وهؤلاء الذين أنعم الله عليهم واختارهم ليكونوا ضيوفاً له خلال حج هذا العام ينبغي أن يتعرفوا على ما يعظم من مكاسبهم الروحية الإيمانية لكي يعودوا وهم أكثر طمأنينة بأنهم ساروا على الطريق الصحيح، وأن رحلتهم المباركة توفر لهم مقومات الحج المبرور.
التقينا عددًا من كبار العلماء ليحدثونا عن المكاسب والمنافع العديدة لرحلة الحج.. وهذه هي نصائحهم وتوجيهاتهم:
د. محمد نبيل غنايم، أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة القاهرة، يحث كل حاج على الالتزام بآداب وأخلاق الإسلام في كل خطوة يخطوها طوال رحلة الحج، وأن يتعرف على ما يضاعف من أجر عبادته، وما يؤثر على صحتها حتى يعود من الأراضي المقدسة بما يتطلع إليه من أجر وثواب.
ويضيف: مكاسب فريضة الحج ومنافعها كثيرة ومتنوعة وتعود على المجتمع كله وليس على الحاج وحده، فالحاج الذي يحرص على الكسب الحلال حتى يكون حجه مبروراً يحقق منفعة كبيرة للمجتمع الإسلامي الذي تعددت فيه الآن صور الكسب الحرام.. وهذا يعني أن الحج وسيلة غير مباشرة لتطهير المجتمع من كل هو حرام أو فيه شبهة حرام، وهذا مكسب كبير لا يعود على الحاج وحده، بل يمتد أثره الطيب إلى المجتمع كله، وبالتالي تعود الحقوق إلى أصحابها، ويتربى المسلم على احترام قاعدة «الحلال والحرام»، فيكون إنساناً ملتزماً بما جاء به الإسلام من تعاليم وأخلاقيات، ويحرص في كسبه وطعامه وشرابه على الحلال، ويتجنب كل ما فيه شبهة حرام.
مراجعة لا بد منها
وهنا يوضح أستاذ الشريعة الإسلامية أن من شروط الحج المبرور الذي يغفر الله به الذنوب ويمحو به الخطايا أن تكون نفقته من حلال، وهذا الشرط يجب أن يقف عنده الحاج كثيرا، ولذلك يجب أن يبدأ الحاج قبل أن يقوم برحلته بمحاسبة نفسه، ومراجعة مصادر كسبه، والقيام بعملية «فرز» بين الحلال والحرام، وهذه مراجعة مهمة، وتمثل أول مكاسب فريضة الحج حيث تنبه المسلم إلى أن هناك حرامًا ينبغي التخلص منه، وهو لا يفيد صاحبه حتى لو أنفقه في أداء عبادة، لأن الله سبحانه وتعالى طيب لا يقبل إلا طيبا.
ولذلك يحث د. غنايم حجاج بيت الله الحرام على تجنب الحرام أو ما فيه شبهة حرام، حتى يتقبل الله منهم عبادتهم ويستجيب لدعائهم، ويؤكد أن كل ما ينفقه الحاج طوال رحلة الحج يجب أن يكون من حلال، إذ لا فائدة من عبادة ينفق الإنسان عليها من مال حرام أو فيه شبهة حرام.. كما يحث كل حاج على أن ينفق على طعامه وشرابه وهداياه من دون إسراف أو تقتير، وأن يلتزم بقول الحق سبحانه: «وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين»، وهذا سلوك راشد ينبغي أن يلتزم به المسلم في كل أموره، وهو يعني ألا يحرم المسلم نفسه من طيبات الطعام والشراب، لكن من دون إسراف، فالإسراف في الحج يتعارض مع مقاصد العبادة وأجوائها الإيمانية.
ثواب مضاعف
وينصح أستاذ الشريعة الإسلامية كل حاج بالإنفاق في سبيل الله على قدر جهده وسعة رزقه، ويؤكد أن النفقة في الأماكن المقدسة وعلى الفقراء المحيطين بالحرمين الشريفين، وفي المشاعر المقدسة، لها أجر وثواب مضاعف، ولذلك ينبغي أن يتسابق ضيوف الرحمن في العطاء الخيري طوال رحلة الحج، وعليهم أن يتذكروا دوماً قول الحق سبحانه: «وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين»، وهذا العطاء الخيري والإنساني بين ضيوف الرحمن يتعاظم طوال رحلة الحج، حيث نشاهد تبادل الأطعمة والمشروبات بين الحجاج ونجد القادرين من أهل العطاء يتسابقون بتقديم الأطعمة والمشروبات المثلجة للحجاج في كل مكان يذهبون إليه، وهذا تدريب عملي للمسلم على العطاء والإنفاق الخيري.
تعارف الحجاج
الخبير الاجتماعي د. محمد نبيل السمالوطي، النائب الأسبق لرئيس جامعة الأزهر، يؤكد أن لرحلة الحج مكاسب اجتماعية عديدة، فهي فرصة لتحقيق التعارف والتلاقي والتواصل بين ضيوف الرحمن الذين يتجمعون من كل بقاع الأرض لأداء المناسك في وقت واحد، وفي مظهر تضامني لا يتكرر في أي عمل جماعي آخر على وجه الأرض. ويضيف: التلاقي والتعارف بين الحجاج أحد أهم أهداف فريضة الحج التي أرادها الله لتكون أداة من أدوات التواصل والتضامن والتعاون بين المسلمين الذين يتوافدون إلى الأماكن المقدسة من كل بقاع الأرض، لذلك فمن واجب كل حاج أن يسعى إلى تحقيق هذا الهدف بجهده الشخصي، ففي كل مكان يذهب إليه الحاج سيلتقي حتماً بإخوان له من بلاد عديدة، منهم من يستطيع أن يتحاور معه، ومنهم من تعوق اللغة ذلك، لكن تظل هناك أدوات تواصل مثل الابتسامات ومشاعر الترحيب وطرق المساعدة المختلفة التي لا ينبغي أن يتخلى عنها الحاج مهما كان مرهقاً أو مضغوطاً بسبب الزحام الشديد الذي يشهده الحج في السنوات الأخيرة. لذلك ينصح الخبير الاجتماعي الأزهري كل ضيوف الرحمن بالتحلي بالتسامح والرحمة والعفو طوال رحلة الحج، ويؤكد أن القيم الإسلامية النبيلة هي عنوان سلوك كل مسلم قصد بيت الله الحرام وقصد المشاعر المقدسة لأداء فريضة الحج.. وكل حاج عليه أن يتحلى بسعة الصدر، ويتسلح بالعفو والرحمة مع إخوانه الحجاج، فرحلة الحج تدريب عملي على الالتزام بقيم وأخلاق الإسلام، والحاج الحريص على تأدية الفريضة كما ينبغي هو الذي يضبط سلوكه ليستفيد من رحلته الإيمانية أقصى استفادة، ولا ينبغي أن يعيش الحاج في عزلة عن إخوانه المسلمين الذين يؤدون الفريضة معه، بل عليه أن يسعى إلى التعرف على من يستطيع منهم وخاصة ممن ينتمون إلى أوطان أخرى، وأن يتناقش معهم بكل لطف ويتعرف على أحوالهم، والحق سبحانه وتعالى يقول: «يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير».
خطوط فاصلة
ويحذر د. السمالوطي ضيوف الرحمن من تبادل شائعات كاذبة وأفكار مضللة يسعى البعض إلى الترويج لها.. كما ينبغي أن ينتبه الحجاج إلى ضرورة تجنب الجدال العقيم في حوارات ومناقشات جانبية تؤجج النفوس وتبث في نفوس المشاركين فيها الإحباط ويقول: هناك فارق كبير بين الحوار البناء والجدال العقيم، وعلى كل حاج، بل كل مسلم أن يعرف الخطوط الفاصلة بين الحوار الذي يؤدي إلى التفاهم والتلاقي، وبين النقاش الحاد الذي ينتهي بأصحابه إلى التعصب الأعمى للرأي، فالحوار مطلوب ومرغوب والنزاع والتعصب مرفوضان.
وينتهي د. السمالوطي إلى ضرورة استغلال موسم الحج لتشجيع المسلمين على الحوار المفيد خاصة أن الإسلام دين حوار وتفاهم وجدال بالحسنى، ورحلة الحج فرصة ذهبية لتحقيق التلاقي بين المسلمين وتبادل المعارف والعلوم والخبرات والتحاور حول هموم الأمة الإسلامية ومشكلاتها.
ساحة مفتوحة للتوبة
د. أسامة الأزهري، الأستاذ بجامعة الأزهر، عضو اللجنة الدينية بالبرلمان المصري، يؤكد أن من أهم مكاسب الحج وهدفه الأسمى «غفران الذنوب»، لذلك فهو فرصة لكل العصاة والمذنبين لكي يتخلصوا من ذنوبهم وآثامهم، ذلك أن أبواب الرحمة مفتوحة أمامهم خلال هذه الرحلة بشرط أن يكون الحاج مخلصاً في توبته، عازماً عزماً أكيداً على أن يتخلص من كل ما علق به من ذنوب وآثام.
وحول قبول توبة الحاج وخلاصه من كل ذنوبه وآثامه يقول: الله سبحانه وتعالى يقبل توبة المخلصين الجادين في التوبة من عباده، فالإنسان الذي يرتكب معصية أو مخالفة شرعية ثم يتوجه إلى خالقه بتوبة صادقة يجد كل أبواب الرحمة والغفران مفتوحة له، لأن توبته اقترنت بالإخلاص والعزيمة على عدم العودة إلى المعاصي والذنوب مرة أخرى.. أما الذين أدمنوا المعاصي ولا يكفون عنها فلا يفيدهم حج أو توبة، لأن توبتهم غير صادقة، وهم غير جادين مع أنفسهم ومع خالقهم الذي يعلم السرائر.
ويؤكد د. الأزهري ضرورة رد المظالم لأصحابها لتتحقق التوبة وتغسل كل ذنوب الحاج.. ويقول: لا شك أن الحج فريضة تساعد الإنسان على التوبة الصادقة، ويكفي أن يحرص المسلم على آداب وأخلاق الفريضة فلا يرفث ولا يفسق، ولا يضايق رفاقه ولا يشغل نفسه ومن معه بجدل عقيم، ليغفر الله له ذنوبه ويخلصه من آثامه.. وهذه ثمرة طيبة من ثمار العبادات التي يؤديها المسلم بصدق وعزيمة، لأن عبادات الإسلام لها أهداف سامية في مقدمتها تطهير المسلم من ذنوبه وتخليصه من معاصيه.
لكن من يظلم أو يأكل أموال الناس بالباطل ثم يذهب لأداء مناسك الحج طمعاً في غفران ذنوبه عليه أن يعلم أن الذنوب صنفان:
ذنوب تتعلق بحقوق الله كالتفريط في فرائض أو ارتكاب معاصٍ وهذه يغفرها الله بمجرد التوبة الصادقة، لأنه سبحانه وتعالى بفضله ورحمته وعد عباده بذلك في أكثر من آية في القرآن الكريم.
أما الصنف الثاني من المعاصي والذنوب فإنه يتعلق بحقوق العباد كمن يأكل مال إنسان أو يستولي على أرضه أو حقه في الميراث، أو يأكل مال اليتيم، أو يسرق جهة عمله.. وهذه المعاصي وغيرها مما يتعلق بحقوق العباد تتوقف التوبة فيها، والتخلص منها على رد الحقوق لأصحابها ولو تعذر ذلك لسبب من الأسباب فعلى المسلم أن ينفقها في وجوه الخير.