من ضمن الأوساط الحيوية للبيئة بعد الماء والهواء تبقى لنا التربة. والتربة عادة مصطلح أدق من مصطلح الأراضي كون مصطلح التربة يشير إلى الأراضي المستغلة وفي الأغلب الأراضي الزراعية.
من المعلوم أن عدد سكان الأرض الذي تجاوز المليارات السبعة يعيش على ما نسبته 20- 25% من سطح كوكب الأرض، وأن هذه النسبة يمارس فيها الإنسان مختلف أنشطة حياته اليومية منذ ولادته إلى مماته، لكنه ليس الوحيد على هذه اليابسة من الكرة الأرضية بل هناك باقي الكائنات الحية من المملكتين الحيوانية والنباتية.
ويفترض التوازن البيئي أن تعيش جميع الكائنات الحية بشكل سليم وإن أثّر بعضها في الآخر أحيانا إلا أن المنفعة أيضاً موجودة وهكذا أراد الله سبحانه وتعالى.
ولكن تتعرض الترب، والتي هي كما أشرنا تلك الأراضي المخصصة للزراعة والتي تؤمن الغذاء لكل الكائنات الحية من ضمنها الإنسان، إلى العديد من الملوثات التي تؤثر هي نوعية وكمية إنتاجيتها.
إن الترب تحتوي على مكونات تتمثل بالأملاح المعدنية والمواد العضوية والكائنات الدقيقة والماء والهواء والأملاح المعدنية تكون متواجدة بحسب نوعية ونسجة التربة وهي على نوعين: أملاح المعادن الكبرى مثل النتروجين والفسفور والبوتاسيوم والحديد، والصغرى مثل النحاس والمنغنيز والمغنيسيوم وباقي عناصر الجدول الدوري ولكنها بكميات قليلة وبحسب التكوين الجيولوجي للتربة.
التربة تنقسم بحسب النوع إلى الترب الرملية أو الطينية أو الغرينية أو المزيجة بين نوعين من السابقة أو أكثر كما أن هذه الترب تنقسم بحسب النسجة (جزيئات التربة) بين الخفيفة والثقيلة.
والتربة هي الطبقة السطحية من الأرض والتي تتكون خلال الكثير العديد من العوامل والظروف خلال ملايين السنين وحين أخذ عينات نلاحظ أن هناك ثلاث طبقات متتالية يمكن تميزها بالعين المجردة وهي الطبقة السطحية Surface Soil، وهي التي تغلف الأرض وعمقها لا يتجاوز عدة سنتيمترات، كما أنها تحوي على المواد العضوية، وتعيش فيها معظم الكائنات الحية الدقيقة والديدان والحشرات، وهذه الطبقة معرضة للانجراف والتخريب أكثر من غيرها. الطبقة تحت التربة Subsoil تقع مباشرة تحت الطبقة السطحية وفيها قليل من الدبال والكائنات الحية الدقيقة مقارنة بالطبقة السطحية.
طبقة الصخر الأم Solid، وهي الطبقة الأصلية التي تكونت منها التربة وهي أقل عرضة لعوامل تكوّن التربة مثل الحرارة والرطوبة والرياح.
والتلوث يحدث عندما تدخل مواد غريبة إلى التربة ويسبب تغيراً في مكوناتها الكيميائية أو الفيزيائية وقد تكون مصادرها كميات زائدة أو في غير وقتها من الأسمدة أو المبيدات أو نفايات مختلفة صلبة أو سائلة ومن مختلف المصادر سواء كانت من الجو كالمطر الحامضي أو النشاط البشري مثل رمي مياه الصرف الصحي أو النفايات الصناعية وغيرها مما تسبب تلويثاً للتربة والكائنات الحية التي تعيش في كنفها مثل النباتات أو فوق سطحها وفي باطنها من الحيوانات.
وبالتالي ينعكس ذلك كله على صحة الإنسان وجودة غذائه.
ويمكن تقسيم الملوثات إلى الأنواع التالية:
- أولاً: الملوثات الطبيعية الانجراف Weathering، والانجراف هو ظاهرة طبيعية تتمثل في تعرية وتآكل الطبقة السطحية من التربة ونقلها بفعل العوامل المناخية وأهمها الرياح والمياه.
ويمكن تقسيمه إلى انجراف هوائي (أو ريحي) وآخر مائي.
وهو من أخطر العوامل التي تهدد الحياة النباتية والحيوانية، ويترتب على التعرية انجراف المواد الخصبة اللازمة لنمو النباتات.
وتكمن خطورة الانجراف في سرعة حدوثه حيث يتم ذلك خلال عاصفة مطرية أو هوائية واحدة فيما نجد أن إعادة التوازن إلى التربة يتم بسرعة بطيئة جداً ويتطلب زمناً طويلاً.
مثلاً، تشكل طبقة تربة سماكتها 18 سم تحتاج إلى زمن قدره 5000 عام لأن تشكل التربة يجري بسرعة تقدر ب 0.5 - 2 سم لكل مئة عام، وتخريب هذه الطبقة التي سماكتها 0.5 - 2 سم بسبب العواصف المطرية أو الهوائية يحتاج إلى 20 -30 سنة.
وللإنسان دور في حدوث التعرية من خلال تخريب وإزالة الغطاء النباتي، وحرث التربة في أوقات غير مناسبة مثل الفترات الجافة من العام مما يفكك حبيبات الطبقة السطحية منها، والرعي الجائر وخاصة في الفترات الجافة، الأمر الذي يؤدي إلى تقليل الغطاء النباتي ويفكك التربة السطحية ويجعلها أكثر عرضة لتأثير الرياح. ومن مظاهر التخريب أيضاً التصحر: Desertification، ويعني التدهور في النظم البيئية، أي الإخلال بمكوناتها وتدهور خصائصها الحيوية، وقلة إنتاجها إلى درجة عجز هذه النظم عن توفير متطلبات الحياة الضرورية للحيوان والإنسان، بحيث ينتهي شكل الأرض الزراعية والرعوية وتميل إلى أن تكون صحراوية.
وقد ينتج التصحر بسبب عوامل مناخية (مثل الجفاف وندرة الأمطار) أو بسبب ازدياد نسبة الملوحة أو زحف الرمال أو بسبب تدخل البشر (مثل عمليات الرعي الجائر أو تحويل الأراضي إلى عمرانية أو صناعية). التملح بدرجة عالية (الصباخ) Salty Soil: وتحدث هذه الحالة إما بسبب الجفاف لفترات طويلة أو بسبب سؤ إدارتها من خلال زراعتها بمحصول واحد لفترات طويلة مما يسبب نقصان في أملاح بعض العناصر وزيادة في أملاح عناصر أخرى أو بسبب نوعية المياه التي تروى بها التربة كأن تكون شديدة الملوحة.
ثانيا: الملوثات البشرية، ومن صورها المخلفات الصلبة: تنقسم النفايات الصلبة سواء المنزلية منها أو الصناعية أو الزراعية إلى المكونات التالية العضوية والتي تكون حوالي 50% والورق والزجاج والبلاستيك والمعدن 45% والباقي 5% عبارة عن نفايات خطرة وسامة ومشعة من ضمنها الصيدلانية والطبية. وهذه النفايات إن لم تُدر بصورة صحيحة ستولد تلوثاً قد يستمر لمئات السنين بالأخص للنفايات البلاستيكية. أما إذا كانت أكياس القمامة حاوية لنفايات خطرة وسامة مثل البطاريات وبقايا المنظفات والأصباغ والأحبار والمبيدات ومواد كيميائية أو مشعة فإن التلوث سيكون عندها كارثياً.
ومن الملوثات أيضاً المخلفات السائلة: يقصد بالمخلفات السائلة مياه المجاري، ومخلفات المصانع والدباغات، ومياه المنظفات الكيميائية والزيوت المعدنية المستعملة، وينتج تأثيرها الملوث من تسربها بواسطة المياه خلال الطبقات المسامية للتربة، وتعمل على قتل الكائنات الحية فيها، وتصل إلى المياه الجوفية فتلوثها وتمنع بذلك استخدامها في الشرب. بالإضافة لذلك فإن المخلفات السائلة وعند اختلاطها بالمياه الملوثة تصبح بؤرة لانتشار الجراثيم والطفيليات الممرضة، وتنتقل هذه الكائنات إلى الإنسان من خلال المزروعات وخاصة تلك التي تؤكل مباشرة دون طبخ.
وتؤدي المخلفات السائلة إلى تملح التربة وهدم بنيتها الفيزيائية.
وهناك التلوث بالمبيدات، والمبيدات عبارة عن مركبات كيميائية متفاوتة السمية تحقن في المحيط الحيوي لعلاج حالات عدم التوازن التي حلت به، وتحظى التربة دون غيرها من الأوساط البيئية بالجزء الأكبر من هذه المواد السامة، حيث تستخدم تلك المواد في مقاومة الآفات الزراعية التي من أهمها الحشرات والحشائش والفطريات وبعض الأحياء الأخرى التي تقطن التربة
وهناك التلوث بالأسمدة الكيميائية: بزيادة عدد السكان وتوسع الرقعة الزراعية اتجه المزارعون إلى استخدام الأسمدة الكيميائية التي تحوي على مركبات الفوسفات والنترات لزيادة خصوبة التربة وزيادة إنتاجها من المحاصيل الزراعية.
والاستخدام المفرط لهذه الأسمدة بكميات تزيد عن حاجة النبات الفعلية، فإن جزءاً كبيراً من هذه الأسمدة يبقى في التربة وهو الجزء الذي يزيد على حاجة النبات.
ويمثل هذا الجزء المتبقي إسرافاً من الناحية الاقتصادية، وهو أحد عوامل تلوث التربة
وتشمل الملوثات كذلك المعادن الثقيلة Heavy Metals: تعد كل من عناصر المنغنيز والزنك والنحاس محفزات أنزيمية، ولكن تكون هذه المعادن سامة وخطرة في تراكيز معينة.
ومما يزيد من خطورة هذه المعادن في البيئة هو عدم إمكانية تحليلها بواسطة البكتريا والعمليات الطبيعية الأخرى فضلاً عن ثبوتيتها والتي تمكنها من الانتشار لمسافات بعيدة عن مواقع نشوئها أو مصادرها. ولعل أخطر ما فيها يعود إلى قابلية بعضها للتراكم الحيوي في أنسجة وأعضاء الكائنات الحية في البيئة المائية أو اليابسة. الأمطار الحمضية: تعتبر غازات أكاسيد النتروجين وأكاسيد الكبريت المتصاعدة المكون الرئيسي للأمطار الحمضية وذلك عند تفاعلها مع جزيئات بخار الماء.
وتؤدي الأمطار الحمضية إلى إحداث تغير في طبقة التربة الزراعية وتذيب عدداً من العناصر والمركبات التي تسري إلى جوف التربة ومن ثم إلى المياه الجوفية التي قد تستخدم في الشرب أو ري المزروعات. وتعمل الأمطار الحمضية على زيادة حموضة التربة مما يؤثر في أحياء التربة ويلحق الضرر في خصوبتها وتؤدي إلى موت النباتات، كما يمكن أن تحتوي هذه الأمطار عند تسربها في جوف التربة على عناصر ذائبة خطرة وسامة مثل المعادن الثقيلة كالرصاص والزئبق.
وهناك التلوث الإشعاعي، وتأتي خطورة العناصر المشعة من كونها ذات صفة تراكمية أي إنها تنتقل من الوسط إلى الكائنات النباتية والحيوانية مع زيادة في التركيز في كل مرحلة من مراحل انتقالها عبر السلسلة الغذائية، وإذا تلقى الجسم أو أي عضو من أعضائه دفعات متقطعة حصلت فيه أضرار مختلفة، وحتى الجرعات القليلة جداً من الإشعاعات يمكن أن تؤثر في خلية واحدة، وإن كانت الخلايا المتضررة هي الخلايا الجنسية، فيمكن أن يحدث خلل وراثي Genetic injury والذي من الممكن أن ينتقل إلى الأجيال القادمة، أو ظهور تشوهات عند الأطفال الذين يولدون.
خبير بيئي وزراعي
[email protected]