القاهرة - "الخليج":
يروي مسجد "طنبغا المرداني" الكائن في حي الدرب الأحمر الشهير في مصر، واحدة من أكثر قصص إهمال الآثار الإسلامية ألماً وحزناً في آن، فالمسجد الذي يعد درة مساجد المملوكية في مصر القديمة، لا يزال يئن تحت وطأة إهمال جسيم، حول تلك التحفة المعمارية التي لا تضاهيها تحفة في رونقها وبهائها إلى طلل، بعدما زحفت عليه تقلبات الدهر، وأصبح أثراً بعد عين .
يتوسط مسجد المرداني شارع باب الوزير، ويقف مثل قنديل قديم على رأس حارة التبانة التي تتوسط بدورها الشارع العتيق، في حي الدرب الأحمر، الذي يعد بدوره واحداً من أقدم مناطق القاهرة التاريخية، حيث يضم الشارع وحده نحو 65 أثراً إسلامياً، يتصدرها الجامع الأزهر .
يبدأ حي الدرب الأحمر من بوابة المتولي، وينسل إلى عمق القاهرة التاريخية حتى يصل إلى شارع التبانة، وقد ذكره المقريزي في خططه، وأطلق عليه اسم حارة اليانسيه، ويضم الحي إلى جانب ما يحفل به من آثار إسلامية عريقة، العديد من الشوارع التاريخية التي تشتهر بالصناعات اليدوية من كل لون، وفي مقدمتها شارع تحت الربع، وشارع باب زويلة، بمنطقة المغربلين التي سميت بهذا الاسم نسبة للحرفة النشطة في هذه المنطقة، بحكم اتساع تجارة الحبوب فيها، والمغربلين هم تلك الشريحة التي كانت تقوم على تنظيف الحبوب من الشوائب، باستخدام الغربال .
ومسجد المرداني هو واحد من بين أربعة مساجد شهيرة في شارع باب الوزير، هي مسجد أصلم السلحدار، ومسجد السلطان المؤيد شيخ المحمودي، ومسجد أحمد المهمندار، ويرجع تاريخ بناء هذا المسجد إلى العام 740 هجرية، في عهد الأمير علاء الدين الطنبغا بن عبد الله المرداني، الساقي المعروف بالطنبغا المرداني، وكان أحد مماليك السلطان الناصر محمد بن قلاوون، لكنه ترقى في القصر السلطاني، حتى عينه السلطان في وظيفة الساقي، وهو ذلك الشخص المسؤول عن مد السماط وتقطيع اللحم وتقديم الشراب للسلطان بعد رفع السماط .
تدرج علاء الدين الطنبغا في القصر حتى عينه السلطان أميراً للطبلخانة، وهو منصب يحظى به أمراء الطبقة الثانية، ويخول صاحبه أن تكون له الإمرة على أربعين فارساً، والطبلخانة هي الدار التي كانت مخصصة للآلات الموسيقية التي تعزف على أبواب القصر السلطاني، ثم أمير مئة ومقدم ألف وجميعها مواقع كانت تشي بمقربته من السلطان، الذي أمر بعد فترة بتزويجه من إحدى بناته، لكن الرياح لم تأت بما تشتهي السفن، إذ سرعان ما انقلب هذا القرب إلى عداء مع السلطان الجديد، فبعد وفاة الناصر محمد تولى السلطنة ابنه المنصور أبو بكر، فأمر بإلقاء القبض على الطُنبغا وسجنه واستمر الأخير في ظلمات السجون سنوات، حتى تولى أمر البلاد السلطان كُجك بن الناصر فأفرج عنه، ولما تولى بعده أخوه السلطان الصالح إسماعيل، عينه نائباً على حماة، ثم نائباً على حلب، فاستمر بها إلى أن توفي في العام 744 هجرية .
ويعد مسجد الطنبغا واحداً من أكثر المساجد في مصر تفرداً في معماره، بل إن منبره يعد أحد أقدم أربعة منابر في مصر، وقد تعرض المسجد قبل سنوات لحادث سطو، تسبب في سرقة المنبر، الذي يعد تحفة معمارية فريدة، فهو مكون من حشوات نجمية مطعمة بالعاج والنحاس المحشو داخل قوائم خشبية، وقد كشفت التحقيقات التي أجرتها النيابة حينذاك أن من سرقوا المنبر، لصوص محترفون، لأنهم تمكنوا من فك القطع الأثرية النادرة من داخل الحشوات الخشبية، التي لصقت بها بطريقة العاشق والمعشوق .
ومن المفارقات أن المسجد كان قد تعرض في أواخر القرن التاسع عشر، لسرقة مشابهة، حيث سرق اللصوص المحترفون أيضاً، نحو أربعين حشوة من حشوات المنبر، في أوائل السبعينات من القرن التاسع عشر، وقيل إن عدداً كبيراً من هذه القطع تسربت إلى أوروبا، قبل أن يعثر عليها بالصدفة، أحد أعضاء لجنة حفظ الآثار العربية لدى أحد تجار الآثار بالقاهرة في العام ،1901 فاشترتها اللجنة وأعادت تركيبها في مواضعها بالمنبر .
وعلى غرار المساجد التي بنيت في تلك الفترة، يتميز مسجد الطنبغا، برواق القبلة ودكة المبلغ، والأخيرة مصنوعة من الرخام، ومحمولة على اثني عشر عموداً من الرخام، ويقول المقريزي في خططه إن المهندس الذي تولى مهمة إنشاء الجامع كان المُعلم ابن السيوفي رئيس المهندسين أيام الناصر محمد بن قلاوون .
جددت لجنة حفظ الآثار العربية الجامع في العام 1884 وكان شبه متخرب، وجدرانه مائلة متداعية، ومئذنته ناقصة من أعلاها، وأكثر كسواته الرخام مفقودة، وقد قامت اللجنة حينذاك بصلب الجدران المتداعية، قبل أن تبدأ في العام 1896 بأعمال إصلاح وترميم شامل، فأقامت الجدران المتداعية، وأبدلت بعض الأعمدة، وأصلحت الوزرات والمحراب والمنبر والشبابيك والأبواب، بل وأعادت بناء القبة فوق المحراب، وبناء الدورة العليا من المئذنة، قبل أن يضرب الإهمال المسجد من جديد، حيث يعاني الآن الإهمال وتصدعات في الحوائط، على أن أخطر ما يهدد الجامع بحق هو المباني الحديثة التي بنيت بلا تراخيص حوله، الأمر الذي بات يهدد سلامة بنيانه، وهو ما صار يلزم الجهات المعنية بحفظ وحماية التراث الإسلامي في مصر، بالتدخل السريع لإنقاذ واحد من أكثر كنوز منطقة الدرب الأحمر .
يروي مسجد "طنبغا المرداني" الكائن في حي الدرب الأحمر الشهير في مصر، واحدة من أكثر قصص إهمال الآثار الإسلامية ألماً وحزناً في آن، فالمسجد الذي يعد درة مساجد المملوكية في مصر القديمة، لا يزال يئن تحت وطأة إهمال جسيم، حول تلك التحفة المعمارية التي لا تضاهيها تحفة في رونقها وبهائها إلى طلل، بعدما زحفت عليه تقلبات الدهر، وأصبح أثراً بعد عين .
يتوسط مسجد المرداني شارع باب الوزير، ويقف مثل قنديل قديم على رأس حارة التبانة التي تتوسط بدورها الشارع العتيق، في حي الدرب الأحمر، الذي يعد بدوره واحداً من أقدم مناطق القاهرة التاريخية، حيث يضم الشارع وحده نحو 65 أثراً إسلامياً، يتصدرها الجامع الأزهر .
يبدأ حي الدرب الأحمر من بوابة المتولي، وينسل إلى عمق القاهرة التاريخية حتى يصل إلى شارع التبانة، وقد ذكره المقريزي في خططه، وأطلق عليه اسم حارة اليانسيه، ويضم الحي إلى جانب ما يحفل به من آثار إسلامية عريقة، العديد من الشوارع التاريخية التي تشتهر بالصناعات اليدوية من كل لون، وفي مقدمتها شارع تحت الربع، وشارع باب زويلة، بمنطقة المغربلين التي سميت بهذا الاسم نسبة للحرفة النشطة في هذه المنطقة، بحكم اتساع تجارة الحبوب فيها، والمغربلين هم تلك الشريحة التي كانت تقوم على تنظيف الحبوب من الشوائب، باستخدام الغربال .
ومسجد المرداني هو واحد من بين أربعة مساجد شهيرة في شارع باب الوزير، هي مسجد أصلم السلحدار، ومسجد السلطان المؤيد شيخ المحمودي، ومسجد أحمد المهمندار، ويرجع تاريخ بناء هذا المسجد إلى العام 740 هجرية، في عهد الأمير علاء الدين الطنبغا بن عبد الله المرداني، الساقي المعروف بالطنبغا المرداني، وكان أحد مماليك السلطان الناصر محمد بن قلاوون، لكنه ترقى في القصر السلطاني، حتى عينه السلطان في وظيفة الساقي، وهو ذلك الشخص المسؤول عن مد السماط وتقطيع اللحم وتقديم الشراب للسلطان بعد رفع السماط .
تدرج علاء الدين الطنبغا في القصر حتى عينه السلطان أميراً للطبلخانة، وهو منصب يحظى به أمراء الطبقة الثانية، ويخول صاحبه أن تكون له الإمرة على أربعين فارساً، والطبلخانة هي الدار التي كانت مخصصة للآلات الموسيقية التي تعزف على أبواب القصر السلطاني، ثم أمير مئة ومقدم ألف وجميعها مواقع كانت تشي بمقربته من السلطان، الذي أمر بعد فترة بتزويجه من إحدى بناته، لكن الرياح لم تأت بما تشتهي السفن، إذ سرعان ما انقلب هذا القرب إلى عداء مع السلطان الجديد، فبعد وفاة الناصر محمد تولى السلطنة ابنه المنصور أبو بكر، فأمر بإلقاء القبض على الطُنبغا وسجنه واستمر الأخير في ظلمات السجون سنوات، حتى تولى أمر البلاد السلطان كُجك بن الناصر فأفرج عنه، ولما تولى بعده أخوه السلطان الصالح إسماعيل، عينه نائباً على حماة، ثم نائباً على حلب، فاستمر بها إلى أن توفي في العام 744 هجرية .
ويعد مسجد الطنبغا واحداً من أكثر المساجد في مصر تفرداً في معماره، بل إن منبره يعد أحد أقدم أربعة منابر في مصر، وقد تعرض المسجد قبل سنوات لحادث سطو، تسبب في سرقة المنبر، الذي يعد تحفة معمارية فريدة، فهو مكون من حشوات نجمية مطعمة بالعاج والنحاس المحشو داخل قوائم خشبية، وقد كشفت التحقيقات التي أجرتها النيابة حينذاك أن من سرقوا المنبر، لصوص محترفون، لأنهم تمكنوا من فك القطع الأثرية النادرة من داخل الحشوات الخشبية، التي لصقت بها بطريقة العاشق والمعشوق .
ومن المفارقات أن المسجد كان قد تعرض في أواخر القرن التاسع عشر، لسرقة مشابهة، حيث سرق اللصوص المحترفون أيضاً، نحو أربعين حشوة من حشوات المنبر، في أوائل السبعينات من القرن التاسع عشر، وقيل إن عدداً كبيراً من هذه القطع تسربت إلى أوروبا، قبل أن يعثر عليها بالصدفة، أحد أعضاء لجنة حفظ الآثار العربية لدى أحد تجار الآثار بالقاهرة في العام ،1901 فاشترتها اللجنة وأعادت تركيبها في مواضعها بالمنبر .
وعلى غرار المساجد التي بنيت في تلك الفترة، يتميز مسجد الطنبغا، برواق القبلة ودكة المبلغ، والأخيرة مصنوعة من الرخام، ومحمولة على اثني عشر عموداً من الرخام، ويقول المقريزي في خططه إن المهندس الذي تولى مهمة إنشاء الجامع كان المُعلم ابن السيوفي رئيس المهندسين أيام الناصر محمد بن قلاوون .
جددت لجنة حفظ الآثار العربية الجامع في العام 1884 وكان شبه متخرب، وجدرانه مائلة متداعية، ومئذنته ناقصة من أعلاها، وأكثر كسواته الرخام مفقودة، وقد قامت اللجنة حينذاك بصلب الجدران المتداعية، قبل أن تبدأ في العام 1896 بأعمال إصلاح وترميم شامل، فأقامت الجدران المتداعية، وأبدلت بعض الأعمدة، وأصلحت الوزرات والمحراب والمنبر والشبابيك والأبواب، بل وأعادت بناء القبة فوق المحراب، وبناء الدورة العليا من المئذنة، قبل أن يضرب الإهمال المسجد من جديد، حيث يعاني الآن الإهمال وتصدعات في الحوائط، على أن أخطر ما يهدد الجامع بحق هو المباني الحديثة التي بنيت بلا تراخيص حوله، الأمر الذي بات يهدد سلامة بنيانه، وهو ما صار يلزم الجهات المعنية بحفظ وحماية التراث الإسلامي في مصر، بالتدخل السريع لإنقاذ واحد من أكثر كنوز منطقة الدرب الأحمر .