الإيمان هو الحقيقة الكبرى التي بدأت مع بداية الخلق، فهو الفطرة الصحيحة التي فطر عليها آدم وأبناؤه: فَأقِمْ وَجْهَكَ للدّينِ حَنيفا فطْرَةَ اللهِ التي فَطَرَ النّاسَ عَلَيها لا تَبْديلَ لِخَلْقِ اللهِ (الروم: 30).
وعقيدة الإيمان هي الحُكم الذي لا يقبل الشك فيه لدى الإنسان، أو هي الأمور التي يجب أن يصدقَ بها القلب، وتطمئن إليها النفس، حتى تكون يقيناً ثابتاً لا يخالطها شك.
إن العقيدة الإسلامية هي الإيمان الجازم بالله تعالى وصفاته العلى وملائكته وكتبه ورسله، وسائر ما ثَبَت من أمور الغيب، وأصول الدين، والتسليم التام لله تعالى في الأمر، والطاعة، والاتّباع لرسوله عليه الصلاة والسلام.
وهل تعني عقيدة الإيمان الخالص إلا حب الإنسان لربه، وتعظيمه له، وإخلاص دينه له، واعتماده عليه؟ فالعقيدة هي الأساس، ولا شك أن أول شيء في العقيدة هو الإيمان الخالص بالله تعالى، وتوحيده تعالى وتنزيهه.
تلازم الإيمان والعمل
وتوحيد الله تعالى لابد أن يتبعه توحيد الوجهة وإخلاص العمل، فالمسلم لا يدعو إلا الله، ولا يُحل إلا ما أحله الله، ولا يُحرّم إلا ما حرم.
يقول الشيخ محمد الغزالي في عقيدة المسلم: لكن هذا التلازم بين الإيمان والعمل لا يعنى أن الإيمان يقتضي العصمة، فإن المؤمن يخطئ، وما يقع منه من خطأ لا يسلخه من الدين، فالخطأ الذي يقع فيه، خطأ لا يقصده، أما الإصرار على المعصية والاستخفاف بشرع الله، فمعناه أن صاحبه يفعله وهو غير مكترث، وهنا المأزق الخطير، والشر المستطير.
إن العقيدة لا تكون ثابتة ناصعة إلا كان الإيمان بالله تعالى هو أساسها وقِوامها، والإيمان بالله لا يستكن فقط في القلب، إنما لابد له من عمل يصدقه، يقول سلفنا الصالح: إن الإيمان هو إقرار باللسان وإيمان بالقلب وعمل بالجوارح، ومن أقوالهم: الإيمان قول وعمل، ومن أقوالهم: الإيمان قول ونية وعمل، فالإيمان لابد أن يكون بهذه الأمور، إقرار اللسان، وهو النطق باللسان.
وإيمان بالقلب، وهو الإقرار والتصديق، وعمل الجوارح، وهو سلوك مقتضى الإيمان.
ولذا كانت العقيدة الخالية من الإيمان بالله تعالى والعمل الصالح دعوى تحتاج إلى دليل، فالإيمان الحق هو توحيد الله، والتوحيد الصحيح هو الإيمان، فمع هذا التوحيد لابد من خضوع لأحكامه عن طواعية وحب وانقياد، فكما أنه لا يقبل إسلام خلا عن التوحيد، فإنه لا يقبل إيمان تجرد عن الخضوع لله رب العالمين.
مقام التقوى
والوصول إلى الإيمان المرضي لله، لابد له من مراحل، وتلك المراحل لابد لها من أعمال واختبارات يقطعها المرء في حياته، وهي تبدأ من العقل والتفكر، ثم الانفعال والعمل، أي أن الإيمان العقلي أولى المراحل، فهو يبدأ بقبول الإنسان للقرآن الكريم قبولاً عقلياً، فإن قبله فعليه بداية العمل فيما هو مفروض عليه منه، ومع استمرار الإنسان بالقيام بأعمال الإسلام يرشحه ذلك ليأخذ حظه من مقام الإيمان القلبي.
والانتقال من الإيمان العقلي إلى الإيمان القلبي هو المقام الثاني من مقامات الإيمان الكامل، وكثيرون يبقى إيمانهم في حدود الأقوال الظاهرة والأعمال الظاهرة، إنها ظاهرة مَرضية تعني انقطاع الإنسان عن السير في دين الله كما يقول سعيد حوا ووقوفه عند المرحلة الأولى منه، فإذا استطاع الإنسان أن يتجاوز هذه المرحلة فيصل عندئذ الإيمان إلى قلبه، فإن هذا الإيمان يزداد ويزداد حتى يصبح شعورا بصفات الله عز وجل وأفعاله، وعندئذ يصل الإنسان إلى مقام الإحسان.
ثم المرحلة الثالثة هي مقام الإحسان، وهذا ما عبر عنه رسول الله بقوله: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك (رواه مسلم).
وهذا هو ذروة الإيمان، فإذا تمكن الإيمان من القلب أصبح إحساناً، والعبادة في دين الله بشكل عام توصل إلى مقام في دين الله أرقى، وهو مقام التقوى.
ومرحلة التقوى هي مرحلة النضج الكامل للتفاعل بين الإسلام والإيمان والإحسان، فهي علم وعمل، وهي حالة ينسجم فيها العقل مع القلب مع الجوارح، وهي في النهاية هبة الله لمن أسلم وعمل وأحسن، والطريق إليها مجاهدة الإنسان لنفسه.
فمجرد علم القلب بالحق إن لم يقترن به عمل القلب بموجب علمه، مثل محبة القلب له واتباع القلب له لم ينفع صاحبه، بل أشد الناس عذاباً يوم القيامة عالمٌ لم ينفعه الله بعلمه، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع ونفس لا تشبع ودعاء لا يسمع وقلب لا يخشع.
فإن الدين يتضمن الطاعة والعبادة، فإذا حصل الإنسان على إيمان القلب وعمل الطاعات يوشك أن يصل لأعلى درجات الإيمان، فإذا وصل لذلك المقام، فقد وصل للإيمان المرضي لله عز وجل.