تضم مدينة البيرة وسط الضفة الغربية، مسجدين يعودان إلى العهد الأيوبي حينما حرر القائد الفاتح صلاح الدين الأيوبي المدينة من الصليبيين، حيث مازال هذان المسجدان شاهدين على الهوية العربية الإسلامية لمدينة البيرة التي تحتل موقعاً استراتيجياً وسط الضفة الغربية نظراً لقربها من مدينة القدس التي كان يتخذها الصليبيون مستوطنة لجيوشهم الغازية.
ويحرص اهالي المدينة على جمع التبرعات الأهلية لترميم المسجدين وتوسيعهما بما يسهم في استيعاب المصلين من أبناء المدينة والقرى المحيطة.
لا يدخر المواطن أبو حميد الذي يتولى الإشراف على متابعة أعمال صيانة وتطوير مسجد العين، أي جهود للحفاظ عليه ويقول ل( الخليج) هذا الجامع كان عبارة عن غرفة صغيرة مقامة بجانب نبع للمياه واستخدمت كمستوصف ومدرسة لتعليم القراءة والكتابة وحسب الدراسات التاريخية فان هذه الغرفة التي أقيمت في العهد الأيوبي أو حتى قبل ذلك كانت تستخدم من قبل الجيوش الإسلامية والصليبيين.
ويضيف ابو حميد يوجد رواق في المسجد منقوشة عليه عبارات باللاتينية وهناك أحاديث تشير إلى أن المسيح عليه السلام استخدمه، الامر الذي يؤشر إلى قدسية هذا المكان وأهميته عبر التاريخ نظرا لموقع مدينة البيرة الاستراتيجي.
ويضم مسجد العين حالياً عدداً من الاقسام بما في ذلك مبنى جديد انشئ في الخمسينات من القرن الماضي وفيه عدة اروقة حيث بات يتسع لقرابة 1500 مصل بعد ان كان يتسع ل 300 مصل فقط، إضافة إلى مصلى خاص بالنساء، كما توجد فيه حالياً مكتبة وغرفة للاجتماعات وتدريس وتحفيظ القران الكريم.
ويوضح ان المسجد حمل اسم العين نسبة إلى نبع المياه الموجود بجانبه والذي يستفاد من مائه في ري الأشجار المحيطة به بعد ان تعرضت للتلوث بمياه الصرف الصحي، الامر الذي يتطلب حلولا من اجل إنقاذ هذا النبع الذي كان يستفيد منه اغلب أهالي المحافظة في وقت سابق.
ويختم حديثه بالقول ان المسجدين (العمري والعين ) في المدينة يشكلان معلمين بارزين في المدينة ويحظيان باهتمام كل من يزور المدينة.
وحسب الدراسات والأبحاث التي اجريت حول المدينة، فان القائد صلاح الدين حرص على الاستفادة من الأبنية التاريخية في المدينة وترميمها وحول اثنين من تلك الأبنية إلى مسجدين هما المسجد العمري ومسجد العين.
استراتيجية أيوبية
ويؤكد الباحث الفلسطيني، عوني الشوامر، في دراسة له حول مدينة البيرة، ان الصليبيين حرصوا على تحويل بلدة البيرة إلى ما يشبه مستوطنة صليبية، حيث بقيت بأيديهم حتى حررت بيد القائد الفاتح صلاح الدين الأيوبي عام(582/ 1187م)، موضحا ان البيرة كانت بمثابة مركز إداري مهم للصليبيين، وكانوا يطلقون عليها اسم المحمّرة وعندما ازدهرت وتطورت أطلق عليها اسم المحمرة الكبرى للتفريق بينها وبين قرية القبيلة التي كانت تعرف باسم المحمرة الصغرى.
وحسب الدراسة ذاتها فانه يتضح من خلال البقايا المعمارية الصليبية بالبيرة، بأن التدمير كان جزئياً وليس كلياً، وربما اقتصر التدمير على المواقع ذات الأهمية الاستراتيجية العسكرية والإدارية كالقلعة الواقعة جنوب المستوطنة والتي كانت تعرف باسم (كوريا Curia) وهي تعرف اليوم باسم الخان، وتقع بجانب مدرسة خولة بنت الأزور للبنات في المدينة، إضافة إلى البرج المحصن الذي يقع شمال الكنيسة.
واستند الباحث في دراسته إلى ياقوت الحموي الذي قال في معجم البلدان إن صلاح الدين قد سيطر على البيرة وخربها، فقد كانت هنالك استراتيجية عسكرية اتبعها القادة الأيوبيون تقضي بتدمير المواقع الصليبية التي يستولون عليها خوفاً من عودة الصليبيين إلى احتلالها والتمركز بها مرة ثانية.
واشار إلى ان إعمار البيرة أعيد في الفترة الأيوبية حيث تطورت وازدهرت بعد خرابها، ومن أهم المعالم المعمارية الأيوبية في البيرة المسجد الأيوبي الذي يعرف باسم المسجد العمري، الذي يقع جنوب الكنيسة الصليبية.
ويتكون المسجد العمري من غرفة واحدة أبعادها(5،5*60،7متر) ويعلو غرفة المسجد عقد ذو شكل برميلي، وفي الجهة الجنوبية منها يقع المحراب أما في الجهة الشمالية لغرفة المسجد فيقع المدخل الذي يعلوه نقش، في ستة اسطر، وكتب بالخط النسخي الأيوبي وتوجد خطوط فاصلة ما بين الأسطر إضافة إلى إفريز يحيط بالنقش، هنالك كسر كبير في حجر النقش، وفقدان للزاوية اليسرى الجنوبية، وبالتالي فقدان بعض الكلمات في آخر النقش.
موقع مميز
من جانبه اشار الدكتور صالح عبد الجواد، في دراسة مماثلة حول اصول تسمية مدينة البيرة وابرز المعالم التاريخية فيها، إلى ان موقع المدينة يرتفع 860م عن سطح البحر، وفي وسط سلسلة جبال القدس وعلى بعد 15 كم إلى الشمال من بيت المقدس، وتدين البيرة تدين بمكانتها واستمرارها إلى كونها نقطة رئيسية على طريق تعتبر منذ فجر التاريخ شريان مواصلات رئيسي في فلسطين ومحطة توقف والتقاط نفس على طريق القوافل التي تربط بين اهم مدينتين فيها: القدس ونابلس، وأسهم في تعزيز هذه المكانة اعتدال مناخها وتضاريسها ولطف هوائها ومائها، وهي عوامل جعلت من الموقع قبلة الانظار حديثاً وقديماً.
وربط عبد الجواد ما بين تسمية المدينة باسم البيرة وبين عيون المياه فيها حيث اشار إلى ان هناك في البيرة من العيون ما هو معروف وغزير مثل العين الواقعة على الطريق الرئيسي (قرب مسجد العين والتي سمي المسجد باسمها). كما ان هناك عيوناً اخرى مشهورة كعين القصعة (شمالا) وعين الجنان (الجنوب الشرقي) وعين ام الشرايط (جنوب غرب)، وعين الملك (جبل قرطيس)، وكذلك العديد من العيون الصغيرة التي تجف في فصل الصيف.
وحسب عبد الجواد فان الحفريات والآثار التي وجدت في انحاء متفرقة من البيرة تدل على انها سكنت قبل زمن طويل، وقد عثر في المدينة على كسرٍ فخارية تعود إلى 3000 ق.م، كما عثر في تل النصبة وفي كهفين من الكهوف العشرين التي تحيط بالموقع على بقايا فخارية تدل على استيطان الموقع قبل اكثر من 3000 عام قبل الميلاد، أي في بداية العهد الكنعاني.
واشار إلى انه وفقاً للحفريات الخمس التي اجرتها بعثة آثار أمريكية فإن المنازل التي اقيمت في الموقع كانت من الشعر والطين، كما استخدم اهل الموقع بعض الكهوف للسكن والبعض الاخر للدفن، وفي عهود لاحقة استخدمت بعض كهوف السكن كمدافن.
لا نعرف الكثير عن البيرة قبل العهد الصليبي، ولكن يمكننا الافتراض من خلال دراسة وضع فلسطين في العهود الاسلامية التي تلت الفتح الاسلامي وحتى سقوط فلسطين بيد الصليبيين، انها كانت اكثر ازدهاراً في الفترة الاموية بسبب اهتمام الأمويين ببلاد الشام بشكل عام وببيت المقدس واكنافها بشكل خاص.
وأشار إلى انه بعد انتصار صلاح الدين الايوبي في معركة حطين عام 1187م وإعادة بيت المقدس إلى أحضان الأمة سقطت المستوطنة التي كان عدد سكانها يتراوح بين 500-700 شخص، معظمهم فرنسيون من مقاطعات الجنوب، ووفقاً لياقوت الحموي فقد قام صلاح الدين بتخريبها حين استنقذها من الافرنج(25) وهي شهادة عززتها ملاحظات رحالة يهودي اسمه صموئيل بار سيمسون كان قد مر بالبلدة عام 1210م، ويبدو ان قرار التدمير كان ناجماً عن خوف صلاح الدين من اعادة احتلال البلدة والتحصن فيها.
وبعد تحريرها بدأت البيرة تتعرب بعد أن عاد قسم من اهلها وغيرهم إليها. وقام اسد بن مالك وهو أحد رجال الامير صارم الدين قيماز النجم بإنشاء المسجد المعروف باسم المسجد العمري عام 1195م الذي ازيلت بقاياه في شباط 1995م.
وهكذا تحولت البيرة لتصبح المركز السياسي والاداري للمسلمين (من الناحية الوظيفية إذ لم تكن لها مكانة دينية) في المنطقة كما اصبحت مركزاً للقضاء الاسلامي.