تمر علينا هذا العام الذكرى ال 60 لانطلاق الخدمات الطبية الحديثة في الإمارات، التي كانت من خلال مستشفى المكتوم بدبي، الذي افتتح عام 1951 وأسهم في بنائه وإنشائه كل الإمارات، وكان حاكما دبي والشارقة وقتها من أكثر المساهمين في تكاليف بناء وإنشاء هذا المستشفى، ونتمنى من وزارة الصحة بالتعاون مع دوائر الصحة المحلية في الإمارات الاحتفال بهذه المناسبة .

كانت المدن الواقعة على سواحل الإمارات التي تحولت في ما بعد إلى الإمارات السبع، كغيرها من المدن الواقعة على سواحل الخليج العربي، عرضة للكثير من الأخطار، ومنها الأوبئة القادمة إليها مع القادمين إليها من وراء البحار، كالهند .

في القرون الماضية، كانت الأمراض الوبائية منتشرة، كالكوليرا والطاعون والجدري والإنفلونزا، والتيفوئيد، والملاريا، ولم تكن هناك سُبل لمكافحتها إلا في العقود الأخيرة حين توافرت اللقاحات والتطعيمات، فيما كان الحل الوحيد المتوفر في العقود الخوالي، هو الحجر والعزل الصحي أو الفرار، هذه كانت الحلول الوحيدة المتاحة .

وهناك أمراض مشتركة بين أهل الخليج، وعقد ابن قتيبة مشابهة بين سلطنة عمان والبحرين، ووجه المشابهة يتمثل في أن كلتا الدولتين وبية (أي وبيئة) وأهلها مصفرة وجوههم مطحولون، أي بهم مرض تضخم الطحال، واستشهد بقول الشاعر:

ومن يسكن البحرين يعظم طحاله ويغبط بما في بطنه وهو جائع

(ابن قتيبة الدينوري، الشعر والشعراء، بيروت لبنان، دار إحياء العلوم، الطبعة الثالثة ،1987 صفحة: 511)

وفي القرون الأخيرة، يبدو أن عام ،1893 كان بداية لاجتياح الطاعون في بلدان عديدة في العالم، وبدأ الوباء في هونغ كونغ والصين، وأخذ بالانتشار خلال السنوات العشر التالية عن طريق السفن التجارية التي تنقل البضائع ومعها الفئران المصابة إلى أكثر من 87 مدينة ساحلية في العالم، بمعنى أنه انتشر في كل أنحاء العالم . وكانت الهند أكثر الدول تضرراً إذ فقدت عدّة ملايين من سكانها، كما انتشر الطاعون في شرق إفريقيا وفي الإسكندرية ودلتا النيل في مصر ووصل إلى سيدني باستراليا وروسيا وسان فرانسيسكو بالولايات المتحدة، وقدّر ضحايا الطاعون (الموت الأسود) بنحو 12 مليون إنسان .

كانت منطقة الخليج تشهد زيارات بعض الأطباء الأجانب بين حين وآخر، واستقرت بعض الإرساليات الطبية التبشيرية في بعض مناطق الخليج مثل البحرين، التي فيهما أقدم المستشفيات في المنطقة، والذي يرجع تاريخه إلى عام ،1892 والذي تأسس على يد المبشر الدكتور شارون توماس المرسل من الإرسالية التبشيرية الأمريكية التي كانت متمركزة في مدينة البصرة بالعراق، والتابعة للإرسالية الأمريكية في نيويورك، ووصل الدكتور شارون توماس إلى البصرة عام ،1891 وبعد عام طلب منه الرحيل إلى المنامة لافتتاح مستشفى تبشيري هناك .

ويعتبر مستشفى هاريسون في أبوظبي ثاني مستشفى يتأسس على سواحل الخليج العربي، وكان ذلك عام ،1909 إذ وصل الدكتور بول هاريسون إلى أبوظبي قادماً من البحرين، وقام بفتح عيادة في ذلك الوقت وعالج عدداً من المرضى .

وفي سلطنة عمان، كان مستشفى توماس ثالث مستشفى يؤسس في الخليج، وهو المستشفى الذي أسسه الدكتور شارون توماس أيضاً، وكان ذلك عام 1909 في مطرح، ويعرف هذا المستشفى حالياً باسم مستشفى الرحمة أو مركز صحي الرحمة ويقع في بداية السوق حالياً، وكان تأسيسه في بيت طبيب هندي كان يمارس مهنة الطب فيه منذ سنوات عديدة، قبل وصول توماس .

وفي الكويت كان رابع مستشفى في الخليج، وهو المستشفى الأمريكي، الذي أنشئ عام 1913 ووضع قيد التشغيل في السنة التالية، وأسسته الإرسالية التبشيرية العربية التابعة للكنيسة البروتستانتية الأمريكية، والتي كان لها مركز في مدينة البصرة العراقية، ورعت بناءه كنيسة برونكسفيل، وهي كنيسة الدكتور بينت في نيويورك .

وفي عجمان كان خامس مستشفى وبناه الوجيه ناصر بن عبيد بن لوتاه عام 1915 بالقرب من منزله ومسجده بمنطقة الحد . وقدم خدماته الطبية إلى عام ،1917 وفيه غادر الدكتور هاريسون إلى البحرين، ففي عام 1915 أرسل الشيخ سعيد بن مكتوم حاكم دبي رسولاً إلى هاريسون يطلبه للحضور إلى دبي لعلاج زوجته . وأثناء رحلة الدكتور هاريسون على ظهر السفينة إلى دبي التقى الوجيه ناصر بن عبيد بن لوتاه، وعن هذا اللقاء يقول: كان أهم ما في هذه الرحلة على الإطلاق مقابلتي للسيد ناصر من عجمان، وهو أحد نبلاء العالم النادرين، وكان قد بلغ الثمانين من عمره في ذلك الوقت، ووضع على كتفي ابنه بعض مسؤوليات تجارة وبيع وشراء اللؤلؤ، والسيد ناصر هذا رجل ثري ولكن ثروته لا تبلغ شيئاً أمام ثروة أحد رجال المال البارزين في دبي (يقصد تاجر اللؤلؤ الكبير محمد بن دلموك)، وذهبت إليه في عجمان لأستأصل حصوة في المثانة، ونجحت العملية نجاحاً باهراً، واسترد السيد ناصر عافيته خلال عشرين يوما . (رحلة طبيب في الجزيرة العربية، تأليف الدكتور هاريسون، ترجمة محمد أمبن عبدالله، سلطنة عمان، وزارة التراث القومي والثقافة، الطبعة الثانية 1409 ه 1989م، صفحة: 35) .

أول عيادة

في عام 1934 أسست الحكومة البريطانية أول عيادة طبية حديثة في دبي، وافتتحها الدكتور محمد ياسين، وهو من مدينة لاهور التابعة لباكستان حالياً، وكان موظفاً لدى الحكومة البريطانية في الهند آنذاك، وأرسلته لممارسة الطب في دبي، وتقديم خدماته الطبية لكل الإمارات، ومحاربة داء الكوليرا الذي انتشر في المنطقة في تلك السنة، وتأسست هذه العيادة في منطقة الضغاية بديرة، في مبنى مملوك لأسرة آل لوتاه، وكان مكوناً من طابقين . (لقاء مع بلال فيروز مبارك الصايغ بتاريخ 17-11-2011) .

أثناء الحرب العالمية الثانية، طلب بعض حكام الإمارات من المعتمد البريطاني المقيم في الشارقة، بناء مستشفى أو عيادة طبية تقدم خدماتها الطبية لأهل الإمارات، ولم تكن هذه المرة الأولى التي يطلب فيها الحكام هذا، فقد سبق لهم ذلك منذ بدايات القرن الماضي بعد الزيارات العديدة لبعض الأطباء التابعين للإرساليات التبشيرية، وقيامهم بتأسيس عيادات طبية زاولوا فيها مهنة الطب وقيامهم بعلاج حالات عديدة، وأقفلت تلك العيادات بعد رحيل هؤلاء الأطباء، وزادت مطالبة حكام الإمارات بفتح عيادات أو مستشفيات دائمة بعد سماعهم أخبار تأسيس مستشفيات في بعض أقطار الخليج كالبحرين والكويت وعمان من قبل الإرساليات التبشيرية، وخشيت الحكومة البريطانية تسويفها المتكرر مع حكام الإمارات، ولعلمها بالتنافس الدولي في المنطقة، ولكي لا تضطر الحكومات المحلية إلى الاستعانة بدول أخرى .

وفي عام 1943 أخبرت الحكومة البريطانية، متمثلة بوكيلها في الشارقة، حكام الإمارات استجابتها لطبلهم بفتح مستشفى في الساحل يقدم خدماته لكل الإمارات، شريطة أن يتكفل الحكام والأهالي بتكاليف الإنشاء، فقام الحكام والأهالي بحملة لجمع التبرعات لجمع تكاليف بناء المستشفى الذي وسمِّي مستشفى المكتوم .

بلغ مجموع التبرعات لبناء مستشفى في دبي 192007 روبيات، وهو نصف المبلغ المطلوب المقدر ب 384014 روبية . وكانت التبرعات كما يلي: دبي 371134 روبية، الشارقة 28076 روبية، عجمان 7000 روبية، أم القيوين 7051 روبية، رأس الخيمة 00910 روبيات، أبوظبي 5000 روبية، الحمرية 500 روبية . (مجلة العرب، أورينت هوتل بلدنك، بومبي، شعبان سنة 1363 ه، صفحة: 4) .

وفي لقاء مع الشيخ سلطان بن صقر القاسمي حاكم الشارقة (1924-1951)، سألته مع مجلة العرب الصادرة في مدينة بومباي بالهند، عن وجود مستشفى في الشارقة، ورد الشيخ سلطان بقوله: إننا بدأنا بتأسيس مستشفى في دبي جارتنا وهي لا تبعد عنا بأكثر من خمسة أميال وعما قريب يتم بناؤه، وقد تبرعت لها بعشرة آلاف روبية، وتبرعت الشارقة بعشرين ألفاً، وتبرع الشيخ سعيد بن مكتوم بخمسين ألفاً . (مجلة العرب، أورينت هوتل بلدنك، بومبي، جمادى الثانية 1363 ه، صفحة: 18) .

وكانت تبرعات حاكم وأهالي دبي الأكثر، تليها الشارقة، ودبي هي أغنى إمارات ساحل عمان آنذاك، ولكنه غنى نسبي، فالميزانية العادية للإمارة لا تتجاوز 350 ألف جنيه في السنة (الجنيه يعادل 5،13 روبية آنذاك)، وهو رقم على صغره ضخم بالنسبة لهذا الساحل الفقير، ولكنه لا يسمح بفتح مستشفى كامل كبير . (دولة الإمارات في مجلة العربي، 1960-،1980 إعداد علي محمد راشد، الطبعة الأولى ،1988 الاستطلاع الثاني، العدد 22 سبتمبر ،1960 صفحة: 68-69) .

أصدر الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم عام 1962 أمرا بتشكيل مجلس إدارة لمستشفى المكتوم، يدير ويشرف على الخدمات الطبية في المستشفى وبقية المنشآت الطبية في دبي، وكانت البلدية تضم العديد من اللجان ومنها لجنة الصحة العامة ببلدية دبي، وكان أهم واجباتها العمل على تطوير ورفع المستوى الصحي في البلاد (دبي لؤلؤة الساحل العربي، إصدار دائرة الإعلام، بلدية دبي، عام ،1970 صفحة: 20) .

كان ناصر بن عبداللطيف السركال يرأس لجنة الصحة العامة بالبلدية، ويشغل إضافة لمنصبه عضوية مجلس إدارة مستشفى المكتوم، إضافة إلى عضويته في مجالس إدارات أخرى مثل بنك دبي الوطني وشركة كهرباء دبي وشركة تليفون دبي المحدودة وغيرها .

من المعجم

رِطَنْ: يقال للكلام غير المفهوم رطنة، وفلان يرطن وجماعة يتراطنون أي يتكلمون بكلام أو لغة غير مفهومة، وتقال أكثر شيء لكلام غير العرب، وفي معجم لسان العرب: رطن العجمي يَرْطُنُ رَطْناً: تكلم بلغته . والتراطن: كلام لا يفهمه الجمهور، والعرب تخص بها غالباً كلام العجم .

قصة مثل

"من جدّم الحسنات استوفى اليمايل"

يصرح هذا المثل بأن من قدّم الحسنات استوفى الجمايل وهي جمع الجميل من الأعمال، ويضرب المثل في من يكون في موقف يحتاج فيه إلى الآخرين ليقفوا معه فيجد الكثير من الناس يقفون معه وهؤلاء الناس ممن كان صنع معهم جميلاً وساعدهم ووقف إلى جانبهم في محنتهم في يوم من الأيام.