يقول الحق سبحانه وتعالى في سورة الإنسان: هَلْ أَتَى عَلَى الإنسَانِ حِينٌ منَ الدهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئاً مذْكُوراً، إِنا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً، إِنا هَدَيْنَاهُ السبِيلَ إِما شَاكِراً وَإِما كَفُوراً (الآيات: 13).

المراد بالإنسان: جنسه فيشمل جميع بني آدم، والحين: المقدار المجمل من الزمان، لا حد لأكثره ولا اقله.

والدهر: الزمان الطويل غير المحدد بوقت معين والمعنى: لقد أتى على الإنسان حين من الدهر أي وقت غير محدد من الزمان الطويل الممتد في هذه الحياة الدنيا.

لَمْ يَكُن شَيْئاً مذْكُوراً أي لم يكن هذا الإنسان في ذلك الحين من الدهر شيئا مذكورا من بين أفراد جنسه، وإنما كان شيئا غير موجود إلا في علم الله عز وجل، ثم أوجده سبحانه بعد ذلك من نطفة فعلقة فمضعة، ثم أنشأه الله بعد ذلك خلقا آخر، فتبارك الله أحسن الخالقين. فالمقصود بهذه الآية الكريمة بيان مظهر من مظاهر قدرته عز وجل، حيث أوجد الإنسان من العدم، ومن كان قادرا على ذلك كان من باب أولى قادرا على إعادته إلى الحياة بعد موته للحساب والجزاء.

قال الإمام الفخر الرازي ما ملخصه: اتفقوا على أن هل هاهنا، وفي قوله تعالى: هل أتاك حديث الغاشية بمعنى قد.

وجاءت الآية الكريمة بأسلوب الاستفهام، لما فيه من التشويق إلى معرفة ما سيأتي بعده من كلام.

خلق الإنسان

ثم فصّل سبحانه بعد هذا التشويق أطوار خلق الإنسان فقال: إِنا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نبْتَلِيهِ والمراد بالإنسان هنا أيضا جميع جنسه. وامشاج بمعنى أخلاط من عناصر شتى.

أي خلقنا الإنسان بقدرتنا وحدها من نطفة أي من مني، وهو ماء الرجل وماء المرأة أمشاج أي ممتزج احدهما بالآخر امتزاجا تاما، أو خلقناه من نطفة مختلطة بعناصر متعددة تتكون منها حياة الإنسان بقدرتنا وحكمتنا، وخلقناه كذلك حالة كوننا مريدين ابتلاءه واختباره بالتكاليف حين يكون أهلا لهذه التكاليف.

فجعلناه بسبب إرادتنا ابتلاءه واختباره بالتكاليف عند بلوغه سن الرشد سميعا بصيرا.

أي فجعلناه بسبب هذا الابتلاء والاختبار والتكاليف مزودا بوسائل الإدراك التي بواسطتها يسمع الحق ويبصره ويستجيب له ويدرك الحقائق والآيات الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا وصدق رسلنا، إدراكا سليما، متى اتبع فطرته، وخالف وساوس الشيطان وخطواته.

وخص سبحانه السمع والبصر بالذكر، لأنهما انفع الحواس للإنسان، إذ عن طريق السمع يتلقى دعوة الحق وما اشتملت عليه من هدايات وعن طريق البصر ينظر في الأدلة المتنوعة الكثيرة التي تدل على وحدانية الله تعالى وعلى صدق أنبيائه، فيما جاؤوا به من عند ربهم.

وضوح الطريق

وقوله سبحانه: إنا هديناه السبيل تعليل لقوله نبتليه وتفصيل لقوله تعالى فجعلناه سميعا بصيرا والمراد بالهداية هنا: الدلالة إلى طريق الحق، والإرشاد إلى الصراط المستقيم.

والمعنى: إننا بفضلنا وإحساننا قد أرشدنا الإنسان إلى ما يوصله إلى طريق الحق والصواب، وأرشدناه إلى ما يسعده عن طريق إرسال الرسل وتزويده بالعقل المستعد للتفكير والتدبر في آياتنا الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا. ومعنى قوله: إما شاكرا وإما كفورا إنا هديناه ودللناه على ما يوصله إلى الصراط المستقيم في حالتي شكره وكفره، فإن اخذ بهدايتنا كان شاكرا، وإن أعرض عنها كان جاحدا وكافرا لنعمنا، فالهداية موجودة في كل الأحوال، إلا أن المنتفعين بها هم الشاكرون وحدهم.

ولما كان الشكر قل من يتصف به، كما قال سبحانه: وقليل من عبادي الشكور جاء التعبير بقوله سبحانه شاكرا بصيغة اسم الفاعل، ولما كان الجحود والكفر يعمان أكثر الناس، جاء التعبير بقوله تعالى: كفورا بصيغة المبالغة.والمقصود من هذه الآية الكريمة كما يقول المفسرون غلق الباب أمام الذين يفسقون عن أمر ربهم، ويرتكبون ما يرتكبون من السيئات، ثم بعد ذلك يعلقون أفعالهم هذه على قضاء الله وقدره، ويقولون كما حكى القرآن عن المشركين: لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء.