إبراهيم الحمدو العمر *

تعتبر المنظومة التعليمية في زماننا من أهم مصادر الثقافة، وأهم المكونات الأخلاقية في تشكيل عقلية المجتمع، ولن يستطيع أن يزاحمها في دورها أي مصدر آخر من مصادر الثقافة والتعليم على كثرتها (من وسائل الإعلام إلى وسائل التواصل إلى الأسرة والبيئة والمجتمع) فهذه المصادر كلها، على أهميتها، لن تزاحم التعليم في غرس القيم الأخلاقية في نفوس المتعلمين،

إن التعليم هو الموجه الأساسي ومصدر التلقي للقيم الأخلاقية أكثر من غيره، وهو القادر على (بناء المناعة الذاتيةالمدافعة للعوامل المسببة لخروج السلوك البشري عن جادة الصواب، من خلال تعزيز ثقافة السلام والتسامح في المناهج المدرسية)، وإن العقل الإنساني يتشكل نتيجة تأثير عدة مؤسسات ومن أهمها المؤسسة التربوية التعليمية، وإذا تخلت هذه المؤسسة عن دورها في تكوين هذه المناعة الذاتية للجيل، فإن الأفكار الهدامة ستجد طريقها إلى عقول المتعلمين لتكوين ثقافة عدائية للمجتمع من داخل المجتمع، وتكوين عدو لا يمكن دفعه لأنه منتشر كالمرض الفتاك في ثنايا المجتمع وبين أفراده، ولكون المنظومة التعليمية هي أخطر الوسائل في تكوين العقلية والثقافة والمعتقد؛ فإننا نرى أعداء الأمة ومن يريد الكيد لها، يبدؤون بتغيير المنظومة التعليمية من جذورها، ليسهل عليهم تربية الجيل على الفكر الذي يريدونه والثقافة التي يرمون إليها، ومما لا شك فيه أن البشر لا تولد معهم القيم الأخلاقية في داخلهم، ولكن هناك أدوات تسهم في التكوين الأخلاقي، وتكوين القيم والمعتقدات، سواء كان هذا التكوين سلبياً أو إيجابياً، وسواء كان خيراً أو شراً.
تنمية الملكات
ولذلك فإن ابن خلدون يعتبر التعليم صنعة مستقلة، وهو يلعب دوراً في تدبير الحياة والمعاش وتحقيق العمران، ولا يهدف التعليم عند ابن خلدون إلى حشو الأذهان بالمعلومات؛ ولكن يهدف إلى تنمية الملكات التي تجعل الإنسان قادراً على العلم والمناظرة والتفاوض، وهنا ملحظ مهم جداً نستطيع أن نستخلصه من نظرية ابن خلدون التعليمية، وهو أن حشو عقول الجيل بالمعلومات يجعله سهل الانقياد لكل ذي فكر، لأنه لن تكون لديه المحاكمة العقلية الكافية التي تجعله يميز الطيب من الخبيث، فربما ينقاد من تعلم بطريقة حشو الذهن بالمعلومات إلى فئة تضلله، أو يتبع صاحب فكرة هدامة يجعل منه أداة مجرمة لتقويض المجتمعات، وأما إذا كان التعليم تنميةً للملكات القادرة على العلم والمناظرة والتفاوض؛ فإننا عند ذلك ننشئ جيلاً محصناً من داخله، قادراً على محاكمة الأفكار على ضوء مفهوم الدين الوسطي الصحيح الذي يبني ولا يهدم، ويدعو للتعايش السلمي مع أصناف البشر، وينظر لأي إنسان على أنه مخلوق من عيال الله، ونسمة يجب احترامها كما علمنا النبي صلى الله عليه وسلم، ونستطيع أن نستخلص من مفهوم فكرة ابن خلدون أنه إن صلح التعليم صلح المجتمع، وإن فسد التعليم فسد المجتمع، .
ويرى (جان جاك روسو) في كتابه (إميل) أن الهدف الحقيقي من التعليم هو أن أجعل من تلميذي إنساناً (قبل كل شيء، بكل ما ينبغي أن يكونه الإنسان (1)، (وهي رؤية تتصل مع رؤية ابن خلدون في نظريته التربوية، لأننا حينما نكون قادرين على تكوين إنسان يتمتع بإنسانية كاملة؛ فإننا نكون قادرين على تكوين مجتمع صالح، يسعى للسلم والمعايشة والمواطنة مع كل الأطياف والأديان والأجناس؛ لأنه يتمتع بحس إنساني، ونكون أيضاً قادرين على تحويل الشخص إلى فرد أخلاقي فاعل في المجتمع، ومواطن صالح يسعى للتسامح لا لعداوة الآخرين، (فالتربية تهدف إلى أن تحل الذات الجماعية داخل الأفراد محل الذات الفردية، ومن ثم يصبح الفرد قادراً على إعلاء المصلحة الجماعية للمجتمع، والعمل من أجل تحقيقها، وتلك الغاية الكبرى للقيم الأخلاقية والالتزام الأخلاقي) (2). والإنسان اجتماعي بطبعه وفطرته التي فطره الله عليها؛ فهو يتعايش مع مجتمعه بتسامح وسلام وتعاون، ولن ينحرف سلوك هذا الإنسان عن طبعه الإنساني إلا نتيجة ثقافة مغلوطة، أو مفاهيم سقيمة، ولن يرده إلى خلق التسامح والسلام إلا تعليم سليم، وثقافة صحيحة، ودين وسطي يدعو للسلام وينبذ العنف (والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ) (يونس: الآية 25).
المنظومة التعليمية بوابة الإصلاح الإنساني، وأصل الاستقامة الفكرية وهي جذر العمل الجماعي الذي يجعل الفرد يتفاعل مع محيطه الإنساني، ويرى أن أهم عمل يقوم به هو المساهمة في بناء المجتمع الذي يعيش فيه، والمؤسسات التربوية من خلال مناهجها التعليمية وأساليبها البناءة هي وحدها القادرة على تنشئة الأجيال على مفاهيم الاعتدال والتسامح، ونبذ التطرف والعنف، وبيدها بناء الشخصية الإسلامية المتوازنة الممثلة لحضارة الإسلام الوسطي فكراً وسلوكاً وعقيدة صافية نقية، تلك الشخصية التي تتمتع بالشعور بالمسؤولية، والقدرة على البناء الحضاري، وبذلك تكون المناهج التعليمية ناجحة في المحافظة على تماسك المجتمع ووحدته وتوازنه، والارتقاء بفكر المتعلمين وسلوكهم لتحقيق معنى التسامح والإخاء والتعايش السلمي.
العناصر المكونة للعملية التربوية
والعناصر المكونة للعملية التعليمية التربوية أربعة وهي: الطالب ومناهج التعليم والمعلم والبيئة المدرسية، ولن تؤتي العملية التعليمية ثمارها في ترسيخ معنى التسامح ونبذ العنف إلا بالنهوض بهذه العناصر الأربعة، ولا شك أن أهمها هو مناهج التعليم، ذلك لأن المعلم هو مبلغ لهذه المناهج، والطالب هو الذي يتلقاها، والبيئة المدرسية هي الأرض الخصبة التي تنمو فيها هذه المناهج، فالمدار على مناهج التعليم، والهدف هو تطوير هذه المناهج وحسن صياغتها وتأليفها لتؤتي ثمارها في تكوين جيل متسامح وسطي، وإذا لم تشبع هذه المناهج نهمة الطالب الفكرية والثقافية؛ ولم تكن قادرة على تحقيق طموحه، وإشباع ميوله؛ وإذا كانت عاجزة عن حماية الطلبة من بواعث الانحراف، فإن الطالب - لا شك - سيذهب إلى هنا وهناك يبحث عما يرفد عقله بالمعرفة وفكره بالثقافة، ويوجه سلوكه.
المناهج التعليمية وعاء المعلومات
يستقي الطالب معلوماته من هذا الوعاء التعليمي، لذلك لا بد من مسايرة المناهج لمتطلبات العصر، ومواكبتها لتطوراته المتسارعة ونموه،(ويقصد بذلك أن تكون الأهداف التربوية منبثقة من حاجات المجتمع المتغيرة، حيث إن مواصفات الطالب في الوقت الحاضر هي نتاج للعملية التعليمية، ومخرج لها يجب أن يوافق احتياجات المجتمع المتغيرة، وهذا يعني أن تحديد المهددات الفكرية والاجتماعية في الوقت الحاضر يجب أن يأتي ضمن أولويات المنهج الدراسي، بحيث يخرج الطالب من العملية التعليمية ولديه القدرة على التمحيص والنقد والمفاضلة بين القضايا بشكل يخدم الصالح العام)(3) لأمته ووطنه.
خصائص لا بد من توفرها
لا بد من توفر بعض الخصائص في المناهج التعليمية المعاصرة وذلك نظراً للواقع الذي نعيشه، فالطالب الآن لا يعيش في عزلة عن المجتمعات كما كان يعيش من سبقه، لأن العالم أصبح قرية صغيرة، والبلدان كلها لا يفصل بينها إلا ضغطة زر على (جوجل إرث) لينتقل الشخص من طرف المعمورة إلى طرفها الآخر فيعايش أهلها، ويقتبس من عاداتهم ويستلهم أفكارهم، وهذا يوجب:
- أن تكون المناهج التعليمية قابلة للتعديل بحسب مقتضيات المصلحة الوطنية.
- وأن تهدف المواد الدراسية في مجملها إلى تعميق مفهوم الولاء الوطني وطاعة ولي الأمر لدى جميع أفراد المجتمع، حيث أصبحت التنشئة الوطنية إحدى الضرورات الأساسية في هذا العصر الذي نعيشه لإيجاد إحساس عام بالالتزام والولاء للدولة والمجتمع، (ويلعب التعليم دوراً كبيراً في تكوين ثقافة المواطنة والمسؤولية الاجتماعية. وقد ذهب كثير من الباحثين التربويين إلى تأكيد أهمية التعليم من أجل المواطنة، أو التعليم الذي يتوجه بقيم المواطنة).(4)
- تعزيز المناهج المدرسية بمفاهيم التعامل مع أهل الديانات الأخرى، وتبيين المفهوم الصحيح لكثير من أحكام الإسلام التي يتخذها أصحاب الفكر المنحرف ذريعة لجر أبنائنا إلى العنف والتطرف.
- بناء منظومة من القيم لدى الطلبة ليصبحوا قادرين على تمييز ما تبثه وسائل الإعلام المختلفة، ومحصنين من مفاهيم الغلو والتطرف
- أن تبرز أدب الخلاف في الإسلام وحرية الرأي واحترام الرأي الآخر والتسامح مع من يخالفني في ديني أو رأيي، وضرورة مواجهة الفكرة بالفكرة، لا مواجهة الفكرة بالمعاندة والعنف.
- أن تعيش المناهج التعليمية الواقع الحالي للأمة بكل تعقيداته وترسم الحلول المستقبلية له كبديل عن حل التطرف.
- أن تخصص برامج خاصة في المدارس لتوعية الطلبة بأمور دينهم ومستجدات الواقع والتعليق على الأحداث الجارية
تبيين مخاطر الغلو على الأمة، وأن ذلك لا ينبع إلا من قلة العلم، والجهل، وضعف التأصيل، وغياب المرجعية، وأن كل ذلك نبتة بعيدة عن أرضنا، ومفهوم ليس من ديننا.(5)

هوامش:
(1) جان حاك روسو: إميل، ترجمة الدكتور نظمي لوقا، دار النشر، الشركة العامة للطباعة والنشر، الطبعة 2، 1958، ص 31
(2) انظر الشبكة العنكبوتية (التعليم وتأسيس منظومة القيم) كتابة: أحمد زايد
(3) انظر: مقال حنان عواد الفاعوري: دور المؤسسات التربوية في نشر الاعتدال الفكري صحيفة الرأي 17-6 - 2010
(4) انظر: أحمد زايد: التعليم وتأسيس منظومة القيم
(5) انظر: حنان عواد الفاعوري: دور المؤسسات التربوية في نشر الاعتدال الفكري

* المفتي في المركز الرسمي للإفتاء بأبوظبي