بات من يتحدث عن العروبة وكأنه يغرد خارج السرب، فما طرأ من تطورات متسارعة جعل العديد من المثقفين يبدلون قناعاتهم، وأضحت الثوابت عندهم متغيرات، بل إن منهم من يأسى لأنه عاش ذات يوم هذا الوهم، لكن د.عبادة كحيلة في كتابه ورقات في الزمن الصعب الصادر عن دار العين للنشر يمتلك قدراً كبيراً من التفاؤل إذ يرى أن ما يحدث وليد لحظة آنية سوف تنزاح غمتها في مدى منظور لأن هويات الأمم وخصوصياتها، التي تشكلت عبر السنين لا يمكن أن تفصم عراها في بضع سنين.

لذلك نرى د.عبادة يتوقف بالتحليل والشرح لما كتبه ابن خلدون وجمال حمدان وغيرهما من مفكري هذه الأمة، فيطالعنا بصفحات كتبها د.حمدان في كتابيه دراسات في العالم العربي وشخصية مصر فيذهب المفكر الراحل الكبير إلى أن الوطن العربي، بحدوده المعروفة لنا، يشكل إقليماً واحداً بين أقاليم العالم، وتسوده وحدتان: وحدة تركيبية، ويقصد بها الحد الأقصى من التجانس الداخلي، والحد الأقصى من التنافر الخارجي، ووحدة أخرى وظيفية، أي التكامل في الوظائف السيكولوجية والثقافية والاقتصادية، ويصل هذا التكامل في الوحدة السياسية، وعند جمال حمدان فهذا الوطن يتمتع بقدر كبير من الوحدة التركيبية خاصة في جانب التنافر الخارجي، وبقدر أكبر منه في الوحدة الوظيفية.

وفي كتابه شخصية مصر يقرر حمدان أن المصريين من أكثر الشعوب تجانساً، وقد وضح الأساس لهذا التجانس في عصر ما قبل التاريخ، ولكنه لم يمنع من كونهم ومن جاورهم من شعوب ينتمون جميعهم إلى سلالة جنسية واحدة، كما أن التدفقات الخارجية إلى مصر كانت أسيرة الموقع والموضع معاً، وكانت هذه التدفقات بالأساس غزوات لا هجرات، لم تترك تأثيراً في التكوين العرقي للمصريين، لعزلة هؤلاء الغزاة النسبية عن سائر المصريين.

ويؤكد حمدان أن الهجرات الحقيقية إلى مصر ثلاث هجرات: الهكسوس وبنو إسرائيل والعرب، وجميعهم رعاة وساميون، والهجرتان الأولى الثانية عاشتا بمعزل عن المصريين إلى أن رحلتا عن البلاد، أما الهجرة العربية فكانت أول إضافة حقيقية إلى تكوين الشعب المصري وآخرها، منذ أن وضعت قاعدة الأساس في عصور ما قبل التاريخ، وهذه الهجرة العربية أتت إلى مصر على مراحل، بعضها سابق للإسلام والبعض الآخر والأهم أتى مع الإسلام، خصوصاً في أعقاب الفتح ثم في الفترتين الفاطمية والأيوبية.

ويوضح حمدان أن هذه الهجرات العربية لم تغير التركيبة الأساسية للسكان، لأن العنصر العربي يعود إلى أصل قاعدي واحد مشترك مع العنصر المصري، بخلاف ما كانت عليه الحال في السودان الذي تتضح فيه الدماء العربية أكثر مما تتضح في مصر، لأنها تختلف عن الأصل القاعدي السابق لتوافد هذه الدماء، والأهم بالنسبة لهذه الهجرة، هو ما صاحبها من تغيير في القلب واللسان، أي الدين واللغة، ما أدى إلى انقلاب كبير في تاريخ مصر وشخصيتها منذ نشأة الحضارة الزراعية قبل الفرعونية حتى مقدم الحضارة الغربية الحديثة، وهو انقلاب بالمعنى الحضاري كما يرى حمدان.

وينتهي حمدان إلى أن مصر فرعونية بالجد عربية بالأب وكل من الجد والأب من أصل جد أعلى واحد مشترك، غير أن العرب هنا وقد غيروا ثقافة مصرهم بالدقة والتحديد الأب الاجتماعي في الدرجة الأولى وليس الأب البيولوجي إلا في الدرجة الثانية، وعلى هذا الأساس فإن عروبة مصر محسومة بالنسبة لجمال حمدان الذي يعتز بأصولها الفرعونية، ومع ذلك يؤكد أن أعظم أمجاد مصر الوطنية تحققت في إطار القومية، فتوسع القرن التاسع عشر أكبر من توسع الفراعنة وأعظم معارك مصر لم تكن معركة تحتمس ورمسيس الثاني، إنما كانت معارك صلاح الدين وقطز وبيبرس ومحمد علي.

وهكذا فإن قدر مصر في الوحدة العربية وهو قدر كما يقول حمدان يفرضه عليها أمنها، فبعض الأقطار العربية أقرب مسافة إلى مصر، أو أجزاء من مصر، والأخطار التي واجهتها جاءت أساساً من الشمال والشرق، وربما لا يكون الشام في ذاته مقراً للخطر لكنه ممر للخطر، ولذا فمن يهدد أمن الشام يهدد تلقائياً أمن مصر، بل إن معظم معارك مصر منتصرة أو مهزومة خاضتها على أرض الشام.

وفي سبيل الدفاع عن عروبة مصر خاض د.عبادة كحيلة معركة مع كاتب يدعى محمد البدري كتب مقالاً بعنوان المصريون ليسوا عرباً واعتبر كحيلة أن هذا المقال رافد في تيار بدأ غداة العدوان الأمريكي على العراق، وقد وصل هذا التيار إلى حد أن يحاول أحدهم بعث اللغة المصرية القديمة، باعتبار العربية لغة غريبة عنا، أتى بها غزاة غرباء عنا.

مقال البدري مليء بالأكاذيب، فالعرب لدى فتحهم مصر أحرقوا مكتبة الإسكندرية، وكما يقول كحيلة فإن هذا دليل فادح على جهالة بتاريخ وطنه، فحرق العرب لهذه المكتبة كذبة كبيرة، تم فضحها على نحو قاطع قبل مائة عام من قبل مؤرخين كبار، لا نسب لهم في عدنان ولا قحطان.

ويوحد البدري بين مفهوم العروبة ومفهوم البداوة ليزعم أن العرب لم يعرفوا الاستقرار الذي يؤهل لقيام الحضارة، وهنا يذكر كحيلة أن العرب عرفوا الحضارة وأسسوا دولاً كما عرفوا التراث المعماري.