لا شك في أن الاستشراق الفني يحتل مكانته الخاصة في تاريخ الفن، نظراً لارتباطه بأماكن حضارية بارزة في الشرق، وقد استطاع الاستشراق أن يوثق هذه الأماكن ضمن لوحات فنية أمكن لها أن تحيلنا بشكل أو بآخر إلى واقع المجتمعات والبلدان، طبقاً لما تصوره المستشرقون في سعيهم للتعبير عن مشاهد محددة تحمل مدلولاتها وقيمتها على المستويين الفني والتاريخي .

يظل موضوع الاستشراق الفني من الموضوعات الجديرة بالبحث والتدقيق بحسب ما يؤكد محمد حميدة الباحث في الفنون البصرية وتاريخ الفن، لما يرتبط به من مؤثرات وأهداف قد تتصادم أحيانا مع مبدأ الفن للفن مثلاً، وكذلك مع الممارسة الفنية المجردة المفترضة في تسجيل وتوثيق واقع الأشياء كما كانت عليه في هذا الوقت، خاصة أن الفنانين المستشرقين قد جاءوا إلى المنطقة مشبعين بثقافاتهم وعقائدهم التي ترى الشرق بمنظور قد يكون مغايراً لما هو عليه بالفعل .

إلا أن ذلك لا يمنع بحال أو بآخر من القول بأهمية فنون الاستشراق، وقدرتها على التوثيق والتسجيل لكثير مما تزخر به بلداننا العربية من مكونات حضارية تحتل مواقعها البارزة في التاريخ الإنساني، وهذا ما نستشفه من وقائع الندوة الموازية التي عقدت مؤخراً بتنظيم من إدارة الفنون في دائرة الثقافة والإعلام وذلك على هامش معرض بلاد الشام الذي يقام بالتعاون مع متاحف الشارقة والمعرض من مقتنيات صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة ويضم 171 لوحة لفنانين مستشرقين مولعين بسحر الشرق وأسراره محاولين توثيق الحياة على حالتها في بلاد الشام (سوريا، لبنان، الأردن وفلسطين) بما يتوافق مع رؤاهم وتوجهاتهم .

المعرض يضيء كثيراً من جوانب الحياة ومآثرها ويسجل وقائعها وآثارها وما تكتنفه من شخوص وشواهد وثيقة الصلة بكل الأحداث في هذه المناطق .

هذه اللوحات منفذة بتقنية الطباعة الحجرية لثلاثين رساماً ينتمون لبلدان أوروبية وأبرزهم: ديفيد روبرتس، ه . ماك فارلان، ه . بارتليت، س . ستانفيلد، فيتزموريس، ج . وليامز، أ . و . كالكوت و ج . م . تيرنر، وتؤكد أعمالهم البعد الحضاري العميق لبلدان الشام بتاريخها الممتد عبر آلاف السنين .

ومن المهم في هذه القراءة البانورامية للمعرض أن نستعرض أبرز ما حملته وقائع الندوة النقدية الموازية، وشارك فيها باحثون وفنانون عرب من الأردن وفلسطين وتونس ومصر ولبنان، فقد قدم عبد الكريم السيد #187;فلسطين#171; وهو فنان تشكيلي وناقد وباحث في مجال الفنون ورقة عنوانها (معرض بلاد الشام . . كنوز الأعمال الفنية) وتميزت ورقته بالجانب التوثيقي والتاريخي لفن الاستشراق ، وأصل هذا المصطلح يعود إلى #187;يوليوس كاستناري#171; في القرن التاسع عشر، ومن ثم نسبته لأعمال الفنانين الغربيين في ذلك القرن، ممن قاموا بزيارات للمنطقة أي بلاد الشام،هو تذكيره بكتاب الاستشراق الذي أصدره المفكر الفلسطيني ادوارد سعيد عام 1978 الذي يعتبر من أهم الكتب التي صدرت في هذا الموضوع، ويعرض لجميع أنواع وأغراض الاستشراق موضوعياً واجتماعياً وسياسياً .

غير أن السيد يهتم أيضاً بالتوثيق لفن الغرافيك ويتتبعه تاريخياً منذ المخطوطات الصينية القديمة وانتشاره على نطاق واسع في القرن التاسع عشر، ثم يسرد لموضوع الطباعة الحجرية #187;ليثوغراف#171; وأصل التسمية اللاتيني، واكتشاف هذا الفن في ألمانيا، وتقنيات استخدامه، ومن ثم يتطرق لمواضيع الأعمال المعروضة، التي تغلب عليها المناظر الطبيعية التي سحرت الفنانين الغربيين، (جبل الشيخ نموذجاً) ثم يتتبع القلاع الصليبية والأماكن الدينية والتاريخية في العديد من المدن في صيدا والقدس وصور ودمشق وعكا وبيت لحم، ومدينة البتراء في جنوب الأردن وغيرها من الأماكن .

ويخصص د . السيد جزءاً مهماً من ورقته عن الفنان البريطاني ديفيد روبرتس (1796 - 1864) ويتتبع سيرته الحياتية والمهنية ابتداء من رحلته لمصر وإعجابه بالآثار المصرية خاصة أبو الهول ووقوفه عند #187;أبوسمبل#171; ورسمه لاسكتشات ولوحات زيتية في الكرنك ووادي الملوك في الأقصر، ثم يتتبع رحلته في فلسطين ولبنان، حيث مر بوادي الأردن وطبريا، وسار بمحاذاة الشاطئ راسماً أجمل المناظر التي مر بها، مثل رأس الناقورة وصيدا وصور ومن ثم بعلبك التي بهرته بعظمتها كما بهرته آثار مصر الفرعونية .

وتقدم د . مهى سلطان وهي أستاذة جامعية وناقدة تشكيلية من #187;لبنان#171; صورة عن عفوية المناظر واللوحات المرسومة في بلاد الشام لا سيما أنها ارتبطت مع بدايات الاستشراق الغربي حيث تقول في ورقتها التي جاءت تحت عنوان (مطبوعات تؤرخ رحلات المستشرقين إلى بلاد الشام) #187;تكشف المقتنيات عن سجل بانورامي حافل بوقائع ومشاهدات لرحالة من الفنانين المستشرقين التي تعود إلى النصف الأول من القرن التاسع عشر، في المرحلة التي سبقت اكتشاف الصورة الضوئية، يمتزج فيها المنظر الشرقي بفطرته وبهائه الطبيعي، بالجانب التوثيقي المعماري، والرؤية الطوبوغرافية للأمكنة والتسجيل الحي للمواقع الأثرية، كما عبرت في جانب منها عن العادات والتقاليد العربية التي انعكست على المظاهر الاجتماعية والحياتية وطراز الملابس، ورحلة القوافل في البادية وحياة الفروسية، ما يعكس صوراً صادقة عن مكونات المشهد الشرقي، بعيداً عن الجغرافيا التخييلية بحسب #187;ادوارد سعيد#171; لأنها جاءت في المرحلة المتقدمة من الاستشراق الأوروبي، الذي حلت فيه التجربة المعاشة والمشاهدة الحية والصدق في وصف خصائص الحياة العربية، بدلاً من الصورة الخيالية التي تنم عن نزوات الفنانين في اثارة الغرائز الشهوانية والإغراءات البصرية#171; .

ولاهتمامها بالمادة التاريخية تدرس د . مهى سلطان بوادر الاستشراق في الفكر الغربي لتقف عند إسهام حملة نابليون على مصر في العام 1798 في انتظام خط الرحلات العلمية لدراسة مختلف أوجه الحياة الشرقية من خلال بعثات أكاديمية وأثرية حتى أصبح الشرق مقصداً للفنانين المتعطشين لعالم جديد مفعم بالغموض ولذة الاكتشاف ما عجل ببزوغ فجر رومانسي جديد، كما كتب فيكتور هيغو في العام 1829 يقول في مقدمة الشرقيات #187;بات الشرق صورة وفكرا، الشغل الشاغل للعقل والمخيلة#171; .

وتحت عنوان #187;الشرق بعيون المستشرقين الإنجليز#171; تقف الدكتورة مهى سلطان عند مطبوعات الفنان وليم تيرنر (1775 - 1751) في مقتنيات بلاد الشام، لتؤكد أنه رسم خرائب مدينة أسوس اليونانية كما زار الناصرة والبحر الميت وأريحا وجبل الأردن، وعرج على صيدون في لبنان، ولعل أهمية محفوراته بحسب د . مهى أنها تكشف عن جانب طوبوغرافي- آثاري غير معروف في مائياته الشهيرة، كما تعكس خصائص شخصيته الرومانسية في تصوير الطبيعة في مهب الحركة التي ترسمها عواصف السحب المحتشدة في السماء عند شروق الشمس أو مغيبها، فهو يصور حركة تلافيف الأمواج العاتية وهي تتكسر على شاطئ بحر صيدون، حيث يقف الصيادون في مواجهة الرياح وهم يسحبون مراكبهم خشية الغرق .

وتدرس د . مهى سلطان تأثيرات تيرنر لدى روبرت وبارتليت في توجه كل منهما في غمار الفن .

تقول د . مهى #187;تدعونا مقتنيات صاحب السمو حاكم الشارقة للسفر إلى ماضي الأزمنة والأمكنة والذكريات الحلوة عن أمجاد بلاد الشام التي كنا نظن أنها مغطاة بغبار النسيان، فإذا بها تطالعنا بريشة هؤلاء المستشرقين كي تروي لنا فصول حكايات احتفائهم بالشمس، وترحالهم على صهوات الأحصنة، وترنحهم فوق هامات الجمال، وشغفهم بارتداء الأزياء العربية، فكان لبحثهم عن بقايا العهود الغابرة لتقاليد الشرق الأدنى القديم، أن غيروا وجهة الفن في أوروبا، ونقلوا الشرق عبر أعمالهم إلى أروقة المتاحف .

وفي إطار تقديم رؤية فنية واعية لبعض مقتنيات المعرض يقدم محمد حميدة #187;مصر#171; ورقة تحت عنوان (تساؤلات مقتضبة حول الاستشراق ) يرى فيها أن هذه المقتنيات توفر فرصة حقيقية أمام البحث التخصصي لاستجلاء كنه المكان، وقراءته ضمن توثيق مرئي ينحو إلى الواقعية اعتمادا على جملة من الأساليب الفنية المعنية بالمشاهد الشرقية المشرعة على أفق لا محدود، اضافة إلى عنايتها بمناظر تبدو في مكونها البصري أكثر قربا، حين تحتشد في ثناياها تفاصيل شديدة التركيب والتعقيد، وهو ما يمنح هذه الأعمال سرا من أسرار خلودها إلى جانب مقدرتها على إعمال الدهشة في النفوس .

وفي معرض توصيفه لمجمل لوحات المعرض يجد حميدة أنها تنحاز لرصد وتسجيل الأمكنة بصريا، حيث المكان موجود بصفته الحيوية أوالواقعية مع مجمل ما يحيط به من كائنات وبشر وسبل عيش، وهو واقع طوبوغرافي، يحبذ حميدة أن يحيله فنيا إلى مصطلح #187;مسرحة#171; الواقع، حيث اندفع كثير من الفنانين الاستشراقيين لأن يتصرفوا بصريا على مبدأ الاختزال والإضافة، واظهار عناصر على حساب أخرى، وتأكيد أفكار بعينها مقابل تنحية بعض الأفكار وهكذا، ويتتبع حميدة في جانب الرسوم الخاصة بفلسطين الكثير من المدن والقرى والآثار والأماكن الدينية والتاريخية، كما لو أن هناك مشهدية بانورامية في نسق فني جليل، حيث يتجلى الأسلوب الواقعي بالمنظور وتوزيع الأضواء والظلال والنسبة والتناسب، فضلاً عن تتابع المستويات رأسيا وأفقيا مع الانتقال المنطقي من المقدمات اللصيقة بالأعين والخلفيات المتوازية منطقيا، بين مكونات كل مشهد من المشاهد مع استعمال مجموعات لونية تكاد تكون متطابقة لدى معظم الفنانين .

يقول حميدة #187;يتضمن عدداً غير قليل من لوحات المستشرقين في فلسطين كما هو كائن في لوحات سوريا ولبنان والأردن، وكذلك مصر وبلدان المغرب العربي تصورات بالغة الحس والروعة لأماكن شاسعة رسمت من زوايا نظر علوية، استنادا إلى ارتقاء الرسامين لقمم وأعالي الجبال والمرتفعات والمنارات والأبراج المتاحة، رغبة منهم في كشف مساحات عريضة ممتدة الى اللانهاية والأفق المفتوح في أعمال تتسم جميعها باحترام أبهة المكان وامتداده عبر البسيطة المتواترة التكوين، إلى نحو ما يكون ذلك العمل الذاهب لأقصى نقاط الخلفية البصرية#171; .

ويقرأ حميدة بعض أعمال الرسامين كمحراب المسجد العمري ل س . براوت ، وأسوار عكا 1838 لوليم هنري بارتليت، ولوحة أسوار القدس لبارتليت نفسه التي رسمها في عام 1847 وتتضمن مجموعة من الشخوص، كذلك الأمر بالنسبة لضريح السيدة العذراء في القدس (بارتليت 1850) وغيرها من الرسومات .

وكانت ورقة عبد الله أبو راشد #187;فلسطين#171; التي عنوانها (لوحات المستشرقين في رحلة عابرة) قد بدأت بتوطئة في خلفيات الاستشراق الأوروبي، كما درست الجانب الجمالي المتعلق بالفن التشكيلي الاستشراقي في بلاد الشام ورموزه ومنتجيه في مسارات اللوحات التصويرية والحفرية، حيث نظر الباحث إلى منتجات فنون العمارة والفنون التطبيقية والتشكيلية الناتجة عن تلك الظاهرة بوصفها حديقة وارفة الظلال في قيمها الجمالية والفكرية الروحية ومرجعياتها الثقافية المسكونة بثقافة المكان العربي الإسلامي بأجمل حلة شكلية ووصفية . كما درس المذاهب والاتجاهات التقليدية الأوربية من الرومانسية والتأثيرية الانطباعية والتعبيرية والوحشية والرمزية والسريالية والتجريدية الأوروبية وغيرها في مراحل، وصولاً إلى الحضارة العربية الإسلامية وما تحوي في مروحتها الثقافية من ميادين ومجالات ذات صلة بالفلسفة والفكر وعلوم الفقه والدين والتشريع والعلوم النظرية والتطبيقية، كمعادل ثقافي موضوعي لذلك التفاعل الحضاري للشرق العربي المسلم والغرب الأوروبي المسيحي، ودرس مفاعيلها الثقافية المنفتحة على فنون الهندسة والعمارة والفنون التشكيلية والتطبيقية المهنية والتزينية العربية التي لا تقل تأثيراً وتأثراً في الحركات الثقافية بعامة والفنون التشكيلة الأوروبية بما تحوي من مدارس وتيارات فنية مُتشكلة في دول القارة الأوروبية بخاصة . بحيث حُسبت فنون العمارة والفنون الجميلة والمدرسة الرومانسية على الفرنسيين، والفلسفة وعلم الجمال والأدب والآثار على الألمان، والشعر والرواية التاريخية حسبت على الانجليز .

إلى ذلك درس الباحث ميادين الاستشراق الفني ومرتكزاته في أربعة محاور موزعة ما بين فنون (العمارة والزخرفة التزينية، الرسم والتصوير الملون، الحفر والطباعة اليدوية، المهن والصنائع التطبيقية)، وكل منها تحوي مجموعة هائلة من المنتجات الدالة على أبجدية العلاقات الحضارية وجدليتها ما بين حضارة الشرق المادية والشرق العربية الروحانية .

وخلص أبو راشد إلى التأكيد أن فناني الاستشراق الأوروبي قد استكملوا مدارات بحثهم التصويري والجمالي في ميادين الرسم والتصوير الملون والحفر والطباعة اليدوية والحجرية خصوصاً، بما امتلكوا من مواهب وخبرات أكاديمية ومهنية في بناء عوالمهم الفنية التشكيلية من خلال المزاوجة البينية بين المرئيات المستعارة والمحاكية لمجموعة الصور البصرية المُسبقة، والمرسومة والمتخيلة في ذاكرة فناني الاستشراق الأوروبي الشخصية عن الشرق العربي المسلم، وبين المعايشة اليومية والمباشرة لجماليات ذاكرة المكان العربي وتاريخه وأوابده وشخوصه وأطلاله وجمالياته .

الباحث والفنان التشكيلي غازي انعيم #187;الأردن#171; تتبع الشكل الفني في التصوير من حيث أسلوب التعبير وطريقة الأداء بامتداد ظاهرة الاستشراق في بلاد الشام، وكان انعيم قد اقترح لورقته عنوانا يحاكي المعرض في عين الغرب #187;المختلف#171; انطلاقا من مقتنيات صاحب السمو حاكم الشارقة، واعتبر أن هذا المعرض مناسبة يجب الوقوف عندها، لأنه بمثابة مشروع فني توثيقي تاريخي يضم لوحات تمثل صور الحياة والبيئة، والمنظر الطبيعي، والأسواق، والآثار، والحرف اليدوية، والصحراء، والأماكن الدينية، وغيرها من الموضوعات التي رسمت على مسطح الحجر بقلم الليثوغراف وثبتت بالصمغ العربي مع قطرات من الحمض ثم طبعت، وتتجلى فيها تنويعات المذاهب الفنية التي سادت في القرن التاسع عشر في الفن الأوروبي .

وقال انعيم #187;كان مهماً في أعمال الفنانين، هو كيف يدرسون موضوعاتهم باتزان وبدقة، ويقدمونها بإبراز عناصر التشكيل الخطية واللونية، إلى جانب الاهتمام بالتشريح وبعناصر التصميم وترابطها من حيث التنوع في الوحدة، بما يخدم العمل الفني#171; .

والمدقق في هذه اللوحات بحسب انعيم يجد أنها كرست لرسم مناظر الآثار المعمارية المدنية والدينية، ويلاحظ تأثير الإضاءة فيها، والتعبير عنها بصدق وبدقة متناهية وعالية .

ويعتقد انعيم أن هذه اللوحات في أغلبيتها أنجزت في محترفات الغرافيك في بلدانهم، لا سيما أن محترفات الغرافيك لم تكن متوفرة في تلك الأيام في بلاد الشام أو الوطن العربي، وتحدث انعيم عن اللوحات المستوحاة من مدينة القدس، ورأى أنها جذبت الفنانين الذين وجدوا في حواضرها ومساجدها وكنائسها وأسواقها وأوديتها وجبالها وما يحيط بها أرضا خصبة، هي حصيلة لوحات تنطق بالحياة وتدون تاريخ القدس وحياتها الاجتماعية والاقتصادية والجغرافية والعمرانية .

في السياق ذاته أظهرت اللوحات التي تناولت الآثار والأسوار وبوابات المدن في بلاد الشام، مقدرة الفنانين المستشرقين ورؤيتهم الهندسية في نقل ارتفاعات المباني ونسبها، كما عكست المنظور والإحساس بالعمق في إتمام المشهد كما في مدينة البتراء لديفيد روبرتس، حيث ملمس السطح الصخري للمدينة الوردية .

إن أعمال هذا المعرض المدروسة تتيح لنا أيضاً فرصة الخروج باستنتاج عام وهو أن الفنانين المستشرقين بهذا الشكل أو ذاك والذين وطأت أقدامهم أرض بلاد الشام للمرة الأولى، كانوا مهيئين لاستقبال العالم الجديد، ودخلوا فيه بإحساس مرهف، تحلى به أناس مخلصون للفن كل بمقدار مهارته وعبقريته، فلكل واحد منهم عالمه الخاص به حيث كان يسرع لتصويره، كما يراه بكل صدق وأمانة وشجاعة رغم المخاطر التي كانت تواجههم أثناء رحلاتهم .

حول مفهوم #187;البيتوراسك#171; قدم د . سامي بن عامر #187;تونس#171; ورقة تحاكي رسوم المستشرقين المشاركين في المعرض في مقاربة نقدية تحليلية، قال فيها #187;البيتوراسك#171; مصطلح فرنسي يقصد به حرفيّا #187;مثل صورة، أو الذي يمكن أن يتحول إلى صورة#171;، وقد اعتمدت الرومانسية هذا المصطلح، ليصبح معبّرا عن صنف جمالي مميّز لها . ووقف عند تعريف هذا المصطلح وتمعن في استعمالاته، وفهم أبعاده الجمالية وتداعياته التشكيلية والتعبيرية، انطلاقا من فهم الأعمال المشاركة في معرض بلاد الشام .

وخلص د . سامي بن عامر إلى أن #187;البيتوراسك#171; تعني إثارة الدهشة والاهتمام، وهو الآخر، المجهول والغائب، الذي يسعى الفنان الرومانسي إلى كشفه من خلال الوقوف عند تفاصيله الخصوصية والمحلية والمختلفة، الحية والحقيقية، من دون تجميل .أو إضافة .

أما في مجال الفنون، فلقد كان لأعمال الاستشراقيين بحسب د .بن عامر فضل في توثيق جغرافية الشرق وتاريخها، وتأسيس الفن الحديث في البلدان العربية، كما نوه بأن بعض الاستشراقيين في القرن العشرين قد تخلوا عن الأحكام المسبقة ليتفاعلوا مع بلدان الشرق خارج إطار الإثارة أمثال #187;ماتيس#171; و#187;كاندانسكي#171;، و#187;بول كلي#171; .

كما أن الاستشراق من خلال ما أنتجه من رسوم، كما يؤكد . بن عامر يعتبر جزءاً من ذاكرة الفن العربي الحديث، وإن من المهم التمعن في الكم الهائل من الرسوم التي تركها الاستشراقيون ومواصلة البحث حول هذا المصطلح، لفهم غاياته وحمولاته الأيديولوجية والسياسية والعقائدية والاهتمام بجوانبه السلبية والإيجابية على حد سواء .

وركزت ورقة د . ياسر الدويك #187;الأردن#171; على موضوع الطباعة الحجرية #187;ليثوغراف#171; وتتبعت نشوء هذا الفن منذ بداية القرن التاسع عشر، وأسماء أبرز الفنانين المشتغلين في هذا المجال، حيث أكد الدويك أن #187;فن الليثوغراف#171; قد عرف في زمن بالغ الأهمية من حيث التحولات الاجتماعية والصناعية والاقتصادية والسياسية لدى الشعوب الأوروبية، ما لعب دوراً بالغاً في تقدم الفنون التشكيلية.