رغم تأكيد المجتمع أن المرأة أصبحت مساوية للرجل في الحقوق والواجبات، خاصة بعد تقلدها مناصب مهمة، إلا أن إنجاب الإناث لا يزال مشكلة مؤرقة في مجتمعاتنا الإسلامية، فلا تزال الرغبة الكامنة في إنجاب الولد مسيطرة ومستحوذة على عقلية الكثيرين، حتى أصبحت كراهية إنجاب البنات لدى البعض مرضاً وشذوذاً اجتماعياً على حسب وصف خبراء الاجتماع وقد وصل الأمر ببعض الآباء المهووسين بإنجاب الولد، إلى الاستعانة بأطباء بلا ضمائر لإجراء عمليات إجهاض غير مبررة طبياً فور معرفة أن الجنين أنثى .

بريق إنجاب الذكور وكراهية الإناث، لم يفرق بين غني وفقير، ولا بين أمي ومتعلم، فالكثير يفرح بإنجاب الولد ويحزن لإنجاب البنت، لدرجة أن هناك مئات من حالات الطلاق تقع في البلاد العربية والإسلامية بسبب إنجاب الإناث، وكذلك هناك زوجات كثيرات تعرضن للاضطهاد والظلم من الأزواج للسبب نفسه .

المشكلة متعلقة بالعديد من الموروثات الاجتماعية وبقايا العادات الجاهلية، حتى إن المرأة ذاتها تجد نفسها في كثير من الأحيان أسيرة هذه الموروثات، لدرجة أنها لا تشعر بأنوثتها الكاملة إلا بإنجاب الذكر . في التحقيق التالي نستعرض المشكلة من جميع زواياها لنصل إلى الحلول المناسبة من خلال آراء عدد من المتخصصين وعلماء الشريعة .

الدكتور عبدالمعطي بيومي عضو مجمع البحوث الإسلامية والأستاذ في جامعة الأزهر يؤكد أن إنجاب الأولاد أو البنات هبة من الله . . ومن لا يقبل هبة الله له فهو عاصٍ وغير راضٍ بحكم الله، وقد ثبت أن إنجاب البنات له أفضلية لكيان الأسرة والمحافظة عليها ربما أكثر من الأولاد .

ويضيف: إن الأبحاث والدراسات أثبتت أن الرجل هو المسؤول عن إنجاب الإناث فبحسب تأكيدات الأطباء فإن الرجل هو الشريك الفعال في هذا الأمر، وهذا ما أثبته العلم الحديث والأمر بالمقام الأول يتعلق بالجينات . . منتقداً إقدام الرجل على طلاق زوجته وزواجه من أخرى لإنجاب الذكور .

ويدعو الدكتور بيومي إلى الالتزام بمنهج الرسول صلى الله عليه وسلم في إكرام المرأة حين أوصى بها خيراً فقال صلى الله عليه وسلم في خطبة الوداع: أوصيكم بالنساء خيراً فإنهن عوان لديكم . . لافتاً إلى أن الإنسان لا يعلم الحكمة في ما رزقه الله من البنات أو اختصاصه بالبنين أو جعل الآخر عقيماً، كما جاء في كتابه العزيز، فهي أمور غيبية، فالذي يعطي ويمنع هو الله سبحانه وتعالى، وليس للإنسان اختيار في أن يمنحه الله البنات أو البنين، وكراهية إنجاب البنات تكشف عن مبدأ عنصري ليس له أصل في الإسلام، وهو نوع من أنواع العنف ضد المرأة، ومرجعه الجهل والمعتقدات المتخلفة التي تنظر إلى المرأة بنظرة عصر الجاهلية أو نظرة دونية لا تناسب الإنسان .

هبة من الله

ويشاركه الرأي الدكتور صبري عبدالرؤوف أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر ويقول: الإسلام حث الوالدين على الرضا بالمولود ذكراً كان أم أنثى، فالذرية هبة من الله تعالى، وحذر الإسلام من كره إنجاب البنات، وعدم الاستبشار بولادتهن، بل إنه جعل لحسن تربيتهن والقيام على أمرهن ثواباً عظيماً لا يعدله ثواب آخر متعلق بتربية الأولاد، حيث ذكر صلى الله عليه وسلم أن من أحسن إليهن كن له ستراً من النار .

ويضيف: إن الإسلام حمى الجنين في بطن أمه بأن حرم الإجهاض وخاصة إذا مضى على الحمل أربعة أشهر، فلا يحل لمسلم عندئذ أن يفعله لأنه جناية على حي متكامل الخلق ظاهر الحياة، ولذلك وجب في إسقاطه الدية إن نزل حياً، وعقوبة مالية أقل منها إن نزل ميتاً . . رافضاً سعي البعض إلى تحديد نوع الجنين عن طريق التدخل الطبي، لأن الله سبحانه وتعالى هو الذي بيده هذا الأمر لقوله تعالى يهب لمن يشاء إناثاً ويهب لمن يشاء الذكور أو يزوجهم ذكراناً وإناثاً ويجعل من يشاء عقيماً، فكل هذا يتوقف على مشيئة الله عز وجل إن شاء حقق لنا ما يريد وإن لم يشأ فلا يمكن أبداً أن يقع في ملكه ما لا يريد، والإنسان لا يمكن أبداً أن يغير خلقة الله عز وجل التي خلق عليها الإنسان الذي ركبه عزّ وجل وركبه من صفات معينة، قال تعالى صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة، فتدخل الإنسان في مثل هذه الأمور لون من ألوان العبث ويحرم البحث العلمي في مثل هذه الأمور، ولذا فإن الإسلام يرفض مثل هذه المحاولات العلمية لأنها لا يمكن أن تكون مجدية وإنما هي محاولات فاشلة، لأنه ليس في مقدور أحد أن يغير صفة الإنسان .

فضل تربية البنات

وترى الدكتورة آمنة نصير العميد السابق لكلية الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر أن السخط عند إنجاب البنات من أخلاق الجاهلية، ويكفي في قبح كراهة البنات أن يكره العبد ما وهبه الله ورضيه له وأعطاه، ولقد نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن التفرقة بين البنات والبنين فكلهم نعمة من الله على الإنسان، حيث يقول صلى الله عليه وسلم: ساووا بين أولادكم في القُبَل، وفي فضل تربية البنات روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من سعى على ثلاث بنات فهو في الجنة وكان له كأجر مجاهد في سبيل الله صائماً قائماً، وقال صلى الله عليه وسلم: من كان له ثلاث بنات فصبر عليهن وأطعمهن وسقاهن وكساهن من جِدَتِه كن له حجاباً من النار يوم القيامة، وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من عال جاريتين حتى تبلغا جاء يوم القيامة أنا وهو هكذا وضم إصبعيه كناية عن قرب الجوار في الجنة، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن أوس بن ساعدة الأنصاري دخل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن لي بنات وأنا أدعو عليهن بالموت فقال صلى الله عليه وسلم: يا ابن ساعدة لا تدع عليهن فإن البركة في البنات هن المحملات عند النعمة والمنعيات عند المصيبة والممرضات عند الشدة تقلهن على الأرض ورزقهن على الله .

وتؤكد الدكتورة نصير أن تربية البنات والإحسان إليهن سبيل إلى الجنة ووقاية من النار، فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته الإمام راع ومسؤول عن رعيته والرجل راع في أهله ومسؤول عن رعيته والمرأة راعية في بيتها ومسؤولة عن رعيتها .

نساء خالدات

ومن جانبها تؤكد الدكتورة مهجة غالب الأستاذة بجامعة الأزهر أن المرأة ساوت الرجل في العلوم المختلفة وأسهمت في تشييد حضارة الإسلام، بل صارت مرجعاً وحجة للكثير من الرجال ومن أمثلة ذلك السيدة فاطمة بنت الرسول صلى الله عليه وسلم، وعائشة أم المؤمنين، وحفصة أم المؤمنين، وأسماء بنت أبي بكر، وأم عمارة، والرميصاء، وزينب بنت أبي سالم، وغيرهن من النساء اللاتي كانت لهن مكانة كبيرة على مر التاريخ .

وتضيف: إن فضل تربية البنات عظيم في الدنيا والآخرة، مؤكدة أن البنات نعمة وهبة من هبات الله، وإن كره إنجاب الأنثى من أخلاق الجاهليين الذين ذمهم الله سبحانه في قوله: وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً وهو كظيم . يتوارى من القوم من سوء ما بُشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون، كما أنه لا تميز من حيث الكيان الإنساني بين الذكر والأنثى، حيث يقول المولى عز وجل: أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض .

تتعجب د . مهجة من تصرف الرافضين لإنجاب البنات موجهة إليهم سؤالاً: إذا كنت أنت وغيرك ترفض إنجاب البنات، فكيف يتحقق التوازن في المجتمع؟ أليست زوجتك أنثى وكذلك أمك التي أنجبتك ثم ربّتك حتى أصبحت رجلاً؟

شذوذ اجتماعي

يؤكد الدكتور نبيل السمالوطي أستاذ علم الاجتماع بجامعة الأزهر أن كراهية إنجاب الإناث تعد شذوذاً اجتماعياً مخالفاً للعصر الحالي في عقول بعض الرجال، مشيراً إلى أن الآباء قديماً كانوا يفضلون إنجاب الولد لحاجة المجتمع إليه، وظروف البيئة تفرض على الإنسان مطالب معينة، وهي بدورها تفرض على الإنسان تفضيل نوع على نوع وهو في الحقيقة ليس تفضيل جنس على جنس وإنما التفضيل لدواعي الحاجة فنرى في المجتمعات الأكثر رقياً ورفاهية اختفاء الأصوات التي تتحدث عن تفضيل الذكور على الإناث، والعصر الحديث بإمكاناته وتنظيمه واكتشافاته أتاح للمرأة ممارسة الكثير من الأعمال التي كان من الصعب ممارستها في ما مضى، ولذا ليس من الداعي أن نرى هذه الظاهرة في الوقت الحالي بهذا الحجم .

ويوضح أن المجتمعات العربية القديمة كانت تمارس التمييز ضد البنت منذ لحظة مجيئها إلى الحياة وتفضيل الذكر على الأنثى إحدى القيم التي مازالت قائمة في المجتمع، مشيراً إلى أن الأسرة العربية تتأثر بسيطرة الرجل، وترى أن تربية الذكر أسهل من تربية الأنثى لأن الولد مهما فعل وكيفما تصرف فإن سلوكه يرتد في الغالب عليه مباشرة، أما أقل انحراف من البنت فإنه يعيب الأسرة كلها، كما أنه من المعروف أن إنجاب الولد يرفع من قيمة الرجل والمرأة معاً .

ويدعو السمالوطي إلى معالجة التمييز بين الجنسين بالتركيز على المناطق التي تنتشر فيها الظاهرة لتغيير هذه الثقافة بعقد ندوات وجلسات استماع لمعرفة الأسباب والعوامل التي تؤدي إلى توارث هذه الأفكار .

حالة جاهلية

وتنتقد الدكتورة سعيدة أبوسوسو أستاذة علم النفس بجامعة الأزهر فرحة بعض المجتمعات بالذكر وحزنها عند إنجاب الأنثى . . مشيرة إلى وجود نماذج كثيرة من الأسر في مجتمعاتنا العربية يعيشون حالة جاهلية برغبتهم في إنجاب الذكور إضافة إلى عدم مراعاتهم حق الله في بناتهم ومعاملتهن، حيث يعتبرون أن إنجاب الإناث عبء وعار عليهم، ولذا يفضلون إنجاب الأولاد على البنات، ومن لا يرزق منهم بالولد يعيش في جحيم دائم، وتنقلب حياته الزوجية إلى عذاب .

وترجع أسباب كراهية إنجاب الإناث إلى الخوف على الفتاة من غدر الأيام وقسوتها وعدم الاطمئنان عليها مستقبلاً في زواجها، فالأب لا يعلم ما إذا كان الزوج سيحبها ويحميها ويحافظ عليها، كما كان والدها يفعل أم لا؟، وإن كانت ستعيش في رغد وهناء وسعادة وعزة وكرامة أم لا؟، كما أن هناك الكثير من الأسر ترفض فكرة التعب في تربية البنت وتعليمها والإنفاق عليها لأنها بعد كل ذلك ستذهب لرجل غريب بعد زواجها .