يقول تعالى في كتابه الكريم: إن اللّه لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، ومن يشرك بالله فقد افترى إثماً عظيماً (النساء: 48) . فالتوحيد هو الأساس إذاً في حياة الناس، فهو إقرار أولاً بوجود اللّه، خالق الإنسان وخالق الكون، وهو اعتراف تالياً بوحدانيته وتنزيهه عن الشرك وعن الزوجة وعن الولد . وعن ابن عباس رضي الله عنهما . وأخرجه البخاري، أنه قال: الصمد: السيد الذي قد كمل في سؤدده، والشريف الذي كمل في شرفه، والعظيم الذي كمل في عظمته، والحليم الذي كمل في حلمه، والغني الذي كمل في غناه والجبار الذي كمل في جبروته، والعالم الذي كمل في علمه، والحكيم الذي كمل في حكمته . وهو اللّه سبحانه، وهذه صفة لا تنبغي إلا له . ليس له كفوء، ولا يساويه أحد .

ومفهوم الكمال الإلهي يوجب على المسلم أن يتطهر قلبه من الرياء في عبادته وأعماله، ليكون الإخلاص للّه وحده، في السر والعلن، وليكون اللجوء إلى اللّه وحده في السرّاء والضرّاء، وليكون التوجه إلى اللّه وحده في إحلال كل حلال وتحريم كل حرام، ولتكون الأهداف كلها منصبة على ابتغاء رضاه وحده، لأنه وحده الذي يستحق العبادة، لكماله جل وعلا . وهو الموجود بلا ابتداء لم يلد ولم يولد، وحقيقته ثابتة أزلية، صفتها الكمال المطلق: ولم يكن له كفواً أحد أي ليس له مماثل أو مكافئ لا في حقيقة الوجود، ولا في حقيقة الفاعلية، ولا في أي صفة من الصفات الذاتية مصداقاً لقوله: ليس كمثله شيء (الشورى: 11) .

التنزيه عن الشريك

ومفهوم الكمال الإلهي، يعني أن اللّه منزه عن الشريك فلا يكفي الاعتقاد أنه خالق الكون وأنه المسيطر على السموات والأرض ومن فيهن، من دون التنزيه عن الشريك . ذلك أن بعض الناس تعبدوا الأصنام توسلاً إلى اللّه . وقد أخبر القرآن الكريم بهؤلاء القوم في قوله تعالى: ما نعبدهم إلاّ ليقربونا إلى اللّه زلفى (الزمر: 3) .

إن الله بحسب المفهوم الكمالي، هو واحد في خلقه وإبداعه . وهو واحد في ملكه وملكوته، مالك الملك، ليس قبله ملك، وليس بعده ملك . واحد في تسييره للملك، واحد في قضائه وتصريفه لشؤون عباده . والكون كله يعمل بنواميسه . فالشمس والقمر والأرض والنجوم والكواكب والرياح والأنهار والبحار والمحيطات والانسان والحيوان والنبات، كل يخضع لعظمته ويسير بقوانينه، مصداقاً لقوله تعالى: له ملك السموات والأرض، يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير . هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم (الحديد: 2-3) .

ويقول العلماء الأجلاء إن الكمال الإلهي، يتأسس أصلاً على ثبوت صفات للإله الموجد للعالم، وهي الوجود والقدم والبقاء والمخالفة للحوادث والقيام بالنفس والوحدانية والعلم والإرادة والقدرة والحياة، وهي صفات، إن قلنا إن عليها مدار الألوهية ووجود إله متصف بها، فإن ذلك يكفي لتعليل وجود هذه الأكوان، فيقتنع بها كل آدمي عاقل . ففي بديع صنعه جل وعلا، وما احتوى عليه من كمال الاتقان، كانت له الصفات الكمالية .

ليس كمثله شيء

إن المسلمين، لما تبين لهم ما تقدم من أن الكون وما فيه لا يصنع مثله وبالتالي لا يصنع أكمل منه، اهتدوا إلى أنه لا بد أن الإله الموجد لذلك بالنواميس العجيبة المهيئة للتطورات التي لا تحصى، والتي يبدع منها تلك الأنواع البديعة التي لا تستقصى، يجب أن يكون له مرتبة الكمال في صفاته التي ثبتت له بالدليل، وفي كل صفة كمالية تليق به تعالى .

ومن هنا، فإن اعتقاد المسلمين، بمفهوم الكمال الإلهي، يرتب أن اللّه سميع بصير متكلم، متصف بكل صفة كمالية تليق به تعالى . غير أن جميع ما اعتقدوه له من الصفات التي تتوج الكمال الإلهي، ليست كصفات الحوادث ولا تشبهها في الحقيقة، وإن شاركتها في الاسم بمشابهة الآثار . إذ مشابهة الآثار توجب مشابهة ما نشأت عنه . فسمعه سبحانه كما يقول أحد العلماء الأجلاء ليس بصِماخ (خرق الأذن)، بل هو صفة قديمة قائمة بذاته تتكشف بها مسموعاته . وبصره ليس بمقلة، بل هو صفة قديمة قائمة بذاته تنكشف بها مبصراته، وكلامه ليس بحرف ولا صوت ولا لسان، بل هو صفة قديمة قائمة بذاته، يفهم عنه بها، ما يريد افهامه لأحد مخلوقاته . وكذا القول في بقية صفاته من العلم والقدرة والإرادة والحياة . فهي صفات قديمة قائمة بذاته تعالى، تصب جميعها في كماله الرباني الذي ليس كمثله شيء (الشورى: 11) .