حرص الإسلام على بناء شخصية المسلم على قيم وأخلاقيات رفيعة حتى تستقيم حياته، ويؤدي رسالته في الحياة، ويسهم بفاعلية في بناء ونهضة مجتمعه، ويواجه بقوة وصلابة كل التجاوزات الأخلاقية عملا بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
والإسلام في بنائه الأخلاقي للإنسان جاء بكل ما هو راق ومتحضر، وسما بأخلاق أتباعه فوق كل الصغائر، ورسم للإنسان حياة راقية تغلفها كل المعاني الإنسانية .
ومحاسبة النفس، خلق إسلامي يتحلى به كل مسلم حريص على طاعة الله ويرجو رحمته ويخاف عقابه، والإنسان الذي يحاسب نفسه أولا بأول تقل أخطاؤه، وتندر عثراته، ومن حاسب نفسه قبل أن يحاسب ووزن أعماله قبل أن توزن عليه كان من الرابحين . ومن استولت عليه الغفلة، وعدم المحاسبة تمادى في الأخطاء، واصطدم بالعثرات فكان من الخاسرين . . يقول الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: "من حاسب نفسه ربح، ومن غفل عنها خسر، ومن خاف أمن، ومن اعتبر أبصر، ومن أبصر فهم، ومن فهم علم" .
ومحاسبة الإنسان لنفسه كما يقول الدكتور حذيفة محمد المسير الأستاذ بكلية أصول الدين في الأزهر فضيلة تنبع من داخل قلبه النقي ومن إيمانه الصادق وعقيدته الراسخة، التي تجعله موقناً بلا أدنى شك أن أمامه حسابا في الآخرة، وأن أمامه كتابا يلقاه منشوراً يقول الحق سبحانه وتعالى: "وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً، اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً" .

أثر الإيمان

* لكن . . ما علاقة الإيمان بالتربية الأخلاقية؟ وكيف يترك الإيمان أثره المحمود في سلوك الإنسان ويرتقي به ويضبطه بالضوابط الأخلاقية ويحميه من كل وسائل الإسفاف السلوكي؟
- يقول الدكتور علي السبكي، أستاذ الدعوة والثقافة الإسلامية في جامعة الأزهر: الإيمان الحق بالله ورسوله وبكل ما جاءت به الرسالات السماوية الصحيحة يفرض على الإنسان حالة من الالتزام الأخلاقي والمراقبة الذاتية لسلوكه، والخشية من الله عز وجل في كل ما يفعله . . ولذلك نجد هذا الإنسان يؤدي واجباته الدينية كما ينبغي، ويؤدي واجباته الحياتية على الوجه الذي يرضي الله عز وجل، ويراقب الله في كل أمر من أمور حياته العامة والخاصة، فلا يظلم ولا يسرق ولا يطلق لسانه لإيذاء الآخرين ولا يتعالى عليهم ويتكبر ويتجبر ويتحول إلى مجرم يأخذ حقه بيده ويؤذي كل خلق الله .
يوضح الدكتور السبكي أن ضبط النفس علامة تقوى وإيمان وليس علامة ضعف كما يتصور بعض المتهورين . . يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: "ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب" . . فهذا الحديث النبوي الشريف يرشد المسلم إلى أن ضبط النفس وكظم الغيظ عند الغضب ليس دليل ضعف ولكنه دليل قوة شخصية المسلم، ولذلك كان من أبرز صفاته صلوات الله وسلامه عليه الحلم وكظم الغيظ والعفو عن المسيء، ولذلك نراه عليه الصلاة والسلام يوجه رجلا قال له: "لا تغضب ثم أعاد عليه فقال: لا تغضب . ." وقال عليه الصلاة والسلام في حديث آخر لابن مسعود: "ما تعدون الصرعة فيكم"؟
قلنا: الذي لا يصرعه الرجال . قال ليس ذلك، ولكن الذي لا يملك نفسه عند الغضب .

رذيلة جاهلية

وفي هذا الحديث إشارة إلى ما وقر في الصدور من أن القيمة التي تتبين بها أقدار الرجال إنما هي القوة المادية التي بها يستطيع المرء أن يقهر خصومه ويتغلب عليهم، وكان هذا المفهوم الخاطئ سائدا بين العرب في جاهليتهم، وبه كان المعيار الذي يخفض ويرفع وتسمو به المنزلة ويحتل به الإنسان من القلوب كل التقدير والاحترام، الأمر الذي يكون به مرهوب الجانب، لذلك عمد الإسلام منذ بزوغ فجره إلى اقتلاع جذور هذه الرذيلة الممقوتة التي قد تؤدي إلى انسلاخ المرء من آدميته، فيصبح كالوحش في سلوكه لا يرجو لله وقارا ولا يعرف لمخلوق قدرا ولا لحقوقه في الحياة من قيمة وإلى ذلك يشير الله سبحانه: "إِذْ جَعَلَ الذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيةَ حَمِيةَ الْجَاهِلِيةِ فَأَنزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التقْوَى وَكَانُوا أَحَق بِهَا وَأَهْلَهَا"، فقد ذم عز وجل الكفار بما تظاهروا به من الحمية الصادرة عن الغضب بالباطل، ومدح المؤمنين بما أنزل عليهم من السكينة، والمرء إنما يثير فيه قوة الغضب حب الانتقام برد كيد العدو إلى نحره فيتوقى شره قبل وقوعه أو يحمله على الغضب حب التشفي والانتقام من خصومه بعد وقوع الشر .

باب الأمل المفتوح

ويضيف: كل من يراجع نفسه بصدق وإخلاص ينعم الله عليه بالتوبة من كل ذنب يرتكبه، كبيراً كان الذنب أم صغيراً، خاصة أن الشيطان يتلاعب دائما بالإنسان ويزين له المعاصي والذنوب .
والإنسان العاصي أو المذنب فتح الله له باب الأمل عن طريق التوبة . ويخبرنا القرآن الكريم بذلك في العديد من الآيات . وذلك مثل قوله تعالى: "فَتَلَقى آدَمُ مِن ربهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنهُ هُوَ التوابُ الرحِيمُ" . وقوله في آية أخرى: "وَعَصَى آدَمُ رَبهُ فَغَوَى ثُم اجْتَبَاهُ رَبهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى" .
ومن ذلك تتبين لنا حقيقتان مهمتان، أولاهما: أن الإنسان ليس معصومًا من الخطأ، فهو ليس من الملائكة الذين "لَا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ"، كما أنه ليس حيوانا لا يعقل ولا يسأل عما يفعل، بل هو كائن عاقل متوسط بين هذين الصنفين ومسؤول عن كل ما يصدر عنه . وليس عيبا أن يخطئ المرء لكن العيب كل العيب أن يصر على الخطأ . أما الحقيقة الثانية فتتمثل في أن الله فتح أمام الإنسان باب التوبة إذا أخطأ ليعود إلى رشده ويتوب إلى ربه . وفي ذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم "كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون" .
والإنسان بوصفه كائناً عاقلاً يفترض فيه أن يتعلم من أخطائه، وهذا يعني أنه ينبغي ألا يكرر أخطاءه، والمؤمن لا يلدغ من جحر مرتين كما جاء في الحديث الشريف ولكن الإنسان كثيرا ما ينسى أو يتناسى، ويتكرر منه الخطأ مرة ومرات . وقد يصل به الأمر إلى حد الميل إلى اليأس من قبول توبته فيظل سادرا في غيه، ولكن الله رحيم بعباده، لا يرد أحدا يلجأ إليه مهما اقترف من ذنوب وأسرف على نفسه بالأخطاء، ما دامت توبته صادقة، وأوبته إلى ربه مخلصة، فباب الأمل في عفو الله ورحمته مفتوح دائماً .
ويوجه الحق تبارك وتعالى النداء إلى الذين أسرفوا على أنفسهم بالذنوب والآثام بهذا النداء الرباني الرحيم: "قُلْ يَا عِبَادِيَ الذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رحْمَةِ اللهِ إِن اللهَ يَغْفرُ الذنُوبَ جَمِيعاً إِنهُ هُوَ الْغَفُورُ الرحِيمُ"، والله يفرح بتوبة عبده كما جاء في الحديث الشريف ويخبرنا القرآن الكريم بأن الله "يُحِب التوابِينَ وَيُحِب الْمُتَطَهرِينَ" .
وهذا التعبير القرآني يدعونا إلى تأمله والتفكير فيه . فالتائب هو إنسان قد أذنب حين خالف أمر ربه، لكنه عاد إلى صوابه واعترف بذنبه، وعزم على العودة إلى ربه تائبا مستغفراً ويكفي بمنطق إنساني أن يقبل الله توبته ويعفو عنه .
ولكن الله سبحانه إذ يفتح له ولأمثاله باب رحمته فإنه يعلن في الوقت نفسه أن التائبين جديرون بحب الله لهم . فالله يحب التائبين ويفرح بتوبتهم، لأنهم لم يستمروا في غيهم، ولم يستمرئوا الابتعاد عن ربهم، بل راجعوا أنفسهم، وعادوا إلى ربهم يرجون رحمته ويخافون عذابه، ومن أجل ذلك يحبهم الله ويشملهم برحمته ورضوانه .

حقوق العباد

ولا شك أن ذلك كله كما يقول المفكر الإسلامي الدكتور محمود حمدي زقزوق يتعلق بالذنوب التي اقترفها الإنسان في حق الله، أما ما يتعلق بحقوق العباد فله شأن آخر، إذ تبقى هذه الحقوق معلقة في رقاب من انتهكوها حتى يردوها إلى أصحابها . ولا تكفي هنا التوبة عن هذه الانتهاكات إلا إذا عفا أصحاب هذه الحقوق، فلا يعقل أن يغتصب أحد مال غيره أو يعتدي عليه بأي شكل من الأشكال ثم يتوب ويبقى الإحساس بالظلم والقهر لدى من وقع عليه الظلم . ومن هنا فإنه لا يجوز استغلال فتح باب التوبة على مصراعيه عما اقترف المرء من آثام تتعلق بحقوق العباد دون رد هذه الحقوق إلى أصحابها . فالله سبحانه وتعالى لا يظلم أحدا ولا يرضى بظلم أحد "وَمَا رَبكَ بِظَلامٍ للْعَبِيدِ" والإسلام يتشدد في هذا الجانب ولا يتهاون فيه، ترسيخا لقواعد العدل ورفعا للظلم عن كاهل المظلومين، وقد روى الإمام مسلم في صحيحه أن سائلاً سأل النبي عليه الصلاة والسلام قائلاً: "يا رسول الله، إذا قتلت في سبيل الله تكفر عني خطاياي؟ قال: نعم . إلا الديْن" . فلا بد من رد الديون والأموال المغتصبة التي تم الحصول عليها بطرق غير مشروعة عن طريق الغش أو السلب أو النهب أو الرشوة أو غير ذلك، أو استرضاء أصحاب هذه الحقوق ومن دون ذلك لا تكتمل التوبة .