نواكشوط - المختار السالم:
قائد "الأفريكوم" الجنرال دافيد م . رودريغيز يلبس الزي العربي الموريتاني (الدراعة) ويشرب لبن النوق، فيما سفيره في نواكشوط هو الآخر يلبس الزي العربي ويتوجه إلى المدينة التاريخية المقدسة (شنقيط)، واضعاً اللثام البدوي الشهير عند الموريتانيين .
الجنرال الذي يقود القيادة العسكرية الأمريكية لإفريقيا يقوم بزيارتين متتاليتين في فترة وجيزة لنواكشوط، ويعقد اجتماعات مطولة بقادة الجيش الموريتاني ورجال الدولة، ثم يبعث برسالة إلى الرأي العام الموريتاني تتلخص في ثلاث نقاط: إشادة بالمستوى المهني والجاهزية العالية التي أصبح الجيش الموريتاني يتمتع بها، ودور هذا الجيش في أمن منطقة الساحل، وتعهد أمريكا بتدريب الجيش الموريتاني ودعمه ورفع الشراكة بين البلدين، والرسالة الثالثة إلى الموريتانيين وهي "أن التنمية تتطلب الاستقرار" .
قبل أن يعود الجنرال "الآفريكومي" إلى بذلته ونجومه الرسمية ويغادر البلاد، يصل مسؤولو شركتي "كسموس" و"شيفرون" الأمريكيتين، تعلن الأولى اكتشاف حقول نفطية واعدة في السواحل الموريتانية يرجح أنها ستكون أكبر حقل نفطي في غرب إفريقيا، وتعلن الثانية بعد اجتماع مطول مع الرئيس محمد ولد عبد العزيز البدء قريباً في استخراج النفط .
في الأثناء يقوم السفير الأمريكي في نواكشوط بمبادرة جديدة، حيث يزور قادة المنظمات "المتطرفة" شرائحياً وعرقياً، ويدعو لحل "الأزمة المجتمعية" التي تعيشها البلاد، ثم يخطو خطوة أكثر راديكالية ويجمع ممثلين عن الحزب الحاكم (حزب الرئيس) في حوار مع ممثلي المنظمات الحقوقية والعرقية . حوار لا يتسرب الكثير من فحواه من بين جدران السفارة الأمريكية في نواكشوط، لكن من المؤكد أن الحكومة الموريتانية باركت المبادرة بدليل مقاعد الحزب الحاكم في الحوار المذكور .
تشرع أمريكا في بناء السفارة الأكثر تكلفة لها في إفريقيا بحي "تفرغ زينة" الراقي غربي العاصمة الموريتانية، ويشير السفير الأمريكي إلى أن بناء هذه السفارة (بتكلفة أكثر من 120 مليون دولار)، دليل على تخطيط أمريكا لعلاقات استراتيجية طويلة الأمد مع موريتانيا .
تبادر المعارضة الموريتانية إلى انتقاد حراك سفير أمريكا، وتدخله في الشؤون الداخلية للبلاد، وخاصة في ملف حساس كالوحدة الوطنية، ووصفت السفير ب"بول ابريمر"، يرد السفير بسلسلة لقاءات ماراتونية مع قادة الأحزاب السياسية من معارضة وموالاة، ويعلن أن الرئيس الأمريكي باراك أوباما كلفه بالعمل مع الحكومة الموريتانية على تسوية ملف العبودية .
بين هذا وذلك، تتواصل التسريبات عن تواجد أمريكي أكثر فاعلية على الأرض، يتم تسريب صورة لاجتماع اثني عشر عقيداً أمريكياً في نواكشوط الأسبوع الجاري، مع معلومات مؤكدة عن تواجد عسكري أمريكي "فاعل" شرق وشمال البلاد، مع رفع وتيرة التواصل بين الحكومتين، بحلول وزيرة الخارجية الموريتانية فاطمة بنت أصوينع ضيفة على البيت الأبيض في مؤتمر مكافحة الإرهاب .
في ظل هذه الأجزاء من صورة أغلبها لا يزال في العتمة، يتردد السؤال "ماذا يريد الأمريكيون من موريتانيا؟" .
سؤال رصدته "الخليج" على لسان أكثر من قيادي وفاعل سياسي، وهو ما يشير إلى مدى الحيرة من حجم وهدف النشاط الأمريكي في موريتانيا خلال هذه الفترة .
إن هذا التواجد وهذا الحراك الأمريكي في موريتانيا فاجأ أكثر المراقبين خلال الفترة الوجيزة الماضية، وها هي ألوانه تتكامل بين العسكري والسياسي والاقتصادي وبشكل مكثف لم يألفه الموريتانيون من "جارهم الأطلسي" .
فماذا يريد الأمريكيون من موريتانيا؟
قبل الإجابة عن هذا السؤال، لا بد من الإشارة إلى أن العلاقات الموريتانية الأوروبية ليست في أفضل حالاتها، إذ أوقف الرئيس الموريتاني اتفاقية الصيد البحري مع الاتحاد الأوروبي، بشكل فاجأ الأوروبيين ولم تنفع كل الضغوط في التراجع عنه، وتزامن ذلك مع حملة إعلامية ضد الاتحاد الأوروبي تتهمه بالتدخل في الشؤون الداخلية للبلاد، على خلفية الملف الحقوقي، الذي يراد منه الضغط على الحكومة الموريتانية للقبول بنهب ثروات البلاد من طرف الاتحاد، وفق تصريحات الرئيس الموريتاني نفسه والبرلمان وقادة أحزاب الموالاة .
غير أن الأزمة مع الاتحاد الأوروبي لم تؤثر في العلاقة المتنامية مع دوله الرئيسية الثلاث بالنسبة لموريتانيا (فرنسا، ألمانيا وإسبانيا)، التي رفعت وتيرة التعاون العسكري والأمني والاقتصادي مع نظام ولد عبد العزيز .
كما صدرت إشارات فرنسية مرحبة ضمنياً بالدور الأمريكي في منطقة الساحل الإفريقي، وهو دور لا تستغني عنه فرنسا ذاتها في التحدي الذي تواجهه مع الإرهاب في مستعمراتها السابقة .
يستبعد عديد المراقبين أن تكون أمريكا تحركت في هذا التوقيت لاحتلال المقعد الأوروبي التقليدي في موريتانيا، وذلك في ظل الوضع الحالي بالمنطقة الذي يدفع الغرب عموماً للتوحد في وجه التحدي الأمني، وتحدي القوى الاقتصادية العالمية الجديدة المنافسة كالصين .
ويستنبط من قادة حزبيين ومحللين سياسيين استنطقتهم "الخليج"، آراء متباينة حول مبررات النشاط الأمريكي المحموم في موريتانيا .
فقد رأت أغلبية من هؤلاء أن دافع الأمريكيين لا يتجاوز استغلال النفط والغاز الموريتاني، وتهيئة الأرضية السياسية والاجتماعية ميدانياً لاستثمار الشركات الأمريكية العملاقة في الغاز المكتشف في السواحل الموريتانية، ويتزامن ذلك مع توسيع شركة "توتال" الفرنسية عمليات تنقيبها في "حوض تاودني" الاستراتيجية شمال شرق البلاد .
ويرجح هذا الاحتمال دخول عمالقة النفط الأمريكي لأول مرة إلى مجال النفط الموريتاني، وتسريب هو الأول من نوعه عن احتياطي ملياري برميل في بئر واحدة من المنطقة التي تستكشفها الشركات الأمريكية .
بينما رأى آخرون أن الاستثمار الأمريكي في التنقيب عن النفط الموريتاني جاء دعماً لتنمية البلاد وجذب الاستثمارات للاقتصاد المحلي تشجيعاً للنظام الموريتاني أو "مكافأة" له على قبوله بدور عسكري أمريكي على الأراضي الموريتانية، ذات الموقع الاستراتيجي الحساس، حيث تمتد موريتانيا على طول 750 كلم على شاطئ المحيط الأطلسي، أي أكبر دولة عربية من الناحية الجغرافية مجاورة أطلسياً لأمريكا .
ومن الواضح، أن الأراضي الموريتاني، التي ظلت تحظى، في أدبيات "الأفريكوم"، بعناية خاصة، أصبحت أكثر أهمية في هذه الظرفية وخلال السنوات القادمة مع تفاقم ملف الجماعات الإرهابية في دول غرب إفريقيا .
والجديد في هذا الملف هو المخاوف الأمريكية من وصول "داعش" إلى الحدود البحرية (الأطلسية) الأمريكية، إذا أخذنا في الاعتبار سرعة انتشار التنظيم في ليبيا، ومخاوف من "قوس داعشي" يمتد إلى الشواطئ الموريتانية على الأطلسي عبر ليبيا وشمال مالي وجنوب الجزائر والمساحات الصحراوية الشاسعة خارج السيطرة في دول المنطقة .
إن الحراك العسكري الأمريكي (تدريب للقوات الموريتانية، وتواجد عسكري شرق وشمال البلاد)، وتعزيز التعاون الاستخباراتي الحديث والتقليدي، وتنامي دور المنشآت العسكرية الجديدة في البلاد ("قاعدة صلاح الدين" في صحراء شمال البلاد)، وتواصل الأشغال في أكبر مطار عسكري في المنطقة، لا يزال موقعه محاطاً بسرية تامة، رغم حديث الرئيس الموريتاني عن هذا المطار الذي يستقبل جميع أنواع الطائرات العسكرية في العالم، كل ذلك ينبئ أن أمريكا تخطط لتواجد عسكري دائم في موريتانيا، بعد أن تعذر - لأسباب معروفة - حصول أمريكا على ما يوازي طموحها في هذا المجال في كل من الجارين الشماليين (المغرب، الجزائر) .
يرى مسؤول سياسي موريتاني، طلب عدم كشف اسمه، أن نظام ولد عبد العزيز "فتح البلاد أمام التواجد العسكري الأمريكي، وأن هذا التواجد سيتصاعد ميدانياً مع تصاعد التحضير المنشآتي العسكري ومع متطلبات رصد النشاط الإرهابي في منطقة الساحل"، مضيفاً في ذات الوقت أن "الأمريكيين جاءوا من أجل الغاز" وليس لديهم وقت يضيعون في هذه الصحراء من دون أهداف استراتيجية" .
ويشير إلى أن نخبة من الجنرالات ترى أن "البلاد أمنياً أصبحت بحاجة لهذا الدور في ظل المخاوف الجادة من تفجر الوضع الداخلي جراء الأزمة الاجتماعية والعرقية التي عجزت كل الأنظمة المتعاقبة منذ استقلال البلاد وإلى اليوم عن إيجاد حل نهائي لها و"هي اليوم تهدد وحدة البلاد إن لم نقل انقسامها" . إذ أصبحت مطالب الحكم الذاتي تتكرر على لسان قوميي الأقلية الإفريقية دون حرج، فيما تشكل مطالب بعض الراديكاليين من "العرب السمر" بتشكيل قومية خاصة بهم جرس إنذار هو الأخطر، ما يهدد بتحويل الثراء الشرائحي داخل الأغلبية العربية إلى كابوس قد يعصف بالوضع الهش" .
لكن لا يجب في كل الأحوال استبعاد عامل آخر مهم وهو الرسائل الروسية والصينية والإيرانية إلى موريتانيا، التي تتحول بسرعة مدهشة إلى "دولة معدنية" يخطط لأن تكون الأغنى في المنطقة خلال العقدين القادمين، من حيث تعدد الاكتشافات المعدنية من حديد وذهب ويورانيوم .
تبحث أمريكا عن موطئ قدم عسكري، أم ملامسة ل"قمقم النفط والغاز"، أم كلاهما . مهما تعددت الآراء والإجابات، فإن الحضور الأمريكي الجديد اللافت في موريتانيا ليس عملية سياحية مؤقتة، وليس استطلاعاً للأجواء في بيت "جار أطلسي صحراوي" تكاد عواصف الأزمات السياسية والاجتماعية والعرقية لا تترك سقفاً .