أشرف على بنائه أمهر المعماريين، بتوجيه من أشهر السلاطين، قدم خدمات جليلة للإسلام والمسلمين، وجمع بين دراسة الطب والآثار، وإقامة شعائر الدين.
أضاف العناصر الهندسية المحلية، التي تتناسب مع الأحوال المناخية، ويقوم شاهدا على عظمة العمارة الإسلامية، بأعماله المرمرية والرخامية والزجاجية والبرونزية والخشبية ولوحاته الخطية وأشكاله الزخرفية.
استغرق تشييده سبع سنوات، وفي مآذنه الأربع، عشر شرفات، تحمل الكثير من المعاني والدلالات.
يقع مسجد السليمانية على ربوة عالية، تطل على القرن الذهبي بمضيق البوسفور، ومن خلفه تقع جامعة اسطنبول، وهو من أكبر المساجد التركية وأشهر مساجد العالم الإسلامي، قام بدور كبير في نشر الدعوة الإسلامية، ونشر المعارف والعلوم الدينية والدنيوية.
جاءت خاماته من بلاد العالم، ومنها الجزيرة العربية وجزيرة مرمرة، تتكامل على محرابه، وقبابه وأبوابه فنون العمارة الإسلامية، وتتجلى فيه الزخارف الهندسية والنباتية واللوحات الخطية التي كتبها أشهر الخطاطين الأتراك (أحمد قرة وحسن شلبي).
تم تشييد المسجد طبقا لنظام المجمعات المعمارية (المجمعات الكلية)، وهو عبارة عن مبنى كبير من حوله مجموعة من الملحقات والمنشآت، يضم المسجد والمدرسة والمستشفى ودار الضيافة والحمام التركي وسبيل الماء والمطبخ والأضرحة، ويحيط بهذا المجمع سور كبير يحمل الملامح المعمارية نفسها.
المآذن والقباب
توجد في أركان المسجد أربع مآذن، المئذنتان الأماميتان أقل طولا، وبكل منهما شرفتان للأذان، والمئذنتان الخلفيتان في كل منهما ثلاث شرفات، ويشير عدد المآذن إلى ترتيب السلطان سليمان القانوني بين السلاطين العثمانيين بعد فتح القسطنطينية، ويشير عدد الشرفات العشر إلى ترتيبه بين سلاطين الدولة العثمانية منذ إنشائها.
وتنتمي المآذن إلى الطراز العثماني، وتشتهر بارتفاعها ورشاقتها.
شيد المسجد على نظام القبة الوسطى، وهي قبة كبيرة الحجم تغطي ساحة الصلاة ويبلغ ارتفاعها عن الأرض 53 مترا، وقطرها 27 مترا، وتحيط بها مجموعة من القباب الصغيرة.
تقوم القبة الكبرى على ثمانية أعمدة رخامية ضخمة، عليها تيجان تزينها المقرنصات والأشكال الزخرفية.
ويمثل جامع السليمانية العصر الذهبي للعمارة العثمانية بأعماله الهندسية وعناصره المعمارية وأبوابه البرونزية ونوافذه الزجاجية ذات الشبابيك الحديدية.
وللسلطان مقصورة بالمسجد يؤدي فيها الصلاة، وساحة الصلاة تأخذ شكل المستطيل، وهي مغطاة بألواح المرمر الأبيض، وتتسع لخمسة آلاف من المصلين.
وبالمسجد مجموعة من الأضرحة منها ضريح السلطان سليم الأول، وضريح السلطان سليمان الأول، وضريح زوجته، وفي حديقة المسجد ضريح سنان باشا.
وقد دفن السلطان سليمان في ضريح يؤدي إليه ممر به 28 عمودا، عليه باب من الأبنوس المطعم بالعاج، وعلى القبر قبة مزخرفة تحملها أعمدة بيضاء ووردية.
تتكامل عناصر الزخرفة الإسلامية في محراب مسجد السليمانية بأشكالها الهندسية والنباتية ولوحاتها القرآنية، وبجواره منبر رخامي من المرمر الأبيض، وتعكس نوافذه الزجاجية الملونة أضواء النهار الخارجية.
يقع المسجد وسط مساحات واسعة من المروج الخضراء، التي تضفي على المكان جمالا واكتمالا مع مآذن المسجد وقبابه في لوحة جميلة تتناغم مع السماء الزرقاء.
وهناك أربع مدارس عالية ملحقة بالمسجد، تتخصص في علوم الطب والآثار الإسلامية والدراسات الإسلامية.
ويقدم المسجد خدمات متكاملة لطلاب العلم من خلال الأساتذة المتخصصين، والمكتبة العامة وقاعات المحاضرات، كما يقدم المسجد خدمات اجتماعية، وإنسانية للمحتاجين وعابري السبيل،إذ يقدم لهم الوجبات المجانية وأماكن للضيافة والكثير غيرها من الخدمات.
سليمان القانوني
ينتسب مسجد السليمانية إلى السلطان سليمان الأول القانوني، الذي كلف المعماري الكبير سنان باشا ببنائه سنة 1550م، واستمر العمل به مدة سبع سنوات، وتم افتتاحه سنة 1557م، وهو من أكبر المساجد في مدينة المساجد (اسطنبول)، وفي تركيا بوجه عام.
أنشأ السلطان سليمان القانوني مجموعة متكاملة ومتميزة من العمائر الإسلامية، منها جامع السليمانية، وقام بترميم السور الحالي بالقدس، كما شيد القناطر المعلقة والقصر الكبير، وقبر أبي حنيفة في بغداد، وقبر جلال الدين في قونية، وقناطر مكة المعلقة، ومسجد السليمية تخليدا لذكرى والده السلطان سليم الأول ومسجد شاه زاده.
والسلطان سليمان الأول 1495م 1566م هو أشهر السلاطين العثمانيين، حكم الإمبراطورية العثمانية لمدة 46 عاما من سنة 1520م، وشهدت فترة حكمه ازدهارا كبيرا في المجالات العلمية، والمعمارية، والعسكرية، ومشهود له بالعدل والتقوى والورع، نسخ القرآن الكريم بيده 8 مرات، وتضاعفت مساحة الإمبراطورية العثمانية في عهده، فتح شمال إفريقيا، وقضى على إمبراطورية المجر، ودخل فيينا وبلجراد.
قاد بنفسه 13 حملة عسكرية، منها عشر حملات في أوروبا، وثلاث حملات في آسيا، وقد عرف بقوانينه وتنظيماته التي حملت اسم (قانون نامة سلطان سليمان) أي دستور السلطان سليمان، واستمرت هذه القوانين مطبقة حتى القرن التاسع عشر الميلادي، وأطلق عليه الأتراك لقب سليمان القانوني، والأوروبيون لقب سليمان العظيم، وقع معاهدة مع فرانسيس الأول ملك فرنسا (معاهدة الامتيازات الأجنبية)، ومات أثناء حصار مدينة سيكتوار بالمجر في 5 سبتمبر/أيلول 1566م، ومن ألقابه: سليمان خان، وسلطان السلاطين، وهو من مواليد اسطنبول.
المساجد العثمانية
تأثرت المساجد العثمانية بعمارة مساجد الإسلام الأولى في الجزيرة العربية، والمساجد الجامعة بالكوفة والبصرة والفسطاط، ومن بعدها مساجد منطقة الأناضول التي ظهرت خلال القرن الثاني عشر الميلادي، كما تأثرت بالعمارة المملوكية في مصر، والعمارة الفارسية في الشرق، والبيزنطية في الغرب، وأضافت المساجد العثمانية عناصر معمارية جديدة تتناسب مع ظروف البيئة المحلية، ومنها سقوط الأمطار، وقلة الأضواء، وشدة الرياح، مما استدعى تغطية سقف المسجد، والاهتمام بالقباب.
وتشتهر مدينة اسطنبول بمساجدها العريقة، ومنها آيا صوفيا، وبايزيد الثاني، والسلطان أحمد والسلطان سليم الأول، وكانت مدينة اسطنبول هي عاصمة الدولة العثمانية، وسميت من قبل القسطنطينية والاستانة، وتمثل هذه المدينة نقطة التقاء وتداخل للحضارتين الآسيوية والأوروبية.
يأتي مسجد السليمانية بفنونه الهندسية والمعمارية، وبدوره في الدعوة الإسلامية، وإسهاماته التعليمية والاجتماعية في طليعة المساجد التي قامت بدور كبير في عمارة الدنيا.