الاضطرار في اللغة العربية كما ورد في لسان العرب لابن منظور (ج19 ص 483) معناه الاحتياج الى الشيء، وقد اضطر فلان الى كذا أي جملته الضرورة على فعل ذلك الشيء .
والاضطرار عند الفقهاء فسر بمعنى الخوف من الهلاك، لذلك قال الحموي في حاشيته على الأشباه والنظائر لابن نجيم (ص 108) إن الضرورة هي بلوغ الانسان حداً إن لم يتناول الممنوع يهلك .
وورد عن الإمام مالك أن الاضطرار هو خوف الهلاك وليس خوف الضرر كما يقول بعضهم، والواقع ان المعنيين يؤديان الى معنى واحد وهو الهلاك أو الضرر في نهاية الأمر .
وبما ان دين الإسلام مبني على السماحة واليسر ورفع الحرج، فإنه أباح للمضطر ان يدفع الضرر عن نفسه باستباحة بعض المحرمات من المشروبات والمطعومات إذا اشرف على الهلاك .
أو أن يأتي بأفعال أو أقوال إذا تعرض لمواقف قد تؤدي الى هلاكه، كأن يكره على التلفظ بكلمة الكفر بلسانه من غير ان يعتقده بقلبه كما حصل لعمار بن ياسر .
لكن هذا الاضطرار لا يبيح للانسان ان يرتكب على سبيل المثال جريمة الزنا أو جريمة القتل العمد بحجة انه أكره فكان مضطرا لأن القاعدة تقول: (الضرر يزال) ولكن قاعدة اخرى تقول: (الضرر لا يزال بالضرر أو بضرر اكبر) ألا ترى ان الجائع إذا لم يتناول الميتة وهي محرم مات وقتل النفس كبيرة، فجاز له تناول المحرم ليتلافى محرماً اكبر وهو قتل النفس؟
أما لو أجبر على قتل فلان، وإلا يؤخذ ماله مثلاً أو يقتل، فإن قتل فلان البريء جريمة لا يغفرها الله ومن ثم فإن ارتكابه لتلك الجريمة يعد ضرراً أو ضرراً أكبر .
نعم جاز للإنسان دفع الصائل بالقتل، لأن الصائل يبدأ بالاعتداء، والله يقول: فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم .
والفقهاء عندما أباحوا للمضطر ان يأكل الميتة أخذوا ذلك الحكم من قوله تعالى: فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه (الآية 173 من سورة البقرة) .
لكن يلاحظ ان الاضطرار لا يبيح للمضطر ان يدفع الضرر كيفما شاء وبما شاء، لذلك فإن المضطر المشرف على الهلاك أبيح له أكل الميتة ولم يبح له أكل مال الغير، وابيح له ان يأكل من الميتة ما يسد رمقه، لا ان يأكل منها حد الشبع .
وقد قال الحنفية بأن تناول الميتة للمضطر واجب، وبه قال المالكية والشافعية والحنابلة والظاهرية والزيدية والامامية والاباضية .
مع ملاحظة ان المالكية والظاهرية لا يقيدون الأكل من الميتة بسد الرمق وجائز عندهم ان يأكل حتى يشبع، فمالك رحمه الله، يرى انه طالما أبيح له أكل الميتة فإنه يصبح حلالاً عندئذ، وابن حزم كما ورد في المحلى (ج1 ص 176) يقول: (وما أباحه الله عند الضرورة ليس في تلك الحال خبيثاً، بل هو حلال طيب، والحلال لا يصير خبيثاً) .
ويلاحظ ان الفقهاء وضعوا ترتيباً بين المحرمات عند الاضطرار، لذا يقول الحنفية بأن المضطر إذا وجد نفسه بين الميتة ومال الغير فإنه يأكل الميتة .
وقد قال المالكية كما ورد في مواهب الجليل (ج3 ص 233) ان المضطر إذا وجد الميتة ولحم الخنزير فإنه يأكل الميتة .
والشافعية والحنابلة يقدمون اكل الميتة على طعام لا يعرف صاحبه، وبه قال الزيدية، أما الاباضية فإن صاحب شرح النيل يرى أن المضطر يقدم مال الغير على أكل الميتة .