يمتدح الناس الابتداع في الأمور، لأن البدعة أو الابتداع هو أن يعمل الإنسان شيئاً ليس له مثال سابق، فهم يمتدحون مثل هذا العمل، لأنه جديد ولكل جديد لذة .
- لكن الابتداع في الدين يأخذ منحى آخر، لأن الإنسان ليس له حق الإنشاء في الدين، وقد قال عليه الصلاة والسلام: مَنْ أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو ردّ (رواه مسلم) .
- ومع ذلك نجد أن عمر رضي الله تعالى عنه جمع الناس في صلاة التراويح على إمام واحد، وهو ما لم يفعله الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن ثم فإنه يعتبر ابتداعاً في الدين، فكيف لم ينكر عليه الصحابة رضوان الله تعالى عليهم؟ بل قال هو بنفسه عن هذا العمل: نعمت البدعة هذه . (انظر موطأ مالك ج 1 ص 14) .
- ورد هذا القول على لسان الخليفة الراشد عمر رضي الله تعالى عنه، وورد أيضاً حديث مثل: مَنْ سن في الإسلام سُنّة حسنة يفعل بها بعد، كتب له مثل أجر مَنْ عمل بها، ولا ينقص من أجورهم شيء، ومَنْ سن في الإسلام سُنّة سيئة فعمل بها بعده، كتب عليه مثل وزر مَنْ عمل بها، ولا ينقص من أوزارهم شيء (رواه مسلم) .
- من أجل ذلك فإن العلماء انقسموا إزاء هذا إلى فريقين: فريق ينكر البدعة، وفريق يقسمها إلى حسنة وسيئة .
ولعل الذي ساعدهم على الاختلاف أيضاً معناها اللغوي الذي لم يفرق بين محمود البدعة ومذمومها، فكل مستحدث على غير مثال سابق يعدّ بدعة .
- فالذي نظر إلى معناها الشرعي، أنكر البدعة مطلقاً، واستشهد بالحديث الذي يقول: وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار (رواه الترمذي) .
- ومن هؤلاء الإمام الزركشي والإمام الشاطبي وابن رجب الحنبلي وغيرهم من العلماء، رحمهم الله تعالى جميعاً، لأنهم اعتبروا كل مستحدث ليس له أصل في الشريعة الإسلامية أو قواعدها الكلية، فهو من البدع التي حذرنا منها الرسول صلى الله عليه وسلم، وليس هناك بدعة محمودة وأخرى مذمومة .
- والذين نظروا إلى البدعة من خلال معناها اللغوي، توسعوا فيها وقسموها إلى محمودة ومذمومة، لأنهم أطلقوا لفظ البدعة على كل مستحدث بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا أن تلك مقسمة إلى قسمين: فما خالف الشرع مع بقاء علته، فهو بدعة سيئة، أما ما وافق الشرع أو قواعده الكلية، فهو بدعة حسنة .
وقد قال ابن حجر الهيثمي في فتح المبين: والحاصل أن البدعة الحسنة متفق على ندبها .
- نعم، والحديث السابق مَنْ سن سُنة حسنة . . إلى اخره يدل على أن البدعة متى وردت ينبغي أن تورد مقيدة، فالبدعة السيئة مرفوضة، والبدعة الحسنة مقبولة (انظر المصالح المرسلة وأثرها في مدونة الفقه الإسلامي للدكتور محمد أحمد بركات) .
- ويوضح الإمام الشاطبي، رحمه الله تعالى، المسألة أكثر في كتاب الاعتصام فيقول: إن العلماء يتفقون على أن الابتداع يدخل في الأمور التعبدية كالعقيدة والعبادات .
أما المعاملات أو العادات، فبعضهم لا يرى دخول الابتداع فيها، وبعضهم يرى دخوله .
والمعاملات مقسمة عندهم إلى قسمين: قسم وضع الشارع ضوابطه فيدخله الابتداع، وقسم تركه لاجتهاد الناس وتجاربهم، كشؤون الزراعة والصناعة، وهذا لا يدخله الابتداع .