شاعت رذيلة كشف أسرار غرف النوم بين كثير من الرجال والنساء في المجالس الخاصة أو عن طريق الهاتف أو مواقع التواصل الاجتماعي . . بل للأسف انتقلت من خلال أزواج وزوجات إلى بعض البرامج الفضائية من دون خجل أو حياء .
وقد شهدت مجتمعاتنا العربية العديد من جرائم الانتقام المتبادل بين الزوجين بسبب هذه الحماقة، حيث تحمل ملفات الحوادث العديد من قصص الجرائم التي ارتكبت بسبب كشف أسرار العلاقات الخاصة بين الزوجين . . فضلاً عن الفضائح التي تلاحق المشاهير في وسائل الإعلام المختلفة، بسبب الحديث عن ضعف الأزواج وعدم قدرتهم على القيام بواجباتهم الزوجية .
آخر الجرائم التي ارتكبت بسبب كشف الأسرار الزوجية كان مسرحها مدينة الإسكندرية المصرية منذ أيام، حيث انتقم زوج يعاني الضعف الجنسي من زوجته بقتلها شنقاً بسبب حديثها عن ضعفه وعدم قدرته على القيام بواجباته لأحد زملائه في العمل الذي قام بدوره بفضحه بين بقية الزملاء، ما دفعه إلى عدم الذهاب إلى عمله والهروب بعيداً عن عيون الزملاء والأصدقاء والانتقام من زوجته بخنقها وتركها في غرفة نومهما جثة هامدة .
الأسئلة التي تفرض نفسها هنا والتي طرحتها "الخليج" على عدد من علماء الإسلام هي: ما السياج الأخلاقي الذي أحاط به الإسلام العلاقة الخاصة بين الزوجين؟ وما حكم الشرع فيمن يكشف أسرار هذه العلاقة للآخرين؟ ومتى يجوز للزوج أو الزوجة الحديث عن مشاكله أو معاناته النفسية، نتيجة التقصير في القيام بالواجبات الزوجية؟
وكيل الأزهر الأسبق وعضو مجمع البحوث الإسلامية، الشيخ محمود عاشور، يؤكد أن الإسلام اهتم كثيراً بالعلاقة العاطفية بين الزوجين، نظراً لتأثيرها الحسي والنفسي في استقرار الحياة الزوجية، حيث يؤدي عدم الاهتمام بها أو وضعها في غير موضعها إلى تكدير صفو حياة الزوجين وإصابتهما بالاضطرابات النفسية، بل إن فشل التفاهم العاطفي بين الزوجين يؤدي إلى تدمير العلاقة الزوجية .

سياج أخلاقي

ويضيف: لقد جعل الإسلام لكل من الزوجين حق الاستمتاع بالآخر وفق ضوابط لا يجوز بحال من الأحوال التخلي عنها، لتتم هذه العلاقة ضمن سياج أخلاقي يحافظ على كرامة الزوجين وذلك لأن هذه العلاقة الحميمة لها حرمتها وقدسيتها . . ومن هنا حرم الإسلام كشف أحد الزوجين لخصوصية علاقته بالآخر ونظم طرق وأساليب التعبير عن الضرر الذي قد يقع على أحد الطرفين، نتيجة عدم انتظام العلاقة العاطفية بين الزوجين .
ويرى العالم الأزهري أن الجهل بهذه الآداب والأخلاقيات والضوابط وابتعاد المسلمين عن فهمها وشيوع كثير من صور الإسفاف والانتقام عن طريق فضح أحد الزوجين للآخر، والإساءة إليه بكشف مرضه أو ما به من عيب في هذا الجانب هو الذي يحدث المشكلات والأزمات ويكون سبباً في الجرائم الانتقامية .
ويؤكد الشيخ عاشور أن الإسلام يستهدف من الإشباع الجنسي بين الزوجين أن يكون سبيلاً لإشاعة الحب والود والتفاهم والسكينة في بيت الزوجية، فلقاء الرجل بزوجته ليس وسيلة لتفريغ الشهوة فقط، ولذلك نبهنا رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم إلى أنه لا ينبغي للزوج أن يأتي امرأته من دون مقدمات فقال: "لا يرتمي أحدكم على امرأته كما ترتمي البهيمة، اجعلوا بينكم وبين الجماع رسولا" . . قالوا: "وما الرسول يا رسول الله؟"، قال: "القبلة والكلام" .

حق الإعفاف

العالم الأزهري، د . أحمد عمر هاشم، أستاذ السنة النبوية وعضو هيئة كبار العلماء، يؤكد أن من حقوق الزوجة على زوجها حقها في الإعفاف، وذلك عن الطريق الشرعي الذي أحله الله تعالى ولا يصح للرجل أن يشغله شاغل عن هذا الحق حتى ولو من أجل العبادة، كقيام الليل أو الصوم ونحو ذلك، ومن حق الزوجة هنا أن تطالب بحقوقها الشرعية ولو منعها الحياء من طلب ذلك صراحة، أشعرت زوجها بغضبها من إهمال هذه الحقوق من دون أن تخبر أحداً بذلك، حرصاً على أسرار العلاقة الزوجية وهي علاقة لها حرمتها وقدسيتها .
ويؤكد د . هاشم أن للعلاقة الزوجية حرمتها ومكانتها، فهي علاقة سكن ومودة ورحمة، قال الله تعالى: "ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون" . وقال سبحانه: "هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها" .
فدائرة العلاقة الزوجية في رحابتها وامتدادها تنبثق منها معان رفيعة رائدة، فهي ليست محصورة في الجانب الحسي، وعلاقة الجسد بل إن وراءها المحافظة على بقاء النوع الإنساني، والاستعفاف، والترابط القوي بين كل من الزوجين، وبين كل من الأسرتين، مما يعمل على إثراء التواصل وتنمية وشائج القربى والرحم، وهذه الصلات ومالها من روابط وثيقة تترعرع في ظلال المودة والرحمة التي أفاءها الله تعالى على تلك العلاقة الزوجية . .
ويضيف: هذه المنزلة جديرة بأن تحاط برعاية فائقة وعناية بالغة، فكل من الزوجين، زينة وستار للآخر وسكن ولباس كما قال الله سبحانه وتعالى: "هن لباس لكم وأنتم لباس لهن" .
فالمرأة المسلمة الصالحة مطيعة لزوجها، تحفظه في غيبته في نفسها وماله، قال الله تعالى: "فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله" .
وفيما روي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خير النساء امرأة إذا نظرت إليها سرتك وإذا أمرتها أطاعتك وإذا غبت عنها حفظتك في نفسها ومالك" .
ويوضح د . هاشم أن الإسلام لم يلزم الزوجة بالحفاظ على أسرار علاقتها الخاصة بزوجها فقط، بل ثمة جوانب أخرى يجب الوقوف عندها، ومن ذلك أسرار المأكل وغيره مما يكون عادة في البيت، فإن كان الموجود قليلاً، فليكن الرضا وعدم السخط والشكوى، وإن كان كثيراً فليكن الشكر لواهب النعمة، وعدم التباهي بذلك والتحدث لاسيما إذا كان الجار فقيراً .

الخلافات الزوجية

ومن الجوانب المهمة والجديرة بالمحافظة عليها ما يحدث من الخلافات الزوجية، وهذا جانب له أهميته في وجوب تضييق دائرة الخلاف ومحاولة علاجه بين الزوجين من دون تسرب خبر منه للناس أو ارتفاع صوت أو صياح، وقد شرع الإسلام لمعالجة أحوال النشوز والخلاف ما يكفل الأمن للبيت الزوجي، وهو علاج يتم فقط بين الزوجين بحيث لا تنكشف معه الأسرار، وإنما يتم العلاج في سرية تامة، وبقواعد دقيقة ومحكمة وأما عند توقع الخطر وخوف الشقاق، وتعرض البيت الزوجي لأسباب التصدع والانهيار وحدوث الفرقة وما يترتب عليها من تعرض الطفولة البريئة إلى الضياع ففي هذا الموطن يكون تدارك الموقف وعلاجه على نحو آخر .
ويحدثنا القرآن الكريم في قول الله تعالى: "وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما إن الله كان عليما خبيرا" .
وإذا انتقلنا إلى جانب آخر غير هذا من جوانب الأسرار الزوجية وهو جانب العلاقة الخاصة بين الزوجين نجد أن الإسلام قد صان هذا الجانب صيانة قوية وحذر من كشف هذا السر أو الاستهانة بالتحدث به، كما هو شأن المجتمعات البعيدة عن روح الإسلام التي يتناقل فيها ضعاف الدين والخلق ما يحدث بين الرجل وزوجته بل يصورونه ويعرضونه على الشباب وهواة المشاهد الفاضحة .

"من أشر الناس . ."

الفقيهة الأزهرية، د . سعاد صالح، أستاذة الشريعة الإسلامية بالأزهر تدين جريمة قتل الزوج لزوجته بسبب هذا التجاوز السلوكي، وتؤكد أن العلاقة الحميمة بين الزوجين لا يجوز الكشف عن تفاصيلها لأحد أو الحديث عنها بشكل مكشوف كما نرى الآن، فهذا سلوك أحمق يجلب لصاحبه غضب الله وعقابه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم وصف من يفعلون ذلك في قوله الشريف: "إن من أشر الناس منزلة عند الله يوم القيامة الرجل يفضي إلى المرأة وتفضي إليه ثم ينشر سرها" . . وروي عنه صلوات الله وسلامه عليه في حديث صحيح أنه بعد أن صلى إماماً بجمع من الرجال والنساء ذهب إلى الرجال أولا وسألهم: "هل منكم الرجل إذا أتى أهله أغلق بابه وأرخى ستره، ثم يخرج فيحدث فيقول: فعلت بأهلي كذا وكذا؟" فسكت الرجال ولم يجب أحد منهم . . فذهب عليه الصلاة والسلام للنساء وسألهن: "هل منكن من تحدث؟": فقالت أسماء بنت يزيد رضي الله عنها: أي والله إنهم ليتحدثون وإنهن ليتحدثن . . فقال عليه الصلاة والسلام: "هل تدرون ما مثل من فعل ذلك؟ إن مثل من فعل ذلك مثل شيطان وشيطانة لقي أحدهما صاحبه بالسكة فقضى حاجته منها والناس ينظرون" .
هذا هو حجم التنفير الإسلامي من هذه الجريمة الأخلاقية البشعة . . أما النفور الاجتماعي منها فهو لا يقل عن النفور الديني حيث ينظر كثير من الناس إلى أن الحديث في هذه الأمور وكشف تفاصيل ما يحدث داخل غرف النوم يدخل في نطاق العيب .
من هنا، والكلام على لسان أستاذة الشريعة الإسلامية بالأزهر- يجب مواجهة هذا التبجح من جانب الرجال والنساء والتوقف عن كشف أسرار غرف النوم في المجالس الخاصة والفضائيات ومواقع الإنترنت حرصاً على ترسيخ القيم الإسلامية الفاضلة، وفي مقدمتها قيمة الحياء والتعفف في القول، وحرصاً على القيم التربوية والأخلاقية في نفوس الكبار والصغار . . وقبل كل ذلك حرصاً على سمعة وشرف بيوتنا .
وأوضحت د . سعاد أن الشريعة الإسلامية نظمت حالات الضرر في حالة وجود عيوب في أحد الزوجين تحرم الطرف الآخر من الحصول على حقوقه، وفقهاء الإسلام فصلوا الحديث في العيوب التي تمنع الرجل من الاستمتاع بحقوقه في الفراش وأباحوا له تطليق زوجته في حالة تعذر العلاج أو الزواج بأخرى دون إثم، أما الزوجة فلها أن تتضرر من مرض زوجها الدائم الذي يعيقه عن الوفاء بواجباته الزوجية ولها أن تطلب الطلاق لاستمرار هذا الضرر بعد استنفاد فرص العلاج .
وتعبير الزوجة عن التضرر من مرض زوجها - كما تقول د . سعاد - يكون أمام القاضي أو الحكمين إذا ما لجأ الزوجان إلى التحكيم الأسري، ولذلك فإن الزوجة التي تبوح بسر زوجها وتكشف عن مرضه لزملائه وأصدقائه تكون قد خانت الأمانة وارتكبت خطأ فادحاً لا يقره شرع ولا عرف .