واحدة من أغرب القصص التي لعب فيها الشيطان دوراً عظيماً وتلاعب فيها بعقول بعض البشر . . حتى تفجرت قرائحهم الشيطانية عن خطط ومخططات جهنمية في التنكيل بالمصلحين، ولم ينج منها الأنبياء والمرسلون ومن يدعونهم إلى الهدى ويرجونهم الابتعاد عن الضلال وكل طريق مؤد إليه .
القصة أن قوماً كانوا يعبدون شجرة صنوبر، يقال لها (شاهد رخت)، كان يافث بن نوح قد غرسها على شفير عين يقال لها (روشنا آب) .
وكانت لهم اثنتا عشرة قرية على شاطئ نهر يقال له الرس من بلاد المشرق، ولم يكن يومئذ في الأرض نهر أغزر منه ولا أعذب منه، ولا قرى أكثر ولا أعمر منها . . وكان أعظم مدائنهم اسفندار، وهي التي ينزلها ملكهم، وكان يسمى تركوذ بن غابور بن يارش، وبها الصنوبرة، وقد غرسوا في كل قرية منها حبة من طلع تلك الصنوبرة وأجروا إليها نهراً من العين التي عند الصنوبرة، فنبتت الحبة وصارت شجرة عظيمة وحرموا ماء العين والأنهار، فلا يشربون منها ولا أنعامهم، ومن فعل ذلك قتلوه، ويقولون هو حياة آلهتنا، فلا ينبغي لأحد أن ينقص من حياتنا، ويشربون هم وأنعامهم من نهر الرس، الذي عليه قراهم، وقد جعلوا في كل شهر من السنة في كل قرية عيداً يجتمع إليه أهلها فيضربون على الشجرة التي بها كلة من حرير، فيها من أنواع الصور ثم يأتون بشاة وبقر فيذبحونها قرباناً للشجرة، ويشعلون فيها النيران بالحطب، فإذا سطع دخان تلك الذبائح وقتارها في الهواء وحال بينهم وبين النظر إلى السماء خروا سجداً يبكون ويتضرعون إليها أن ترضى عنهم .
فكان الشيطان يجيء فيحرك أغصانها ويصيح من ساقها صياح الصبي؛ أن قد رضيت عنكم عبادي فطيبوا نفساً وقروا عيناً . فيرفعون رؤوسهم عند ذلك ويشربون الخمر، ويضربون بالمعازف ويأخذون الصنج فيكونون على ذلك يومهم وليلتهم ثم ينصرفون حتى إذا كان عيد قريتهم العظمى اجتمع إليها صغيرهم وكبيرهم فضربوا عند الصنوبرة والعين سرادقاً من ديباج، عليه من أنواع الصور، وجعلوا له اثني عشر باباً، كل باب لأهل قرية منهم، ويسجدون للصنوبرة خارجاً من السرادق، ويقربون لها الذبائح أضعاف ما قربوا للشجرة التي في قراهم .
فيجيء إبليس عند ذلك فيحرك الصنوبرة تحريكاً شديداً، ويتكلم من جوفها كلاماً جهورياً، ويعدهم ويمنيهم بأكثر مما وعدتهم ومنتهم الشياطين كلها، فيحركون رؤوسهم من السجود، وبهم من الفرح والنشاط ما لا يعيقون، ولا يتكلمون من الشرب والعزف، فيكونون على ذلك اثني عشر يوماً، لياليها بعدد أعيادهم سائر السنة ثم ينصرفون .
عبرة للعالمين
لما طال كفرهم بالله عز وجل وعبادتهم غيره، بعث الله نبياً من بني إسرائيل من ولد يهودا بن يعقوب، فلبث فيهم زماناً طويلا يدعوهم إلى عبادة الله عز وجل، فلا يتبعونه، فلما رأى شدة تماديهم في الغي وحضر عيد قريتهم العظمى، قال: يا رب إن عبادك أبوا إلا تكذيبي وغدوا يعبدون شجرة لا تضر ولا تنفع، فأيبس شجرهم أجمع . . وأرهم قدرتك وسلطانك .
فأصبح القوم وقد يبس شجرهم كله، فهالهم ذلك، فصاروا فرقتين، فرقة قالت: سحر آلهتكم هذا الرجل الذي زعم أنه رسول رب السماء والأرض إليكم، ليصرف وجوهكم عن آلهتكم إلى إلهه .
وفرقة قالت: لا، بل غضبت آلهتكم حين رأت هذا الرجل يعيبها ويدعوكم إلى عبادة غيرها، فحجب حسنها وبهاءها لكي تغضبوا لها . فأجمعوا رأيهم على قتله، فاتخذوا أنابيب طوالا ونزحوا ما فيها من الماء، ثم حفروا في قرارها بئراً ضيقة المدخل عميقة، وأرسلوا فيها نبيهم، وألقموا فاها صخرة عظيمة، ثم أخرجوا الأنابيب من الماء وقالوا: نرجو الآن أن ترضى عنا آلهتنا إذا رأت أنا قد قتلنا من يقع فيها ويصد عن عبادتها، ودفناه تحت كبيرها يتشفى منه فيعود لنا نورها ونضرتها كما كان .
وكانوا طوال يومهم يسمعون أنين نبيهم عليه السلام وهو يقول: سيدي قد ترى ضيق مكاني وشدة كربي، فارحم ضعف ركني، وقلة حيلتي، وعجل بقبض روحي ولا تؤخر إجابة دعوتي، حتى مات . فقال الله جل جلاله لجبرائيل عليه السلام: أيظن عبادي هؤلاء الذين غرهم حلمي وأمنوا مكري وعبدوا غيري وقتلوا رسولي أن يقوموا لغضبي أو يخرجوا من سلطاني؟ كيف وأنا المنتقم ممن عصاني ولم يخش عقابي، وإني حلفت بعزتي لأجعلنهم نكالاً وعبرة للعالمين .
فلم يرعهم وهم في عيدهم ذلك إلا ريح عاصفة شديدة الحمرة، فتحيروا فيها وذعروا منها، وتضام بعضهم إلى بعض، ثم صارت الأرض من تحتهم حجر كبريت يتوقد، وأظلتهم سحابة سوداء، فألقت عليهم كالقبة جمراً يلتهب، فذابت أبدانهم كما يذوب الرصاص بالنار .
حنظلة بن صفوان
إنهم أصحاب الرس الذين ورد ذكرهم صراحة في قول الله تعالى في سورة الفرقان: وعاداً وثمودا وأصحاب الرس وقروناً بين ذلك كثيراً . وكلاً ضربنا له الأمثال وكلاً تبرنا تتبيراً (الفرقان: 38 39) .
وقوله تعالى في سورة ق: كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرس وثمود . وعاد وفرعون وإخوان لوط . وأصحاب الأيكة وقوم تبع كل كذب الرسل فحق وعيد (ق: 12 14) .
وهذا السياق والذي قبله يدل على أنهم أهلكوا ودمروا وتبروا وهو الهلاك . وروى ابن جرير عن ابن عباس: أصحاب الرس؛ أهل قرية من قرى ثمود، وورد أن الله بعث إليهم نبياً يقال له: حنظلة بن صفوان، فكذبوه وقتلوه، وروي عن ابن عباس قال: الرس: بئر بأذربيجان .
وقال الثوري، عن أبي بكر، عن عكرمة قال: الرس: بئر رسوا فيها نبيهم، أي دفنوه فيها .
وذكر أبو بكر محمد بن الحسن النقاش: أن أصحاب الرس كانت لهم بئر ترويهم، وتكفي أرضهم جميعها، وكان لهم ملك عادل حسن السيرة، فلما مات وجدوا عليه وجداً عظيماً، فلما كان بعد أيام تصور لهم الشيطان في صورته، وقال: إني لم أمت، ولكن تغيبت عنكم حتى أرى صنيعكم، ففرحوا أشد الفرح وأمر بضرب حجاب بينهم وبينه، وأخبرهم بأنه لا يموت أبداً، فصدق به أكثرهم وافتتنوا به وعبدوه، فبعث الله فيهم نبياً، وأخبرهم بأن هذا شيطان يخاطبهم من وراء الحجاب، ونهاهم عن عبادته، وأمرهم بعبادة الله وحده لا شريك له .
معاني الرس
وجاء في أطلس تاريخ أماكن الأنبياء، قال البكري في معجمه: الرس بفتح أوله والتشديد: البئر، والرس: المعدن، والرس: إصلاح ما بين القوم، قال أبو منصور: قال أبو إسحق: الرس في القرآن بئر قوم يروى أنهم قوم كذبوا نبيهم ورسوه فيها أي دسوه فيها، وروي أن الرس ديار لطائفة من ثمود، وكل بئر رس، ومنه قول الشاعر: تنابيله يحفرون الرساسا، وقال الأصمعي: الرس والرسيس . . وقال آخرون في قوله عز وجل: (وأصحاب الرس وقروناً بين ذلك كثيراً)، الرس وادي أذربيجان، وحد أذربيجان ما وراء الرس، ويقال إنه كان بأران على الرس ألف مدينة، فبعث الله إليهم نبياً يقال له موسى، وليس موسى بن عمران، فدعاهم إلى الله والإيمان به فكذبوه وجحدوه وعصوا أمره، فدعا عليهم فحول الله الحراث والحويرث من الطائف فأرسلهما عليهم، فيقال: أهل الرس تحت هذين الجبلين .