شهدت الثقافة العربية خلال السنوات الأخيرة إنتاجاً روائياً لافتاً، حيث يؤكد البعض أن الروايات التي تصدر في عام تفوق ماكان يصدر في عقد كامل، وهي موجة تطال معظم البلدان العربية، الأمر الذي رآه بعض المحللين مرهقاً بالنسبة للقارىء والناقد معاً، بل وللدارس أيضاً .
الرواية أصبحت ظاهرة أسهمت فيها عوامل عدة، وهي عوامل تحتاج إلى البحث والتمحيص وأيضاً النقد الذي يقيم كل هذا الزخم المحيط بها ليخبرنا هل هو زخم صحي ومفيد؟ وهل تمخض التراكم الكمي عن نقلة كيفية في أساليب وتقنيات الرواية؟ وما الذي يمكن للرواية أن تضيفه للثقافة العربية؟، وكلها أسئلة باتت تفرض نفسها بقوة حاولنا الاقتراب منها في التحقيق التالي .
يرى الروائي الكبير بهاء طاهر أن السبب الحقيقي وراء صعود الرواية إلى قمة الهرم الأدبي، يرجع إلى أنها أصبحت أقرب الفنون إلى ملامسة الواقع، والتعبير عن قضاياه المختلفة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، فأصبحت الرواية أشبه بالسجل التاريخي، وإن جاءت لغتها في كثير من الأحيان رمزية لكنها بالتالي متشعبة الدلالة، فإذا أردت الآن أن تعرف أحوال أي بلد ما ومدى تقدمه أو تأخره، فإن ذلك يظهر جلياً فيما ينتجه كتابه من رواية .
ويضيف بهاء طاهر: الإصدار الكمي المتزايد الذي شهد طفرة نوعية غير مسبوقة في عدد الروايات التي تضخها المطابع، شهد أيضاً بالتوازي طفرة كيفية، بمعنى جودة المنتج الروائي، فعدد كبير من الروايات التي تصدر الآن خاصة من الجيل الجديد تبشر بالخير، وتؤكد أن هناك جيلاً يمتلك وعياً جيداً بتقنيات الكتابة، كما أنه يمتلك رؤية خاصة في تقييم الأحداث .
وعلى مدى العقود الماضية أرى أن الرواية المصرية قد شهدت تطوراً نحو مزيد من الصدق والشفافية، فاللغة الروائية تخلت عن البلاغة والزخرفة الزائدة، التي كانت موجودة عند جيل الرواد، فاللغة عند الجيل الجديد وصلت إلى حد البساطة لتصبح أكثر قرباً من الحياة اليومية، والموضوعات التي تتناولها الرواية أصبحت تتجه إلى مزيد من الصدق والواقعية، لم تعد الكتابة إذن نوعاً من دغدغة المشاعر أو جنوحاً نحو التخييل المفرط . . إن المنتج الروائي الآن يحقق ما وصفه الراحل الكبير يحيى حقي ب أنشودة البساطة .
أما الناقد د .عبد المنعم تليمة فيقول: الخريطة الإبداعية على مدار تاريخها خريطة غير مستقرة، وما يحدث الآن من علو كعب الرواية فأنا أرحب به على أنه محاولة واجتهاد إبداعي ليس بالصورة النهائية، لأنه لا شيء نهائي في الفن والإبداع، لكنها على كل حال صورة جيدة للتجديد الإبداعي، فقبل ذلك عشنا أجيالاً من الشعر، بدأت مهمة القصيدة العربية في التطور بداية من مدرسة الإحياء بقيادة البارودي، وظلت القصيدة تبحث عن مناطق جمالية عند جبران، وخليل مطران، ومحمود حسن إسماعيل، وصولاً إلى صلاح عبد الصبور، وأحمد عبد المعطي حجازي، وعبد الرحمن الشرقاوي .
ويرى د . تليمة أن الزخم الروائي الآن أضاف إضافة نوعية للرواية العربية، لأنه جاء نتيجة تراكم زمني فتميز الرواية من وجهة نظره بدأ مع جيل الستينات من خلال مجموعة متميزة من الروائيين العرب أمثال الطيب صالح، وإبراهيم الكوني، وعبد الرحمن منيف، وجمال الغيطاني، وصنع الله إبراهيم، وإبراهيم أصلان، ومحمد شكري، والطاهر وطار، وغيرهم، هؤلاء هم الذين صنعوا المسار المتميز للرواية العربية، من خلال رؤية نهضوية صنعت أشكالاً متنوعة من الكتابة الروائية، ظهر فيها جلياً عمق ثقافة هذا الجيل، والذي سلم الراية بعد ذلك لأجيال اتسمت بالتمرد والتجريب .
ويؤكد د . تليمة أن الجوائز وكثرة الملتقيات ليست معياراً للجودة، ولكنها قد تكون مؤشراً إلى ما تحققه الرواية من نجاحات على مستوى النشر والمبيعات، إنما المعيار الحقيقي للجودة يكمن من وجهة نظره فيما تقدمه الرواية من جماليات فنية .
أما مقولة زمن الرواية فيراها د . تليمة غير سليمة تماماً ويقول: لا زمن لفن معين، ففي جميع الأزمنة تتلاقح الفنون وتتكامل وتتآزر، بعضها يستفيد من بعض، وبعضها يكمل بعضاً، وإلا لماذا نقول عن رواية أن لغتها شاعرية؟ ويضيف تليمة: أعتقد أن قصيدة النثر الجديدة استفادت من لغة الرواية والقصة القصيرة، كما أن الرواية والقصة استفادت من الفنون البصرية مثل السينما، وهكذا فلا وجود لفن أو أدب دون غيره من الأنواع الفنية الأخرى .
ويؤكد الروائي منتصر القفاش أن المنتج الروائي يأتي تميزه ليس من خلال كثرة الجوائز المرصودة له أو التي نالها وإنما من خلال سمات عدة يتسم بها هذا المنجز أولها الرؤية غير اليقينية للواقع، ما جعل كثيراً من الأعمال الروائية تدور في إطار من الصراع النفسي والروحي، وهذا ربما ما جعل كثيراً من الروايات البدايات فيها تبدو احتمالاً من بين احتمالات كثيرة، فالراوي لا يستطيع الاستقرار على بداية بعينها، ولا يريد أن يظهر بمظهر الواثق المالك لعالمه الذي لا ينفلت من بين يديه أو المتسم بإمكانيات متصارعة، فليس المركز شخصاً بعينه، هوية محددة، بل اللعب بالمراكز والهويات وتجريب الحضور العابر المرتحل من دون توقف .
ويضيف القفاش أنه يتردد كثيراً حول الرواية الجديدة أنها صارت لا تؤمن بالقضايا الكبرى وأن اهتمامها بالجزئيات الصغيرة التي ترتبط بحياة كتّابها، وهذه الأقاويل تطمس أكثر مما توضح الرهانات الفنية لتلك الروايات، فالأمر لا يرتبط بتقسيم القضايا إلى صغرى أو كبرى، مهمة أو غير مهمة، فهذا التقسيم يعيدنا إلى ذات عارفة ملمة بكل التعريفات والتقسيمات، فكل القضايا أو الأسئلة تتعامل معها الروايات الجديدة على أنها حكاية من ضمن حكايات كثيرة، لا فضل لها أن تتصدر صفحات الجرائد أو وسائل الإعلام، فإذا كانت القضية سياسية مثلاً، وتشغل ما يسمى بالرأي العام، فإن حضورها في الرواية يكون من منظور أنها ابنة تأويل دائم، وما شيوعها في الخارج إلا تسييد لوجهة نظر واحدة وحجب مستويات التأويل الأخرى .
ويقول القفاش: إضافة إلى أن هذا الحدث السياسي الذي تم تصديره دائماً على أنه مهم قد يتكشف لنا داخل الحكاية على أن أهميته نبعت من تجريده من العلاقات الإنسانية .
ويرى منتصر القفاش أن تعدد مسارات التأويل في الرواية الجديدة يعد أحد أدوات الجذب بالنسبة للقارئ الذي بات بدوره يبحث عن المدهش والمغير، فعلى حد تعبيره فالكتابة الجديدة تدفع القارئ إلى القلق من أبطال الرواية والحكاية الذين يفلتون أو يراوغون دائماً أية منظورات سابقة أو رؤى مسبقة، فالرهان ليس على الحدوتة فقط، كما أن عنصر التشويق لا يرتبط باكتشاف الأحداث، وإنما بكيفية كتابتها من منظور غير متوقع، وبكيفية اجتذاب الرواية للقارئ ليشاركها التساؤل حول التفاصيل ودلالاتها .
ويختلف القاص سعيد الكفراوي مع من يقولون بنجومية الرواية قائلاً:ليس هناك نجومية لفن على فن آخر ولا لنوع أدبي على نوع آخر، فالفن والإبداع نجم بذاته، لكن السطوع والظهور يكمن في قدرة الأديب وموهبته، فمحمود درويش كان نجماً بالشعر، لأنه امتلك الكاريزما الخاصة والموهبة الفائقة والتجديد والابتكار في الشكل الشعري، ويوسف إدريس كان نجماً في القصة القصيرة، وهكذا، وفي الحقيقة أنا لا أعرف معنى لمعان نجم الأديب، ولكن أعرف أن الكتابة الجيدة هي ما تسعد الكاتب وتحقق طموحه وتعطيه في حياته قدراً من التوازن .
ويقول الكفراوي: شاعت في السنوات الأخيرة مصطلحات مثل زمن الرواية وقال البعض إنه على الفنون الأخرى أن تبحث لنفسها عن أزمنة تستعيرها من الفضاء الافتراضي، لكنني أؤمن بشكل شخصي أن القصة القصيرة هي أكثر الأشكال ملاءمة للتعبير عن الجماعات المغمورة والمهمشة، فالقصة القصيرة نبت الأحداث الصغرى التي تكون وتشارك في صنع أحداث كبرى، فهي إذن أقرب إلى ملامسة الواقع الإنساني، أما الرواية فهي تعطي انطباعاً عاماً ودلالات كبرى للرؤية، لكنها لا تغوص كثيراً في أبعاد الشخصيات المهمشة . ويرى الكفراوي أن تحقيق الرواية لطفرة على مستوى الطباعة من خلال كثرة الإصدارات يرجع إلى عوامل عدة: أولها عامل الإعلام الذي يسلط الضوء دائماً على الإصدارات الروائية الجديدة، ثانياً: لأن معظم كتّاب القصة هجروها إلى كتابة الرواية، ما يهدد فن القصة بالانقراض في السنوات المقبلة، ثالثاً: كثرة الجوائز المرصودة للرواية أصبح وسيلة مهمة من وسائل الجذب لكتابتها، كذلك أُصبح وسيلة جذب لنشرها، نظراً لأن دور النشر الكبرى أصبحت تتسابق في نشر الروايات لتشارك بها في جوائز مثل البوكر العربية، والتي لو فاز بها الروائي تشاركه دار النشر في الجائزة .
يلاحظ الروائي حسن داوود أن الرواية العربية شهدت بداية ازدهارها في ثمانينات القرن الماضي، وقال: آنذاك صدرت مجموعة من الروايات العربية من بلدان عربية عدة قُرئت كأنما دفعة واحدة . في ما خص لبنان، أَضيفت إلى لائحة الروائيين المعروفين آنذاك أسماء جديدة مستمرة في الكتابة حتى اليوم، وأضيف إليها عدد من الأعمال لكتّاب آخرين . في السنوات التي تلت، استمرت النهضة الروائية العربية حيث بتنا الآن نعجز عن إحصاء ما يصدر سنوياً، في ما كان عدد الروايات التي تصدر في العام الواحد قبل هذه الفترة تكاد تعد على أصابع اليد الواحدة .
عموماً، لا يستطيع أحد الإجابة الشاملة عن سؤال الرواية وازدهارها . وفي لبنان، كنت أعتقد شخصياً أن ما دفع بنا إلى كتابة الرواية هي الحرب التي، كما هو معلوم غيّرت طبيعة الحياة اليومية وقلبت ما كنا فيه رأساً على عقب . كنت أقول إن الشعر هو للتعبير عن الانتصار، حتى وأن كان ما تناوله هذا الشعر هو الشعور بالصدمة أو الانتكاسة، أما الرواية فمجالها التفتت وانقلاب الحال وتغير الزمن على البشر .
طبعاً هذه الإجابة لا تفي بمجمل ما عرفته الرواية العربية من ازدهار في بلدان أخرى مثل مصر، التي وسط النهضة الثمانينية ظلت الرائدة في هذا الفن . ربما كان للمصريين حنينهم الخاص حيال زمن انقضى، مثلما كان للروائيين اللبنانيين بسبب الحرب، وتبدى من خلال روايات عبد الحكيم قاسم ويوسف أبو ريا وغيرهما عودة إلى أزمنة الطفولة . هناك طبعاً مقدمات للرواية المصرية قبل ثورة 1952 . جيل الروائيين خصوصاً والمثقفين عموماً السابق للثورة حقق الكثير في نتاجاتها قبل حصول الثورة: توفيق الحكيم، طه حسين، لويس عوض وسواهم، وحيث غالباً ما تناولت سجالاتهم وكتاباتهم مجالات التطوير ومفاتيح تحقيقها . نجيب محفوظ أبدع قبل الثورة، وإن كانت أعماله اقتصرت على بدايات تناول فيها العصر الفرعوني .
رغم أنني اعتبرت أن الرواية اللبنانية قامت واتسعت بسبب الحرب، إلا أنني أعاود القول لأؤكد ان من الصعب اعتبار ازدهار الرواية أو تراجعها إلى سبب سياسي، حتى وإن كان جماهيرياً، وفي حجم ما نسميه اليوم الربيع العربي . لا أعرف إن كان صدر شيء من أعمال روائية تعبّر عن هذا الربيع .
لكن في المقابل، يمكن القول إن الرواية سبقت الربيع العربي بالاختناق الذي كان يعيشه الفرد في محيطه . من تابع الروايات التي صدرت في كل الدول العربية، لاحظ أن الشعارات التي خرجت ضمن كلام سياسي، سبق لها أن قيلت في الأدب الذي سبق ظهور الربيع العربي . أعني أن الرواية شكلت على الدوام صرخات احتجاج مستمرة على الأنظمة والحكام، وشعوري أن التعبير الأدبي يكون عادة مقدمة لتغيرات اجتماعية كبيرة . اليوم هل سيستمر هذا الميل الروائي الرفضي، المواجه والنقدي، بعد تحقق الثورات في عدد من الدول العربية؟ لا أستطيع الإجابة لأنني لا أقدر على تخيل كيف ستكون الأوضاع في هذه البلدان . المرحلة متداخلة تنازع بين الأمل القليل والإحباط الكثير .
نحن الآن إزاء سيل من الروايات العربية تصدر كل عام . ذكر لي بعض أولئك الذين كانوا في لجان التحكيم لمسابقات روائية أنهم تلقوا في عام واحد 150 رواية صدرت هذا العام، وهذا عدد ضخم نسبة لما كان يصدر في الثمانينات . على الصعيد النوعي يصعب الحكم إن كانت هذه الروايات قد اتسعت أو تعمقت بالقدر الكمي نفسه . احتلت روايات غير ذات قيمة أدبية أو روائية مرتبة الصدارة، ما يعني تقلص الكتب الفكرية والأدبية القيمة . ما يريد الناس قراءته هو تصوير المجتمع وكأنه مجتمع فضائح وكشف عما تحمله المخيلات النهمة . لا أنكر وجود قيمة ما لهذه الأعمال، ربما كان الأساس فيها هو جرأتها وضربها بعرض الحائط المقاييس الأدبية الثقيلة التي كانت ترهق الرواية .
في ما يخص الجوائز الأدبية، في البلدان الأكثر تثقفاً لا تحتل الرواية أو القصيدة أو المجموعة الشعرية الفائزة سدة واحدة ملغية كل ما عداها، على عكس ما يحصل عربياً . فعندما تحدد اللجان رواية واحدة فائزة تتحول إلى زاد القراء لعام كامل . علماً أن القراء ليسوا من السعة بحيث إنهم يعرفون أن تسمية رواية فائزة لا يعني ان ليس هناك أعمال روائية لا تقل شأناً عما جرت تسميته، وأن هناك كتاباً يعزفون عن المشاركة في هذه المهرجانات ويفضلون أن تسلك رواياتهم طرقاً أخرى . أخاف أن تكون الجوائز الأدبية مضيقة للمجال الأدبي الذي علينا أن نتسع معه لنوسعه .
وقال الروائي جبور الدويهي: المنتج الروائي العربي في السنوات الأخيرة إلى تنام وتوسّع، فمن باب الارقام وحدها تصدر في السنوات الاخيرة روايات كل عام تفوق ما كان يصدر في عقد كامل والموجة تطال كافة البلدان والعواصم العربية ولو بقيت القاهرة أكبر ناشر وسوق للرواية ربما تليها بيروت أقله لجهة الإصدارات وليس بالضرورة لجهة القراء . اللافت اليوم أن جيلاً شاباً يبرهن على قدرة متجددة على الخيال الروائي يفتش له عن مكان في المشهد الادبي ويوسع المناخات السردية الخارجة من سجن الايديولوجيا والتقليد .
قطعا باتت الرواية هي النموذج الرائج، ناقل تجارب الحياة العربية في مدنها وأريافها والمعاناة الاجتماعية والسياسية، من الخرطوم الى الرياض مروراً ببيروت والإسكندرية والجزائر، الرواية ديوان العرب الجديد، كل يكتب روايته بفردية متعاظمة أو بإطلالة على معاناة الجماعة .
انفتحت الكتابة في الواقع على آفاق فسيحة وتنوعت اللغة والأساليب ودخلت المحكية هنا وهناك واستيقظت مدن وأحياء وقرى . الجوائز واللقاءات تضيف الكثير وتجعل النوع الروائي مرئياً وحاضراً أكثر . وحركة الترجمة إلى اللغات الأجنبية تزداد . الرواية هي النوع الأول في العالم العربي بامتياز .
وقال: إنه زمن الرواية في العالم، وفي العالم العربي على وجه الخصوص، هذا لا يعني أن الأشكال الأدبية الأخرى: كالشعر والمسرح والقصة القصيرة، إلى تقهقر، بل إن الطلب وإقبال القراء على الرواية (بشكليها المطبوع والالكتروني) إلى تزايد مضطرد .
ففي السنوات الأخيرة، لوحظ خوض العديد من الكتّاب العرب مغامرة الرواية المتعبة التي تتطلب البحث، المعمق والتفرغ، اللافت أن معظم الكتّاب أو الكاتبات العرب الذين أصابت رواياتهم نجاحاً لافتاً، كانوا من خارج نادي الثقافة والمعتاشين منها . كرائعة الأسواني عمارة يعقوبيان، وذاكرة الجسد لأحلام مستغانمي وعزازيل ليوسف زيدان ودروز بلغراد التي حصدت الجائزة الأولى للبوكر العربية، رغم إعلان صاحبها الروائي اللبناني ربيع جابر المتفرغ قليلاً لعالم الرواية، أنه كان يتمنى أن تنال روايته امريكا الجائزة . المنتج الروائي العربي الملحوظ على الرغم من سمته الكمية، لا يفتقر لميزة النوعية والجودة والمستوى الرائي ولأسباب متعددة: ارتفاع المستوى الثقافي للقارئ العربي بفضل انتشار ظاهرة الانترنت وإطلاع هذا القارئ على المنتج الروائي الغربي، ولو من خلال التراجم . وأرى أن إخضاع الإعلام للرقابة أدى إلى ذهاب الكتّاب إلى ملجأ الرواية حيث بإمكانهم التعبير عن مشاكل ومكنونات مجتمعاتهم المكبوتة في الرواية . وخير دليل على ذلك رواية مديح الكراهية لخالد خليفة التي توقعت الأحداث المأسوية التي تشهدها سوريا اليوم .
ومن أهم الحوافز للمثقفين العرب لخوض مغامرة الرواية، انتشار الملتقيات والجوائز الأدبية، مما رفع من كمية الروايات الصادرة، فجائزة البوكر بنسختها العربية أصبحت محطة سنوية ينتظرها المهتمون والأوساط الثقافية . وبمجرد تسمية رواية في قائمة الستة الأوائل يصبح الكاتب أو الكاتبة معروفاً وتنال أعماله الشهرة .
مجموع هذه العوامل أنتجت نوعية خاصة ومميزة للأعمال الروائية العربية في السنوات الأخيرة، وإذا كان من النادر أن تسجل رواية عربية طبعة ثالثة أو رابعة، فقد نجحت رواية عزازيل وغيرها في تخطي عتبة الطبعة الثالثة عشرة، واللافت أيضاً اهتمام الروائيين والروائيات العرب بأسلوب الكتاب والنص، والابتعاد عن الغموض المقصود أو التزاكي على القارئ . مع الحفاظ على مستوى مرموق في حقل الإبداع الروائي كماً ونوعاً الذي يبدو ان بابه سيبقى مفتوحاً على مصراعيه لفترة طويلة من الزمن .
الدكتور أحمد ولد نافع، أستاذ جامعي وكاتب يقول من اللافت للمتابعين والنقاد للمشهد الروائي العربي في الألفية الجديدة أنه يعرف زخماً متزايداً أكثر من غيره من الحقول الأدبية الأخرى . . فالرواية، عموما، تجد جذورها في الثقافة العربية على شكل القصص والنصوص النثرية التي ظلت حاضرة رغم طغيان الخطاب الشعري في المخيال الثقافي العربي وهنا للمرء أن يتذكر للاستئناس مقامات الحريري، وكليلة ودمنة، وألف ليلة وليلة . . الخ .
غير أن النقلة الكبرى للمنتج الروائي العربي لم تحدث إلا مع البعثات العلمية الأزهرية إلى المدنية الغربية والتأثر بالأشكال الأدبية الحديثة ومنها الرواية، وهكذا ظهر أعلام روائيون لهم شأن مثل رفاعة الطهطاوي والمويلحي، ومن تبعهم مثل جورجي زيدان في سلسلة روايات التاريخ الإسلامي، ولاحقا محمود تيمور، ومحمد حسين هيكل، وغيرهم من فرسان النص الروائي الذين بلغوا ذروتهم مع نجيب محفوظ الذي وصل إلى العالمية كرائد للرواية العربية الحديثة . .
فعلا، يجب التسليم أنه في العقد الأول من الألفية الجديدة باتت الرواية حديث الساعة إنتاجاً وملتقيات وجوائز، الشيء الذي يبرز التطور الحاصل في هذا اللون الأدبي المتميز .
وقد استفاد منتجو النص الروائي العربي المعاصرون من ثورة الاتصالات واقتصاد المعرفة، الشيء الذي أسهم في إثراء الرواية العربية وقطع بها أشواطاً مهمة تستحق التأمل والتحليل، ورواية مثل عزازيل هي أحد أنصع النماذج الدالة على المستوى المتقدم الذي وصلت إليه الرواية العربية في هذه الفترة .
الشاعر حسني ولد شاش يرى أن تقييم المنتج الروائي العربي الذي ظهر إلى الوجود خلال السنوات الأخيرة يحتاج جهداً أكاديمياً وبحثياً معتبراً، ذلك أن الروايات الحديثة سواء تلك التي كتبها كتاب روائيون مخضرمون، أو تلك التي كتبها الأدباء الشبان صدرت في ظروف زمنية ثقافية وسياسية خاصة، فعلى الصعيد السياسي كتبت هذه الروايات في أوج البؤس السياسي وإشاعة روح القنوط جراء الظروف التي تمر بها الأمة العربية والإسلامية، وكتبت قبل أحداث الربيع العربي وما أطلقته من موجات أمل وتفاؤل، بمعنى أن الرواية العربية الصادرة خلال العقد الأخير مثلت مرحلة سياسية واجتماعية غاية في التعقيد، في ما جاءت الرواية الحديثة في أفق عالم التواصل الجديد، وما أتاحته التكنولوجيا من تواصل تفاعلي مباشر بين الجمهور والثقافات .
إن الروايات التي وصلت القوائم الطويلة والقصيرة في مسابقة جائزة البوكر للرواية العربية، وعشرات الروايات التي لم تدخل هذه المسابقة، وربما التي لم تحظ بنشر لائق، تدل على أن الرواية العربية شهدت زخماً كبيراً خلال السنوات الأخيرة سواء من حيث الكم، أو من حيث النوع، فثمة عشرات الروايات العربية التي تدخل في نطاق السرد العالمي، ولسنا في حاجة للقول إن الرواية العربية تجاوزت عقدة المحلية مع نوبل، ومع روائع الإنتاج الروائي العربي، لكن يجب هنا لفت الانتباه إلى أن الرواية العربية الصادرة حديثا لن تسلم من تراجع دور الكتاب أمام منشور الشبكة العنكبوتية، وفي ظل تزايد طبقة القراء التي تركز على الاختصار والسرعة، أو قراءة المقتطفات والخواطر القصيرة، وتنظر إلى حجم النص قبل التورط في قراءته . . رغم ملاحظتنا أن الرواية باتت هي نجم الأدب العربي في هذه المرحلة، وخاصة في ظل غياب كبار الشعراء .
وأعود للقول إن تقييم المنتوج الروائي العربي الصادر حديثا (أي خلال السنوات الاخيرة) أمر يتطلب دراسات شاملة ومتابعات متأنية، ليس لعموم ومشهور الإصدارات في هذا المجال وإنما يتطلب الغوص في بيئة الرواية العربية، ونجاحاتها على المستوى المناطقي أو القطري: ماذا حققت الرواية الإماراتية خلال السنوات الخمس الماضية؟ ماذا حققت الرواية العراقي والمغربية؟ هل نحن أمام تحول جديد في بنية السرد العربي، هل أصبح السرد العربي أمام بيئته الخاصة المستوحاة من عوالمه وثقافاته ومجتمعاته؟ أم لا تزال خيوط التقليد والانبهار تتداخل فيه .
أود هنا أن أسأل الجيل الجديد من النقاد العرب: ماذا تعرفون عن روايات عربية مثل أودية العطش، ومدينة الرياح وموسم الذاكرة، والحج والغسق ودروب عبد البركة ألا تشكل هذه الروايات الموريتانية إضافة نوعية للرواية العربية؟ والسؤال هل وصلت هذه الروايات بالفعل إلى جمهور الأدب وإلى النخبة الأدبية المختصة في العالم العربي؟ أعتقد أن الجواب هو لا، وهدفي من هذا السؤال هو لفت الانتباه إلى الإبداع المنسي وإلى مبدعي الهامش حتى لا ندخل في مسألة المركز والأطراف ومن يتحمل المسؤولية . . إلخ .
أود هنا أن ألفت الانتباه إلى مسألة أراها في غاية الأهمية، وأظن أن الرواية العربية عموما تعاني منها وهي غياب الترجمة الحقيقية إلى اللغات العالمية الأخرى إن الترجمة الأدبية تشكل ميلاداً ثانياً للنص وبعداً حضارياً آخر له .
محمد ولد أحظانا يقول: الرواية العربية الحديثة زمنيا أو ما نشر حتى الآن منها لا يمكن إلا أن يقال إنه اضافة كمية لأن الاضافة النوعية غير محددة إلا من خلال القراءة النقدية وعلى كل حال، فإن وجود كم كبير نسبيا من الرواية العربية يعني انقلابا في الاهتمام الأدبي العربي أو نقلة من الشعر إلى السرد .
وعلى كل حال هناك أعمال روائية نالت شهرة إعلامية كبيرة، لكن هذه الشهرة الاعلامية الكبيرة ربما تكون أحيانا غير مصاحبة بمواكبة من طرف الجمهور، قد يعود هذا إلى الاهتمام بالمرئي أكثر من المقروء، ونحن الآن في فترة المرئيات، صور وألوان ولسنا في مرحلة القراءة باللون . . اللون الواحد ليس هو المقروء الحرف الآن يتراجع لمصلحة الصورة، ولذا فإن القراءة التي تعطي قيمة مضافة اجتماعياً للرواية غير محددة المعالم حاليا، إلا أن الكم عادة بطبيعته تمهيد للنقلات النوعية . . ثمة إمكانية لوجود ابداعات روائية حقيقية ولكن انشغال القارئ بالصورة وعدم قدرة النقاد العرب على قراءة الرواية وتقديمها حسب رؤية نقدية عربية أصيلة تحول بين التمييز بين ما هو جيد وما هو رديء وما هو كمي وما هو نوعي .