أما سألت نفسك يوماً ماذا تحمل من هم؟ هل تحمل هم الدعاء، أم هم الإجابة؟ احمل أخي هم الدعاء، وفتش في نفسك، وفي سجل أعمالك وأقوالك، لترى كيف تدعو، ومن تدعو، ولماذا تدعو؟ هل دعوت ربك منيباً إليه؟ هل دعوته خوفاً وطمعاً؟ هل دعوته تضرعاً وخفية؟ هل دعوت بدعوة صالحة أم بدعوة فيها إثم وقطيعة رحم؟ هل دعوته مخلصاً له الدين؟ هل طيّبت مطعمك ومشربك وملبسك وغُذّيت بالحلال؟ هل تحريت أوقات الإجابة؟ هل دعوت بقلب موقن بالإجابة، حسن الظن بالله أم دعوت بقلب ساه غافل لاه؟ هل ألحقت الدعاء بعمل صالح؟ هل دعوت بجوامع الكلم؟
لله در عمر رضي الله عنه الذي كان يقول: والله إني لا أحمل هم الإجابة ولكن أحمل هم الدعاء.
مالي أراك أخي تتعجل إجابة الدعاء، وسرعان ما تيأس من رحمة الله عز وجل، والله تعالى يحب منك مواصلة الدعاء وتكراره، وقد وعدك بالإجابة، والأجر العظيم: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ. (غافر 60)
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يستجاب لأحدكم ما لم يعجل فيقول: قد دعوت ربي فلم يستجب لي.
وهذا هو رسول الهدى ومصباح الدجى -صلى الله عليه وسلم- يوم بدر -كما عند البخاري ومسلم- استقبل القبلة ثم مد يديه فجعل يهتف بربه: اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آت ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض.
فمازال يهتف بربه ماداً يديه مستقبلاً القبلة حتى سقط رداؤه عن منكبيه فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه ثم التزمه من ورائه وقال: يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك، فأنزل الله: إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم......
وهذا نبي الله يعقوب عليه السلام ما زال يدعو ويدعو فذهب بصره واشتد روعه، وألقي ولده في الجب ولا يدري عنه شيئاً، وأُخرج الولد من الجب ودخل قصر العزيز إلى أن شب وترعرع ثم راودته المرأة عن نفسها فأبى، وعصمه الله ثم دخل السجن فلبث فيه بضع سنين ثم أُخرج من السجن، وكان على خزائن الأرض، ومع طول هذا الوقت كله ويعقوب يقول لبنيه: يَا بَنِي اذْهَبُواْ فَتَحَسسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن روْحِ اللّهِ إِنهُ لاَ يَيْأَسُ مِن روْحِ اللّهِ إِلا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (يوسف 87).
-1-
ونبي الله أيوب عليه السلام لبث به بلاؤه ثمانية عشر عاماً حتى رفضه القريب والبعيد، وعجز الأطباء عن مداوته، ومع ذلك لا ييأس من رحمة الله بل يقول: أَني مَسنِيَ الضر وَأَنتَ أَرْحَمُ الراحِمِينَ (الأنبياء83)، فيكشف الله ما به من ضر ويثني الله عليه خير ثناء فيقول سبحانه: إِنا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنهُ أَوابٌ.
فاصبر أخي ولا تعجل فإن الله وعد بإجابة دعوة المؤمنين إن عاجلاً أو آجلاً، وربما ادخر لك هذه الدعوة إلى يوم تكون أحوج ما تكون فيه إلى دعوة صادقة تقربك إلى النعيم، وتباعد بينك وبين الجحيم.
وأؤكد على هذا المعنى لأننا نجد بعض الناس يتساءلون: ما بال أقوام يرفعون أيديهم إلى السماء سائلين ربهم ولا يرون أنه قد استجيب لهم دعاء؟ ولدفع هذا الإشكال تعالوا بنا أحبتي لننظر إلى ما أورده العلماء في تفسير قول الله أجِيبُ دَعْوَةَ الداعِ إِذَا دَعَانِ وقوله تعالى: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ. (غافر 60)
أولاً: إن الدعاء قد يستجاب ولكننا لا نعرف الصورة التي يستجاب بها، فقد تتمثل صورة الإجابة في صرف السوء عن الداعي، وقد تتمثل في إدخار الإجابة إلى الآخرة.
فهذا رجل قام يدعو: اللهم عافني من مرضي وأذهب عني البأس، ولا يرى أن البأس في الظاهر قد ذهب، ولكن قد يكون المرض سيتطور فيصرف الله عنه هذا.
أو أن رجلاً هنالك يقول: رب ارزقني، وقد علم الله أن التوسعة عليه في الرزق ستؤثر على درجاته في الجنة، فيدخر الله له رفعة الدرجات في الجنان، وذلك خير وأبقى.
وقد يسأل سائل ربه عز وجل أن ييسر له سفراً إلى بلد من البلدان، في طلب الرزق، وقد ادخر الله له رزقاً في بلده، فلا يجاب إلى سؤاله للسفر، ويرزقه الله رزقاً واسعاً في بلده، أو يكون هناك بلاء سيحل به في سفره فيصرفه الله عنه والله يعلم ونحن لا نعلم.
ثانياً: أن تكون هناك موانع تمنع إجابة الدعاء: وهذا ما يجب علينا أن نبحث فيه، وأن نضع أيدينا على الداء ونطلب من الله الدواء.
سأل قوم إبراهيم بن أدهم -رحمه الله تعالى- لماذا ندعو الله فلا يستجاب لنا؟ فقال: لأسباب: عرفتم الله ولم تؤدوا حقه، قرأتم القرآن ولم تعملوا به، آمنتم برسول الله ولم تتبعوا هديه، أكلتم نعم الله ولم تؤدوا شكره، عرفتم أن الموت حق ولم تستعدوا له، عرفتم أن الجنة حق ولم تسعوا إليها، عرفتم أن الشيطان عدو لكم وسمعتم له، انشغلتم بعيوب الناس ونسيتم عيوبكم، مشيتم إلى القبور فدفنتم موتاكم ولم تتعظوا منهم.
-2-
إن من الناس من قام يدعو الله وهو آكل للربا، أو آكل لأموال الناس ظلماً وعدوانا، ومنهم من لوثت يداه ولوثت فطرته بالسرقة والخيانة والغش والرشوة وأكل أموال الناس بالباطل ثم يدعو الله فأنّى يستجاب له؟
وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال تعالى: يَا أَيهَا الناسُ كُلُواْ مِما فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيباً وَلاَ تَتبِعُواْ خُطُوَاتِ الشيْطَانِ إنهُ لَكُمْ عَدُو مبِينٌ (البقرة 168).
www.elbshbishy.com