يومياً أقرأ في لسان العرب لابن منظور. ما أن أفرغ من قراءة الصحف، ومن بعض كتاب جديد أو قديم، ومن كتابة لا بد منها، قصرت لبضعة أسطر، أو طالت إلى أضعافها، حتى أندفع بشغف ولذة، إلى هذا اللسان المبين. عادة ألفتها كما آلف الروح، على مدار سنوات طويلة. وازدادت حضورا في حياتي، منذ تقاعدي قبل أربع سنين. كأنه بالنسبة لي، حضور المعنى الأعمق في التواصل المشرق والفهم المتجدد. إذا غبت أو انقطعت عنه ولو ليوم واحد، أحسست بفجيعة الانطفاء.

وهذا اللسان الذي أبدع في جمعه وترتيبه قبل ثمانية قرون، العلامة أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم المشهور باسم ابن منظور الإفريقي المصري (1232-1311)، ليس مجرد قاموس قد يتشابه في محتواه مع عشرات القواميس والمعاجم العربية. ولكنه كتاب موسوعي ضخم يضم في أجزائه الخمسة عشر، ثراء كل أمهات كتب اللغة في عصره، دفعة واحدة، وملء شغاف قلب واحد، ضمن مرجعية واضحة وموثقة بأمانة ودقة. ثم يزيد عليها بما امتلكت عبقريته الإبداعية من إضافات ضرورية وشروح موسعة، ومن تصحيح مدهش لأخطاء وأغلاط واردة في الموروث المتجمع لديه.

وأنا في هذا كله، لا أقرأ هذا اللسان الجميل، بحثاً عن معنى لمفردة عصية. لي وسواي، لمثل هذا البحث، سرعة الوصول التقليدي، عبر أي قاموس عادي. وأحسب أن المنجد في اللغة والأعلام، هو الأكثر شهرة في عصرنا الراهن، للباحث المتعجل. ولكنني أقرأه كما أقرأ الملاحم الخالدة والروايات العظيمة ودواوين الشعر المبهرة، صفحة إثر صفحة، بيقظة منفتحة على إرث أمة بأكملها، لا في اللغة وتطوراتها المتلاحقة فحسب، وإنما في كل ما يتعلق بهذه التطورات من سرد مفصل لها في التاريخ والجغرافيا والسير الذاتية والخرافات والأساطير والأمثال والحكم والتعابير الدارجة والطرائف والنكات والعادات والتقاليد والمعتقدات السائدة أيضا.

لكل مفردة قصة. ولكل قصة أزمنة وأمكنة من ذاكرة أهلها وناسها. وهي في المحصلة، ذاكرة العرب كلهم بلهجات أو قراءات كما توافق على تسميتها وعي الأقدمين، تدعم اللغة الفصيحة، ليس من خارجها، بل من صميم داخلها المتوثب، لتساهم بالتالي، في توليد المزيد من المعاني والأخيلة والمفاهيم، جيلا بعد جيل.

وكم أثارني في سياق هذه الذاكرة الحية، أن أكتشف بفرح العاشق لهذه اللغة، أن كثيراً من المفردات والكلمات التي نتداولها شفاهة، أو نحكيها تلقائيا، في مختلف شؤون حياتنا اليومية، باعتبارها نتاجا شعبيا سائدا لا نتوقف عند نشأته، وقد نظن أنه دخيل، لما نسميه لهجة محكية أو عامية، هي في الواقع، فصيحة تماما.

ثمة المئات من هذه المفردات والكلمات المستمرة بيننا، كما كانت مستمرة في عصر ابن منظور، والعصور التي سبقته. غير أنها في عصرنا محسوبة على الحكي وحده، كأنها لا تصلح لبلاغة الفصحاء في خطاب أو كتابة! وأكتفي بثلاث منها، على سبيل المثال. نقول أو نحكي، عندما نحتاج إلى أن نسأل بجدية عالية، عن حال شخص ما في قضية معينة: هل رزته أولا؟ ويؤكد لنا اللسان أن الفصاحة العربية كاملة في الفعل راز، يروز، روزا بمعنى الامتحان والاختبار والتقدير. ونقول أو نحكي في مطابخنا البيتية صحن مصلطح، وهو الصحن العريض، ليسرع إلينا اللسان بتأكيد قاطع ثان، على أن مصلطح مفردة فصيحة جدا، رغم أن الصحن بما نعنيه الآن، من وعاء للطعام، لم يكن موجودا في عصره، فجاء بصيغة نصل مصلطح أي عريض. ثم جاء من بعده من جعل المفردة ذاتها للصحن أيضا، وفق قانون التطور للغة بشكل عام. ونقول أو نحكي الدفا، بدلا من الدفء، مستأنسين بمثلنا الشعبي الدفا عفا، والبرد قلة معرفة، ونحسب أننا في هذ الاستئناس المحكي، نكسر الفصاحة، أو نقفز عنها لما نأنس إليه في عصر مغاير. ويأتي اللسان المبين ليزرع الطمأنينة في نفوسنا، أن الدفأ، مهموز مقصور، هو الدفء نفسه في كل عصر.

ولكن الإثارة المزلزلة كانت في خاتمة المقدمة التي صاغها ابن منظور لهذا اللسان الخالد، حيث يحدثنا عن الألم المتقد الذي يعصف بصدره من تردي وضع اللغة العربية في زمانه، مما دفع به إلى الإصرار على تأليف كتابه، للنهوض بهذا الوضع، وحمايته من الخراب المحدق به، رغم كل العراقيل الصعبة التي كانت تحاصره، بما فيها السخرية منه، ومن جهوده الجبارة. يقول: ..وصار النطق بالعربية من المعايب معدوداً. وتنافس الناس في تصانيف الترجمانات في اللغة الأعجمية. وتفاصحوا في غير اللغة العربية. فجمعت هذا الكتاب في زمنٍ أهله بغير لغته يفخرون. وصنعته كما صنع نوح الفلك وقومه منه يسخرون. وسميته لسان العرب...

كأن ابن منظور يكتب عن حالنا الراهن أيضاً، وربما بما هو أشد ألماً، وأقسى في سوء المصير.