حيث تخطط للعمل على هذا الهدف، بما أن لديك فترة زمنية محددة اصنع قائمة بالمهام التي عليك القيام بها والتي يمكن القيام بها من خلال هذا الوقت نحو تحقيق هدفك، قم بهذا كل يوم أو أسبوع أو شهر من بقية حياتك .

بعد كل ما قيل يجب أن نقول أيضا إن فن إدارة الوقت هو في الواقع فن صنع القرار . إنه شجاعة أن تختار المهام التي ستقوم بها ومتى ستقوم بها وكيف ستقوم بها .

* * *

تقديراً لعالم آثار اتخذ مصر وطناً

"مؤرخون في القاهرة" مقالات تكريمية

باستثناء قلة من العاملين في حقل دراسات الشرق الأوسط، لا يوجد في عالم الفن الإسلامي والعمارة الإسلامية من لا يعرف المؤرخ وعالم الآثار جورج سكانلون، الذي عاش وعمل في مصر، في أوقات مختلفة، منذ خمسينات القرن الماضي حتى اليوم، وقضى وقتا طويلا في الجامعة الأمريكية في القاهرة، حيث كان يعمل أستاذاً للفن الإسلامي والمعماري في قسم الدراسات العربية .

القاهرة - الخليج:

أصدر المركز القومي للترجمة في مصر كتابا بعنوان مؤرخون في القاهرة هو عبارة عن مقالات جمعت بمناسبة تكريم سكانلون، وهي تقدم صورة مكبرة للتاريخ الإسلامي من بداية العصور الوسطى إلى اليوم، كتبها تلاميذ سكانلون وزملاؤه . كتب المقدمة جون سمبل وجاءت في صورة شهادة حميمة عن سكانلون وأفكاره ومبادئه التي آمن بها، وكما يقول سمبل: لقد عملت مع جورج سكانلون في عمل متواضع على رمال النوبة، وفي مملكته المملوءة بأكوام النفايات والبالوعات في الفسطاط، فأنا أعرفه لأكثر من أربعين عاما خارج نطاق القواعد الأكاديمية، وهذا شيء ثمين . كان اللقاء الأول بين سمبل وسكانلون في العام 1959 حين قرأ الأول كتاب الثاني دليل المسلم في الحروب وهو ترجمة وتعليق على كتاب مملوكي عن تكتيك الفروسية، يقول سمبل: حدث هذا في أحد أيام شهر مارس/ آذار الباردة، حيث كنت في حالة إنهاك شديد بإحدى الثكنات البعيدة الموحشة، وكانت لحظة فاصلة في حياتي لأنه في تلك اللحظة قررت العودة إلى مصر والعيش بالقاهرة .

ويقول سمبل عن سكانلون: هو أفضل مدرس عرفته في حياتي، وأنه لا نظير له، وبهذا فإنني أعني شيئا أبعد من مجرد التعليم، ليس فقط القدرة على تحفيز الدارس أو توجيه أي شخص في البحث عن المصادر وحثه على القراءة، بل موهبته في إضاءة مجالات معرفية واسعة باستخدام الصور البلاغية والشعر .

لقد جعل جورج سكانلون القاهرة وطنه، بالدرجة التي لا يقدر عليها إلا شخص بمثل هذا الذوق والاهتمامات الكوزموبوليتانية، فيجعلها وطنا مؤقتا، ولكن باعتبار أن عروس الشعر هي مصر فإنه يرتدي المدينة مثل حذاء قديم جيد الصنع ومريح جدا، ولأنه نفسه يعتبر أثرا مسجلا فإنه يستطيع أن يتذكر معظم ما مر به من أحداث لها أهمية خلال النصف قرن الماضي .

من هذا التقديم لجون سمبل إلى مقالات الكتاب التي تقدم للقارئ المهتم غير الأكاديمي وللباحثين والطلاب صورة لهذه المنطقة، نابضة بالحياة منذ العصور الوسطى وحتى القرن العشرين، وتبدأ هذه المقالات بمقال روزاليندا هادون الذي تبحث فيه عن الصعوبة التي تواجه الدارسين في عملية تحديد تاريخ الأواني الفخارية التي وجدت في الفسطاط، وتعتبر مساهمتها تحديا للتقارير المتعلقة بعلوم الآثار السابقة، وفي قيامها بذلك العمل فإنها تبين كيف أن الآثار الفنية في هذه الحالة عبارة عن شقفات أو كسور من قطع أثرية لأوانٍ فخارية، وأن اللمعان الذي يشع منها يشير إلى سعة المدى الجغرافي الذي وصل إليه تجار العصور الوسطى .

ونتيجة للاهتمام الذي أثاره كتاب وصف مصر الذي وضعه علماء الحملة الفرنسية، تدفق الرحالة الأوروبيون إلى مصر في أعقاب الحملة، إذ ظهرت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر رغبة في المحافظة على المقتنيات المعمارية في القاهرة الإسلامية، وكان ماكس هيرز رئيس لجنة المحافظة على آثار الفن العربي لافتا للانتباه، بسبب نشاطه العظيم واهتمامه الشديد، حيث استطاع، طبقا لأفكار ذلك العصر، أن يقيم مشروعات تتعلق بالتجديد والترميم . وبجانب التجديد فإن القاهرة كغيرها من المدن الكبيرة في ذلك الوقت قد مرت بعدة تغيرات اجتماعية وبنائية كبيرة جزئيا، نتيجة ضغط التوسع السكاني، فقد شملت هذه التغيرات مفاهيم جديدة، خاصة بالتخطيط العمراني والتكنولوجيا الحديثة اللازمة لتنفيذها .

يتناول خالد فهمي المشكلات التي تتعلق بالسكان العاملين من أصحاب المحلات الصغيرة والجزارين والبنائين، وكل ما يتعلق بالنواحي الحضارية والإسكان، وحل هذه المشكلات يحتاج إلى تشريع جديد، لتوفير ظروف أفضل للفقراء وبناء مدينة جميلة تعرف باسم باريس على النيل لطبقة أصحاب الامتيازات في المجتمع، وسار التوسع في القاهرة والحضر على قدم وساق في وقت افتتاح قناة السويس، وعزز هذا الحدث أهمية المدينة (القاهرة) . وينظر مقال نيللي حنا إلى التأثير الاجتماعي الناتج عن بناء الضواحي، ومثالا لذلك اختارت خاصية شبرا، وهي واحدة من المناطق الأكثر نموا وزيادة سكانية .

وينقل لنا الكتاب جانباً من مراسلات اللورد كرومر والشاعر ويلفرد بلمنت، وكما يوضح روجر اوين فإن هذه المرسلات تقدم صورة لرجلين ذوي أمزجة مختلفة، كل منهما يعتقد أنه يحمل مصالح مصر في قلبه، وكان كلاهما نشيطا في السنوات الأخيرة من القرن التاسع عشر، عندما كانت المشاعر الاستعمارية لا تزال تجري بقوة ضد الأفكار العالمية التي كانت تنادي بالاستقلال وحق تقرير المصير، كان كلاهما مهتما اهتماما عميقا بالمفاهيم الخاصة بفن سياسة الدولة، لكنهما اختلفا حول ما يمكن أن يلائم المصلحة المصرية، وكان بلمنت هو الأكثر اهتماما بالتقدم، وإيمانا به، وكان يفضل الاستقلال ويسخر من آراء وممارسات اللورد كرومر السلطوية .

كانت التجارة بشكل أو بآخر، وليست السياسة، هي التي جذبت معظم الأجانب إلى مصر هذا ما يؤكده أكثر من مقال في الكتاب.