سبعة أيام كان لها أثر كبير في حياة الإمام محمد عبده.. غيرت حياته وعدلت مسارها تماما فأصبح باعثا للنهضة والفكر الإسلامي بعد قرون طويلة تحت ظلام التخلف الذي صبغته به الدولة العثمانية.

وقبل أن نجالس العالم الفقيه المستنير علينا أن نتعرف إلى تلك الأيام التي شكلت اللحظة الفارقة في حياته.

ولد الإمام محمد عبده بقرية محلة نصر بالبحيرة عام ،1849 ونشأ في الريف المصري وكان والده فلاحا ميسور الحال، علّم ابنه في الكتّاب حتى حفظ القرآن ثم أرسله إلى الجامع الأحمدي بطنطا ليتعلم التجويد والفقه والنحو، وهناك اصطدم الشاب الصغير بالأساليب العقيمة غير المفهومة في التعليم وخاصة النحو، فرفض الاستمرار وقرر العودة لقريته ليصبح فلاحا ومزارعا ورفض والده ذلك وأصر على رفضه، فهرب إلى بلدة فيها بعض أقاربه وهناك قضى سبعة أيام كانت نقطة تحول غيرت من كراهيته لتلقي العلم إلى رغبة وحماس شديدين.

في تلك الأيام التقى محمد عبده بالشيخ درويش خضر أول أساتذته الذين تعلم على يديهم، وكان صوفيا يتبع الطريقة الإدريسية، وعلى يديه فتح الله صدر محمد عبده لطلب العلم وخاصة بعد أن قدم له كتاباً سهلاً في المواعظ والأخلاق وأتبعه بدرس آخر علمه إياه وهو درس القيم.

كان محمد عبده مثل غيره من الناس يرى مظاهر الحياة من مال وجاه وزينة وتفاخر ويتصور أن المسلم بنطقه الشهادتين يصبح سيد الناس وحتى لو ارتكب بعض الآثام، فجاء الشيخ وعلمه أن العمل الصالح بديل للمال والجاه، وأن الإسلام ليس واجهة ترتكب من ورائها الأخطاء بل هو عقيدة وعمل لا ألفاظ وكلمات، وأن المسلمين محاسبون على أعمالهم، كما علمه أن أساس الإسلام وأساس العقيدة الصحيحة هو القرآن، وأن خير عبادة هي تفهم معانيه ومن هنا بدأ النمو الفكري لمحمد عبده.

تلميذ الأفغاني

عاد محمد عبده إلى والده وهو إنسان آخر التقت رغبته مع رغبة والده، وفي قريته انتقل إلى المسجد الأحمدي بطنطا حيث تعلم النحو على يد شيخ جديد وضّح له ما كان غامضاً وصعباً حتى وصل إلى أن يشرح لبعض زملائه ما كان يصعب عليهم.

ومن المسجد الأحمدي إلى الأزهر بالقاهرة حيث التقى بجمال الدين الأفغاني وكان لقاؤه بالأفغاني نقطة تحول أخرى في حياته، التقى فيها رفض محمد عبده للأوضاع في الأزهر والجمود الذي يشوب الحياة الدينية والاجتماعية مع الحركة الإصلاحية التي كان يقودها جمال الدين الأفغاني، وهكذا تتلمذ محمد عبده على يد الأفغاني ولزم حلقات درسه حتى أصبح من أصدق أصدقائه وأبرز خلفائه في حركته.

وبعد أن تخرج محمد عبده في الأزهر عام 1877 عين مدرساً للتاريخ بمدرسة دار العلوم العليا، كما درس بمدرسة الألسن وكان يكتب في الصحافة ويعمل بالسياسة مع أستاذه الافغاني من خلال الحزب الوطني الحر.

عزل من عمله وحددت إقامته في منزله عندما تم نفي الأفغاني من مصر عام ،1879 ثم أعاده ناظر النظار للعمل وعينه مسؤولا عن صحيفة الوقائع المصرية فأضاف إليها قسما حوى العديد من المقالات الفكرية التي نشر من خلالها آراءه واتجاهاته الفكرية.

ولم يكن محمد عبده يرى أن الثورة طريق للتغيير، وإنما كان من أنصار الإصلاح التدريجي وخاصة بواسطة التربية والتهذيب والتعليم حتى يربي نخبة تتولى بدورها تربية الأمة.

ومن أجل ذلك مثّل التيار المعتدل عندما انخرط في تأييد الثورة العرابية وعمل فيها مع أحمد عرابي.. ورغم اعتداله فقد تمت محاكمته مع قادة الثورة بعد هزيمتها وخضوع مصر للاحتلال الإنجليزي عام 1882 وتم نفيه إلى بيروت ومنها لحق بالأفغاني في باريس، حيث انخرط في العمل السياسي من جديد وأسس مع الأفغاني جمعية العروة الوثقى وأشرف على مجلتها.

وبعد ثلاث سنوات من النفي عاد محمد عبده إلى بيروت بعدما يئس من العمل السياسي المباشر، وقرر التفرغ للإصلاح بمنهاج التربية والتعليم والتجديد الفكري وعمل في بيروت معلماً بالمدرسة السلطانية ومؤلفا ومحققا لكتب التراث الإسلامي ومفسراً للقرآن بالمسجد العمري.

معالم مشروع النهضة

وبعد عودته لمصر غدا محمد عبده المهندس الأول لحركة الإصلاح وخاض الكثير من المعارك الفكرية الكبرى دفاعاً عن الإسلام وحضارته، وبلغت دعوته في التجديد والإصلاح كل أرجاء العالم الإسلامي.

كان تفسير الإمام محمد عبده للقرآن الكريم ورسالته التي جدد بها علم الكلام الإسلامي رسالة التوحيد مع معاركه الفكرية وفتاواه.. هي المعالم الفكرية لمشروع النهضة الإسلامية الذي تجاوز جمود أهل التقليد ورفض من خلاله تبعية المنبهرين بالحضارة الغربية الغازية.

إلى جانب المشروع الفكري ركز الإمام في الميدان العملي على إصلاح المؤسسات الثلاث التي تقوم على صياغة العقل والوجدان الإسلامي وهي الأزهر والمساجد والمحاكم الشرعية.

وقد ذكر الشيخ محمد عبده ما يصح أن يكون مجمل رسالته فقال: ارتفع صوتي بالدعوة إلى أمرين عظيمين: الأول تحرير الفكر من قيد التقليد، وفهم الدين على طريقة سلف الأمة بكل ظهور الخلاف، والرجوع في كسب معارفه إلى ينابيعه الأولى واعتباره من ضمن موازين العقل البشري التي وضعها الله لترد من شططه وتقلل من خلطه وخبطه، وأنه على هذا الوجه يعد صديقا للعلم باعثا على البحث في الكون، داعياً إلى احترام الحقائق الثابتة، مطالبا بالتعويل عليها في أدب النفس وإصلاح العمل.

وقال: الأمر الثاني إصلاح أساليب اللغة العربية في التحرير سواء كان في المخاطبات الرسمية أو المراسلات بين الناس.

وقال أيضاً: هناك أمر آخر كنت من دعاته والناس جميعا في عمى عنه، ولكنه الركن الذي تقوم عليه حياتهم الاجتماعية ما أصابهم من الوهن والضعف والذل إلا بخلو مجتمعهم منه وذلك هو التمييز بين ما للحكومة من حق الطاعة على الشعب وما للشعب من حق العدالة على الحكومة، نعم كنت فيمن دعا الأمة المصرية إلى معرفة حقها على حاكمها.. دعونا هذه الأمة إلى الاعتقاد بأن الحاكم وإن وجبت طاعته هو من البشر الذين يخطئون وتغلبهم شهواتهم وأنه لا يرده عن خطئه ولا يوقف طغيان شهواته إلا نصح الأمة له بالقول والفعل.. جهرنا بهذا القول والاستبداد في عنفوانه والظلم قابض على صولجانه ويد الظلم من حديد والناس كلهم عبيد له.

مفتي الديار المصرية

رغم كل ذلك لم يعمل الإمام محمد عبده بالسياسة بعد عودته إلى مصر حيث كان ذلك شرطا عليه من الخديو توفيق حتى يعفو عنه، وفي عام 1889 عين قاضيا بمحكمة بنها ثم انتقل إلى محكمة الزقازيق ثم محكمة عابدين ثم ارتقى إلى منصب مستشار في محكمة الاستئناف عام 1891.

وفي الثالث من يونيو عام 1899 أصدر الخديو عباس حلمي مرسوماً بتعيين الشيخ محمد عبده مفتياً للديار المصرية كأول عالم يسند إليه هذا المنصب الرفيع مستقلا عن مشيخة الأزهر، حيث كان مفتي الديار المصرية منصبا يقوم به الإمام الأكبر شيخ الأزهر.

ومنذ ذلك التاريخ أصبح منصب المفتي مستقلا عن منصب مشيخة الأزهر.. وخلال فترة تولي الإمام محمد عبده لمنصبه كمفت أصدر المئات من الفتاوى وكان أكثر من 80% من هذه الفتاوى متعلقا بمسائل خاصة بالحياة المالية والاجتماعية والاقتصادية وقضاياها أي أنها كانت تتناول أمورا مستجدة في الحياة تبعا لتطوراتها.

بلغت فتاوى الإمام محمد عبده في الوقف وقضاياه والميراث ومشكلاته والمعاملات ذات الطابع المالي والآثار الاقتصادية مثل البيع والشراء والرهن والإجازة، والوصايا والشفعة والولاية على القصر والشراكة وإبراء الذمة أكثر من 728 فتوى وكان من ضمنها تلك الفتاوى المتعلقة بالذمة المالية للمرأة واستقلالها المالي والاقتصادي.

وفي مسائل مشكلات الأسرة وقضاياها مثل الزواج والطلاق والنفقة والإرضاع والحضانة والإقرار بالنسب وغيرها أكثر من 100 فتوى وفي مسائل القود والقتل والقصاص أصدر محمد عبده 30 فتوى، كما كان له ما يقارب المائة فتوى في موضوعات أخرى متنوعة، وهكذا تصدى الإمام محمد عبده من خلال منصبه كمفت للديار المصرية لبيان حكم الدين في كثير من القضايا المعاصرة لزمنه والتي لم يكن لها دليل واضح يلجأ إليه أهل التقليد والنقل، فاجتهد الإمام مطبقاً شرع الله وملتزماً بما جاء في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة بعيداً عن التقليد والاتباع دون إمعان التفكير في الأمور المستجدة.

أعداء الإصلاح

وخلال فترة تولي الإمام محمد عبده لمنصبه كمفت عين عضوا في مجلس شورى القوانين، وكان هذا الموقع طريقه لإدخال عدة قوانين مهمة تم من خلالها تعديل بعض الأوضاع المتعلقة بشؤون التعليم والأزهر والشؤون الدينية بوجه عام، وبالطبع لم يسلم الشيخ محمد عبده من العداء والمعارضة فقد حركت دعوته الدينية خصومات عدد كبير من الذين كانت حياتهم الدينية مليئة بكثير من الأمور التي ليس لها علاقة بالدين الصحيح، وأيضا حركت فتاواه عداء الذين يرون مصدر الأحكام والفتوى أقوال المتأخرين من الفقهاء، وكانوا يرون أنه ليس لأحد كائنا من كان أن يجتهد ويقدر الظروف والأحوال أو أن يرجع إلى الدين في أصوله الأولى يستمد منها أحكامه، ووصل الأمر في تحالف خصومه من مختلف الاتجاهات إلى محاولتهم إسقاطه من أعين الناس واتهامه بالكفر الديني والسياسي.

غير أن هذه الحرب والعداوات لم تفت في عضد الإمام محمد عبده بل زادته إصرارا على الاستمرار في دعوته الإصلاحية فأيقظ الشيخ الشعور الديني وأشعر المسلمين بأنهم يجب أن يهبوا من رقدتهم لإصلاح نفوسهم وتكميل نقصهم وأن يبدأوا بناء حاضرهم ومستقبلهم والتوقف عن الحديث عن المجد الماضي.

وفي عام 1905 لقي محمد عبده ربه بعد صراع مع مرض السرطان بمدينة الإسكندرية بعد أن حرك الماء الراكد وأيقظ الأمة من رقدتها.