يأتي مرض الموت صعباً شاقاً، ويترك آثاره على صاحبه، واليوم نعيش مع اللحظات والساعات الأخيرة في حياة الصحابي الجليل معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، والذي راح وهو في النزع الأخير وفي وقت الاحتضار يناجي ربه سبحانه وتعالى وتخرج من على لسانه العبارات والعظات صعبة بطيئة متقطعة، يدعو ويقول: «اللهم أقل العثرة، واعف عن الزلة، وتجاوز بحلمك عن جهل من لم يرج غيرك، فما وراءك مذهب». وقال أيضاً: «هل الدنيا إلا ما ذقنا وجربنا؟! والله لوددت أنى لم أغبر فيكم إلا ثلاثاً، ثم ألحق بالله». قالوا: إلى مغفرة الله ورضوانه، قال: «إلى ما شاء الله، قد علم الله أنى لم آل، ولو أراد الله أن يغير غير».
يروي ابن كثير في كتابه «البداية والنهاية»، أنه أغمي على معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه في سكرات الموت ثم أفاق فقال لأهله: «اتقوا الله، فإن الله يقي من اتقاه ولا يقي من لا يتقي»، وجعل معاوية رضي الله عنه لما احتضر يضع خده على الأرض ثم يقلب وجهه ويضع الخد الآخر ويبكي ويقول: «اللهم إنك قلت في كتابك: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ)، (سورة النساء الآية: 48)، اللهم اجعلني ممن تشاء أن تغفر له»، ومن دعائه في ذلك اليوم: «اللهم أقل العثرة، واعف عن الزلة، وتجاوز بحلمك عن جهل من لم يرج غيرك، فإنك واسع المغفرة، ليس لذي خطيئة من خطيئته مهرب إلا إليك» ثم مات. وجاء في رواية: «اللهم إني قد أحببت لقاءك فأحبب لقائي»، وقد أوصى معاوية بنصف ماله أن يرد إلى بيت المال كأنه أراد أن يطيب له.
«تباً للدنيا ومحبيها»
ويؤكد أبوبكر عبدالله بن محمد بن أبي الدنيا في كتاب «المحتضرون»، أن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه قال وهو يُقَلبّ في مرضه، وقد صار كأنه سعفة محترقة: «أي شيخ تقلِّبون إن نجاه الله من النار غداً؟»، وقال الحسن البصري: «دُخل على معاوية وهو بالموت، فبكى، فقيل: ما يبكيك؟ قال: ما أبكي على الموت أن حل بي، ولا على دنيا أخلفها، ولكن هما قبضتان: قبضة في الجنة، وقبضة في النار، فلا أدري في أي القبضتين أنا».
وذكروا أنه في آخر عمره اشتد به البَرْدُ، فكان إذا لبس أو تغطَّى بشيء ثقيل يَغُمُّه، ثم ثقل عليه بعد ذلك، فقال: «تبَّاً لك من دار ملكتك أربعين سنة، عشرين أميراً، وعشرين خليفة، ثم هذا حالي فيك، ومصيري منك، تباً للدنيا ومُحبِّيها». وكان يقول لما نزل به الموت: «يا ليتني كنت رجلاً من قريش بذي طوى ولم أَلِ من هذا الأمر شيئاً».
الخطبة الأخيرة
وكانت آخر خطبة خطبها معاوية رضي الله عنه قوله: «أيُّها الناس إن من زرع قد استحصد، وإني قد وليتكم ولن يليكم أحد بعدي إلا من هو شر مني، كما كان من وليكم قبلي خيراً مني، ويا يزيد إذا وفى أجلي فوَلِّ غسلي رجلاً لبيباً، فإن اللبيب من الله بمكان، فليُنعم الغسل، وليجهر بالتكبير، ثم اعمد إلى منديل في الخزانة فيه ثوب من ثياب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقُراضة من شعره وأظفاره، فاستودع القراضة أنفي وفمي وأُذُنيَّ وعيْنيَّ، واجعل الثوب يلي جلدي دون أكفاني، ويا يزيد احفظ وصية الله في الوالدين، فإذا أدرجتموني في جريدتي، ووضعتموني في حفرتي فخلوا معاوية وأرحم الراحمين».
يقول حقي إسماعيل في كتاب «الوصية السياسية في العصر العباسي»: «لما حضر معاوية الموت وذلك سنة 60ه وكان يزيد غائباً، دعا بالضحاك بن قيس الفهري وكان صاحب شرطته، ومسلم بن عقبة المري، فأوصى إليهما فقال: بلغا يزيد وصيتي، انظر أهل الحجاز فإنهم أصلك، فأكرم من قدم عليك منهم وتعهد من غاب، وانظر أهل العراق، فإن سألوك أن تعزل عنهم كل يوم عاملاً فافعل، فإن عزل عامل أحب إلي من أن تشهر عليك مئة ألف سيف، وانظر أهل الشام فليكونوا بطانتك وعيبتك فإن نابك شيء من عدوك فانتصر بهم، فإن أصبتهم فاردد أهل الشام إلى بلادهم، فإنهم إن أقاموا بغير بلادهم أخذوا بغير أخلاقهم».
موحد العرب
وقال أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني في كتاب «الإصابة في تمييز الصحابة»: «مات معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه في رجب سنة ستين على الصحيح وصلى على معاوية الضحاك بن قيس الفهري، وكان يزيد غائباً حين مات معاوية، فقد خرج الضحاك حتى صعد المنبر وأكفان معاوية على يديه تلوح، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن معاوية كان عود العرب، وحدّ العرب، قطع الله عز وجل به الفتنة وملَّكهُ على العباد، وفتح به البلاد. ألا إنه قد مات، فهذه أكفانه فنحن مدرجوه فيها، ومدخلوه قبره، ومُخَلُّون بينه وبين عمله، ثم هو البرزخ إلى يوم القيامة، فمن كان منكم يريد أن يشهده فليحضر عند الأولى، وبعث البريد إلى يزيد بوجع معاوية وقد اختلف المؤرخون هل حضر يزيد وفاة أبيه أم لا؟ والصحيح أن يزيد لم يدرك والده حياً وإنما جاء بعد موته». وقال الطبري: «في هذه السنة هلك معاوية بن أبي سفيان بدمشق، فاختلف في وقت وفاته بعد إجماع جميعهم على أن هلاكه كان في سنة ستين من الهجرة وفي شهر رجب».