الشارقة - عثمان حسن:
الشاعر الفلسطيني محمد لافي اسم معروف في الساحة العربية، غادر عمّان في نهاية السبعينات إلى بيروت ثم إلى دمشق وهناك أصدر ديوان "قصيدة الخروج" ،1985 وديوان "نقوش الولد الضال" ،1990 عمل في التحرير الثقافي والسياسي في أكثر من صحيفة في الأردن وسوريا، كما عمل مراسلاً لعدة وسائل إعلامية عربية، حصل على جائزة عبدالرحيم عمر لأفضل ديوان شعر عربي من رابطة الكتّاب الأردنيين عام ،1996 تنوعت كتابته بين القصة القصيرة، والمقالة، والنصوص السياسة الساخرة، ويعد من الكتاب المهمين في كتابة وتحليل ودراسة السيناريو، وفي الأفلام الوثائقية .
في هذا الحوار الذي يستقرئ في جزء كبير منه التجربة الشعرية الشخصية عند لافي، ما قبل مرحلة بيروت وبعدها، ثمة ضوء على كثير من القضايا والمفاهيم الجديدة التي تتعلق بالشعر سابقاً والآن، لا سيما مع طغيان موجة الحداثة التي طرحت أسئلة مهمة على صعيدي الشكل والمضمون .
*أنت واحد من الشعراء الذين نجحوا بقوة في الحفاظ على وهج الشعر شكلاً ومضموناً، شعراء اليوم يهرولون نحو ذواتهم، وقد تاه معظمهم في أتون الغموض على حساب الرمز الفني الجميل؟
- الهروب إلى الذات، والانكفاء عليها، والتنظير لذلك، مسألة لصيقة بالبعد السياسي، خاصة بعد مغادرة قوات المقاومة الفلسطينية بيروت، وتوقيع معاهدات "السلام" مع الكيان الصهيوني، وتمدد ثقافة الاستسلام/ التطبيع في المشهد السياسي الذي يحاول أن يكيّف المشهد الثقافي على شاكلته، هذا هو حجر الأساس في ارتداد كثير من الشعراء العرب إلى ذواتهم، ودفع الخاص إلى الواجهة مقابل إزاحة العام، وعدّ هذا الأخير قيداً للنص الشعري، على هذا النحو إذا تبدو المسألة وكأن ليس لها أية مقاربة بالبعد السياسي، لقد برّروا هذا النكوص تبريراً نقدياً ينطلق من مظلة حداثة مضلّلة، كأن الشاعر الملتزم قد غيّب، تماماً، الذات وقضاياها من نصه الشعري، متجاهلين، عمداً، جدلية الخاص والعام في كثير من النصوص المستوية جمالياً على صعيدي المبنى والمعنى .
عموماً، وقف الشاعر العربي منذ منتصف الثمانينات، حتى أوائل التسعينات من القرن المنصرم أمام مفترقين: إما الالتصاق بالواقع ومعايشته إبداعياً، ومقاربة قضاياه وتفاصيله بالتركيز على اليومي، والهامشي، وصولاً إلى هجاء الواقع بواسطة قصيدة اليومي، وقراءة المرئيات، مبتعداً عن العناوين الكبيرة، لتأخذ القصيدة منحى أكثر توهجاً في بعدها الإنساني . . وإما الهروب إلى الذات وإغلاق الأبواب تماماً حيال الواقع المعيش نحو تبريرات وتنظيرات نقدية حداثوية، وتأسيساً على ذلك، فقد ذهبت القصيدة بعيداً في الإبهام رمزاً وصورة، وبناء عاماً .
ما الذي بقي الآن أمام شاعر المقاومة، وهو يشهد اليوم انهزام المؤسسة السياسية، وأكثر من ذلك ممارسة المؤسسة لفعل الانهزام جهاراً نهاراً؟
- ليس ثمة بديل عن القصيدة، إنها قدر الشاعر، هي صخرة سيزيف المتجددة أبداً، صحيح أن الشاعر لا يملك عصا سحرية لتغيير الراهن، لكنه يملك التحريض عليه، يملك هجاءه بأدوات فنية توسع الهوة بين المتلقي وواقعه، ليشعر هذا المتلقي بضرورة هذا التغيير .
من هنا، بالضبط، تبرز المهمة الصعبة المنوطة بالشاعر الملتزم، إذ عليه أن يناضل، أبداً، لتطوير نصه الشعري، فالجمالي في المضمون يتطلب الجمالي في الشكل، وخلاف ذلك يغدو نصه كما لو أنه مقالة سياسية مشوهة، ضائعة بين الشعر والنثر اللافني .
أنت متهم بأنك صاحب حداثة مشاكسة، تفتش عن الهامشي والرافض، ومن هم على قارعة الطريق؟
- كثرت التنظيرات للحداثة في المسألة الشعرية العربية، خاصة بعد مجمل الهزائم السياسية، وتمدد القطرية على حساب القومي، وتراجع "اليسارية" وبروز "الدينية السياسية الظلامية" كخشبة خلاص يمكن أن تملأ المشهد الفارغ، لكنّ تنظيرات الحداثة هذه ليست نابعة من صلب الواقع العربي، إنها تنظيرات ورؤى وافدة، ولأنها كذلك ستظل وليداً هجينا ومشوهاً، خاصة عندما يجري "تلبيسها" لنص الشعري، وإسقاطها عنوة عليه .
أليس حداثياً كل نص يصوغ واقعه في العام والخاص بصدق وجرأة، وبأدوات جمالية؟ أنا أحاول أن أصوغ جمالية نصي تأسيساً على السؤال أعلاه، والوسيلة إلى ذلك هي الذهاب إلى الهامشي في مواجهة الرئيسي، والمشاكس والرافض في مواجهة المستكين، أحاول أن أجمع بين يديّ العادي والمألوف والعابر، لأدفعه إلى الواجهة طارداً الرسمي والمكرّس، هذا هو الحجر الذي يمكن أن يحرك ماء البركة الراكدة، والهامشي والعابر، نعم هذا هو كنز الحداثة المشاغبة الذي آمل أن أضع يدي عليه مبنى ومعنى والحداثة بهذا المعنى متوائمة تماماً مع تجربتي المعيشة في العام والخاص، بعيداً عن كل ما يطرح من تنظيرات حول الحداثة . . هكذا تكون الحداثة نابعة من تجربة الشاعر، وعليه فإن لكل شاعر حداثته الخاصة بتجربته هو تحديداً، وأعني هنا، طائفة الشعراء الملاعين بتعبير أكثر دقة .
هل تراجع نقاد الشعر، وهل أصبح الشعراء هم نقاد تجاربهم؟
- تراجع الشعر نعم، وتراجع نقاد الشعر نعم، على الرغم من أن ثمة تجارب شعرية تستحق الوقوف ومحاورتها نقدياً، لكن يبدو لي أن مهمة نقد الشعر مهمة صعبة، قياساً بنقد الرواية على سبيل المثال، فيكفي أن تدرس علم النفس والاجتماع لتكون ناقداً، ثمة اسماء مكرسة في النقد لا تمتلك القدرة على مقاربة النص الشعري، لأنها لا تملك ذائقة شعرية أولاً، ولأنها تفتقر كذلك، إلى أدوات نقد الشعر .
هل انهارت قصيدة المقاومة الآن . . أم استسلم الشعراء؟
- على عكس ذلك تماماً، فعلى الرغم من كل هذا الغثاء في المشهد الشعري العربي، إلا أن حقبة الهزيمة هذه تمثل البيئة الأمثل لعودة قصيدة المقاومة إلى الواجهة على الرغم من كل التنظيرات النقدية غير البريئة التي تتلبس لبوس مقولات الحداثة، تلك التي تبقى في واد والواقع في واد آخر .
اعتبر النقاد "نقوش الولد الضال" بداية التأسيس لمشروعك الشعري المكتمل، ماذا تقول أنت؟
- يبدو لي أن هذا صحيح إلى حد كبير، فقد صمتّ شعرياً قرابة الخمس سنوات بعد مغادرة بيروت، لم أكتب خلالها سوى قصيدة "الخروج" التي أعدّها استمراراً لتجربتي السابقة، خلال هذه الفترة كانت هناك مراجعة لمجمل تجربتي الشعرية التي غالباً ما كانت تتأسس على العام من دون الربط بالخاص، لقد عشت مرحلة بيروت ما قبل الاجتياح وبعده، كنت كأني أنظر إلى مشهد المقاومة خلال وجودي في الأردن، من شرفة النظّارة أمجّد العام، البندقية، والفدائي السوبرمان، المقاومة الخالصة المصّفاة من كل الشوائب . . الآن وبعد أن عايشت هذا المشهد من الداخل في بيروت تكشفت لي أخطاء حركات التحرر، وهذا ما حملني على الصمت، حاولت أن أكتب ذاتي في هذا المشهد متجاوزاً العناوين الكبيرة .
كانت تجربة ديوان "نقوش الولد الضال" الحجر الذي حرك ماء البركة الراكدة على مستوى تجربتي، وعلى مستوى القصيدة الفلسطينية، ممثلة بالقصيدة القصيرة المستوية جمالياً مبنى ومعنى بشهادة كثير من النقاد العرب، وفي مقدمتهم شيخ النقاد العرب الراحل الدكتور إحسان عباس، حيث إنه أول من لفت الأنظار لهذه المجموعة .