ترجمة: محمد إبراهيم فقير

هل يمكن للحزن والأسى وانكسار الفؤاد بعد فقدان شخص عزيز أن يكون قاتلاً؟
نعم هذا صحيح من الناحية الطبية، وهذا ما أظهرته دراسة جديدة أعلن علماء بريطانيون نتائجها المفاجئة في الأسبوع الماضي .
وقد اوضحت الدراسة أن مخاطر الإصابة بفشل قلبي أو سكتة تتضاعف في الشهر الأول الذي يعقب فقدان شخص عزيز .
وتعزز هذه النتائج البراهين المتنامية التي مفادها أن الحرمان من شخص عزيز لا يكتفي بزيادة مخاطر الاكتئاب والقلق فحسب، بل يمكنه أيضاً أن يضعف دفاعات الجسم ضد جميع أنواع الأمراض من النزلات الشائعة وحتى السرطان .
وقد باتت هذه الحالة مثبتة إلى الحد الذي بات فيه الأطباء يشبهونها بالحالات المرضية، بل وأطلقوا عليها مسمى "متلازمة الفؤاد المحطم" .
يقول الأطباء إن الذي يفقد شخصاً عزيزاً تزداد أرجحية وفاته في السنة التالية لفقدانه محبوبه ب6 مرات، بالمقارنة مع احتمالات وفاته في أي وقت آخر .
وتفسر هذه الظاهرة حقيقة أن كثيراً من الأرامل ( من الرجال والنساء) يموتون بعد أشهر قليلة من فقدانهم لشريك حياتهم .
وتأتي هذه الدراسة لتعزيز فرضية وفاة كثير من الأشخاص المشهورين بعد فقدانهم لشريك حياتهم، فعلى سيبل المثال توفي رئيس الوزراء البريطاني الأسبق جيمس كالاغان، في 2005 عن عمر ناهز ال92 عاماً بعد إصابته بالتهاب الرئة، وذلك بعد 11 يوماً فقط من رحيل زوجته التي دام زواجه بها 67 عاماً .
وفي عام 2003 توفي المطرب الشهير جوني كاش وهو في ال71 من عمره، بعد 4 أشهر فقط من وفاة زوجته جون .
وتوجد أسباب كثيرة ومعقدة لتفسير ظاهرة متلازمة "الفؤاد المحطم"، بيد أن إفراز الكورتيزول، وهي مادة كيميائية تفرزها الغدة الكظرية عند إحساس الجسم بالخطر، قد يكون أكبر مصادر المتاعب الصحية .
وتزيد فورة الكورتيزول من مقدار السكر في الدم لمساعدة عضلاتنا على العمل بطريقة أسرع . وهي تسرع ترميم الجروح وتحمل مزيداً من الطاقة للدماغ .
وهذه العملية لا غبار عليه حينما يتعلق الأمر بشروط النمو والتطور الجسماني الطبيعي . بيد أن جدواها تنقص حينما تواجه كدراً عاطفياً ومعنوياً طويل الأجل .
وفي هذه الحالة، يمكن للهرمون أن يتراكم في الدم ليصل لمستويات مؤذية، ويؤثر في أجزاء كثيرة في الجسم .

فقدان الشعر

تفقد بعض النساء شعورهن بمعدلات كبيرة، في غضون بضعة أسابيع من فقدانهن لشخص عزيز .
وينمو الشعر بدورة طبيعية . فالجدلة "أو السبيبة" تنمو في العادة من فروة الرأس لفترة 3 أعوام وبعدها تدخل في حالة سبات أو سكون ل 3 أشهر . ومن ثم تسقط لكي تمهد الطريق أمام جدلة جديدة .
وفي أي وقت، يكون 10% من الشعر في حالة سبات، في حين تسقط في أي يوم 30 - 150 سبيبة بطريقة طبيعية .
والمستويات العالية من الكورتيزول يمكنها أن تجعل ما يزيد على 30% من الشعر في وضع السبات، وبعد 3 اشهر تسقط، وتؤدي لتكوين رقع صلع وإضعاف الشعر وترققه .
والأمر الإيجابي هو أن هذه الحالة، التي تسمى ب"تساقط الشعر الكريي"، تعالج نفسها بنفسها في الغالب . حيث يفترض أن ينمو الشعر بطريقة طبيعية في غضون 6 أشهر .

نزلات البرد والإنفلونزا

يقول العلماء إن الحزن يضعف الجهاز المناعي، ويجعلنا عرضة للإصابة بنزلات البرد والإنفلونزا وألم الحنجرة واضطرابات المعدة . ومرة أخرى فإن الجاني هو الكورتيزول، الذي يندفع في أرجاء أجسامنا حينما نكون متوترين وقلقين لكي يهيئنا للهروب السريع من الخطر .
ولكي يمنح عضلاتنا ودماغنا طاقة أكثر، يحرف الكورتيزول أو يبعد مصادر أو موارد أجسامنا بعيداً عن أجهزتنا المناعية . وعلى مدار أسابيع وأشهر، يمكن لهذه العملية أن تزيد من أرجحية تعرضنا للأمراض .
ووفقاً لباحثين من جامعة برمينغهام بالمملكة المتحدة يؤدي القلق الشديد والمزمن لزيادة احتمالات إصابتنا بفيروس التهابي بنسبة 20% .
ولأن الكورتيزول يثبط الجهاز المناعي، فان أجسامنا لا تستجيب بطريقة سليمة للأمصال . وهذا يعني أن حقنة مصل الإنفلونزا السنوية التي يتلقاها كثير من الناس، ستكون على الأغلب غير مجدية إذا كان الشخص الذي تلقاها يعاني حالة حزن بسبب فقدانه لفرد عزيز عليه وبالتالي تزداد احتمالات تعرضه لالتهاب .

نوبات الصداع

الحزن الذي يرافق فقدان شخص عزيز، يمكنه أن يتسبب بإطلاق نوبات صداع توتري، والأسباب ليست مفهومة بدقة، لكنها تربط غالباً بتوتر أو ضيق عضلات الكتف والعنق . وهي إضافة للدوار والغثيان والوجيب "زيادة وتائر خفقان القلب"، وتشنجات المعدة وأوجاع العضلات، تعد من الآثار الجانبية الشائعة وسط الأشخاص الذين يعانون قلقاً أو ضغطاً عاطفياً شديداً .
ويعتقد العلماء أن أعراض هذه الحالة تنشأ من إفراز الكورتيزول والأدرينالين في الدورة الدموية . ويقول الأطباء إن الصداع حتى إذا لم يكن مبعثه في البداية الحزن، فإن أي قلق يتكفل بمضاعفته .

الأزمة "الربو"

أي حدث مقلق، كبير كفقدان شخص عزيز، يمكنه إثارة نوبة أزمة "ربو" لدى الأشخاص الذين يعانون هذا المرض .
وفي الحقيقة قد تزيد الاحزان مخاطر الإصابة بالمرض في المقام الأول .
في السنة الماضية، راجعت دراسة موسعة سجلات أكثر من 5 ملايين طفل سويدي ودنماركي "ولدوا في الفترة من 1977 - 2006" . ووجد الباحثون أن الأطفال الذين فقدوا أماً أو أباً أو أخاً قبل بلوغهم سن ال،18 إزدادت بنسبة 10% أرجحية دخولهم لمستشفى لمعالجتهم من الأزمة بالمقارنة مع الأطفال الذين لم يحرموا من أب أو أم أو أخ .

ارتفاع ضغط الدم

في الغالب، يرتفع ضغط الدم في الأسابيع الأولى التي تعقب فقدان شخص عزيز، وهذا بالطبع ليس أمراً يثير الاستغراب .
ويقول الأطباء إن هرمونات القلق التي تفرز في مجرى الدم تجعل القلب يخفق بسرعة أكبر وتضيق الأوعية الدموية . "البراهين على تأثيرات الفقدان طويل الأجل في ضغط الدم ليست واضحة تماماً" .
وفي التسعينات من القرن الماضي، أظهرت دراسات أجريت على أسر جنود متوفين ارتفاع ضغط الدم وسط أقرباء المتوفين حتى بعد 4 أعوام من الوفاة .
والسبب في ذلك قد يكون مرتبطاً بارتفاع مستويات هرمونات القلق بأعلى من معدلاتها الطبيعية، أو قد يكون ناجماً من تغيرات مدمرة في نمط وأسلوب الحياة، كالتدخين أو احتساء الكحول .
ومن الممكن ألا يشكل ارتفاع ضغط الدم مشكلة خطيرة للأشخاص الذين يتمتعون بلياقة صحية جيدة، وللشبان، لكنه قد يكون كافياً للتسبب بنوبات قلبية أو سكتات للمتقدمين في السن أو لفئة متوسطي العمر .

داء الإمعاء الالتهابي

يعاني آلاف البشر حول العالم من التهاب القولون التقرحي، وهو مرض التهابي قولوني طويل الأمد .
وتشمل أعراض هذا المرض، الذي ينجم من التهاب يصيب الأمعاء الغليظة، الإسهال، نزول دم مع الغائط، تشنجات المعدة والحاجة المتكررة للذهاب لدورة المياه .
وأسباب هذا المرض غير معلومة ولا يوجد علاج حاسم له . ويقول الأطباء إن القلق الذي ينجم من فقدان شخص عزيز يمكنه أن يتسبب بإحداث انتكاسات ونوبات، أو يجعل الأعراض تسوء أكثر .

السرطان

يقول الأطباء إن الجهاز المناعي لا يقاوم الفيروسات والأمراض فحسب، لكنه يلعب دوراً مهماً في مدافعة ومقاومة السرطان أيضاً . بيد أن مستويات الكورتيزول العالية التي يتسبب بها الفقدان يمكنها إضعاف الجهاز المناعي . وأظهرت دراسات أن النساء الأرامل لديهن خلايا قاتلة طبيعية أقل "الخلايا الموجودة في الجهاز المناعي التي تهاجم الأورام" .
وأوضحت دراسة سويدية أجريت في العام ،2003 أن النساء اللائي فقدن أزواجهن تضاعفت أرجحية إصابتهن بسرطان الثدي، بالمقارنة بالنساء اللائي لم يفقدن أزواجهن .
بيد أن مؤسسة أبحاث السرطان في المملكة المتحدة، تقول إن كثيراً من الدراسات أظهرت أن العلاقة إما ضعيفة أو منعدمة .
وتقصي أسباب وتأثيرات العلاقة بين الفقدان والسرطان، ليست سهلة، والأمهات الثكالى اللائي فقدن ابناً قد تزداد أرجحية إقبالهن على التدخين، والإفراط في الأكل، وقلة ممارسة الرياضة "وهذه عوامل تزيد مهددات الإصابة بالسرطان" .

آلام العضلات وكسور العظام

فقدان شخص عزيز من الممكن أن يتسبب بإثارة سلسلة من التغيرات غير الصحية في أسلوب الحياة ونمط المعيشة "مثل التدخين وشرب الكحول، وتناول الأطعمة السريعة وقلة ممارسة الرياضة" .
ويقول الأطباء إن أجسامنا تخسر عضلات وعظاماً مع تقدمنا في السن، والحزن على فقدان شخص عزيز يمكن أن يفاقم هذه الخسارة .
ويقول الأطباء إن الكورتيزول يمكنه تقليل تشكل العظام، وبالتالي قد يسبب ضعف وهشاشة لعظام الأرامل .
وتوضح البروفيسورة جانيت لورد، الباحثة في العلاقة بين المناعة وفقدان شخص عزيز، في جامعة برمينغهام بالمملكة المتحدة: "إن الحرمان من شخص عزيز قد يكون مصحوباً باكتئاب، والأشخاص المكتئبين تقل أرجحية خروجهم من منازلهم، ما قد يسهم في فقدانهم لعضلات وعظام" .
أمراض القلب والسكتات:
وفقاً لدراسة أجرتها جامعة هارفرد في العام ،2012 تزداد مخاطر الإصابة بنوبة قلبية ب21 ضعفاً في ال24 ساعة التي تعقب وفاة الزوج أو الزوجة .
وفي الأسبوع الأول التالي لفقدان الزوج، تزداد ب6 أضعاف أرجحية معاناة الأرامل من نوبة قلبية . والقلق الناجم من فقدان شريك الحياة يمكنه أن يزيد وتائر خفقان القلب، ويرفع ضغط الدم ويزيد سماكته .
وفي مثل هذه الحالات، يحدث إرباك للنوم وشهية الطعام، وينسى الأفراد أخذ أدويتهم المعتادة "وهذه كلها عوامل تسهم في زيادة المخاطر" .
وقد أظهرت دراسات أن الأشخاص الذين فقدوا أحباء في وقت قريب، عانوا تغيرات في ايقاعات القلب، ما يجعلهم في خطر .

السكري

فقدان شخص عزيز، قد يزيد مخاطر الإصابة بسكري النمط 2 "نسخة مرض السكري التي تظهر في العادة في منتصف العمر" .
وقد أظهرت دراسة دنماركية أجريت في العام 2005 أن الأمهات اللائي فقدن طفلاً في ال18 عاماً السابقة، كانت أرجحية إدخالهن المستشفى للعلاج من السكري، أعلى ب41% بالمقارنة مع الأمهات اللائي لم يفقدن طفلاً .
ويعتقد العلماء أن مستويات الكورتيزول العالية المزمنة تتلف الخلايا التي تفرز الأنسولين في البنكرياس "الأنسولين هو المادة التي تتحكم في سكر الدم" . ويمكن لتعقيدات سكري النمط 2 أن تكون خطيرة وتشمل ضعف التروية الدموية، فقدان الإبصار، الإصابة بأمراض القلب والكلى، والإجهاض أيضاً .
هل تعلم؟ الغزلان والقرود والأسود، تُظهر جميعها الحزن بعد وفاة أحد أحبائها .

الحزن مفيد أيضاً

أظهرت دراسة هولندية جديدة أن الحزن قد يشكل محفزاً فعالاً لزيادة رغبة الأشخاص بالحصول على أشياء .
وقال باحثون في جامعة "أوتريخت" في دراسة حديثة أنه في الوقت الذي يعبر فيه الناس عامة عن الحزن بالمشاعر السلبية، لكنه ينشط في الواقع منطقة من الجانب الشمالي للدماغ ترتبط بمشاعر إيجابية كثيرة، وهو مثل المشاعر الإيجابية يحفز الأشخاص على السعي وراء بعض الأمور . وقال الطبيب المسؤول عن الدراسة هانك آرتس إن "الناس يُحثون للقيام بأمر ما أو الحصول على شيء ما في الحياة لأنه مرض بالنسبة لهم، وهذا يعني عادة أن الأمر إيجابي ويشعرك بالسعادة" .
وبحث آرتس وزملاؤه في إمكانية تطبيق ذلك على الحزن أيضاً، فرأوا أن الأخير يحث ويحفز الأشخاص للسعي وراء أمر ما وتحقيقه .

اضطراب إجهاد ما بعد الصدمة يصيب الأطفال الحزانى

أظهرت دراسة في جامعة جورجيا أن الأطفال الذين فقدوا أحد أهلهم بسبب أمراض مثل السرطان قد يعانون اضطراب إجهاد ما بعد الصدمة . وقالت رينيه سيرلز ماكلاتشي إحدى المشاركات في وضع الدراسة، إن علاج الحزن عند الأطفال الذين فقدوا أحد الوالدين لا يتم بدون معالجة عوارض اضطراب إجهاد ما بعد الصدمة أولاً .
يشار إلى أن ماكلاتشي هي مؤسسة ومديرة معسكر ماجيك، وهي منظمة غير ربحية تنظم مخيمات أسبوعية تمزج خلالها النشاطات مثل التسلق بعلاج اضطراب ما بعد الصدمة والحزن .
وقامت ماكلاتشي وزملاؤها باختبار طال 100 طفل، فتبين أن حدة الاضطراب بالنسبة للأطفال الذين لم يشاركوا في المخيمات كانت أعلى ب 4,5 مرة ممن شاركوا .
وتبين في الدراسة أن أعداد الذين يشعرون بحزن شديد كان 6,3 مرة أكثر بالنسبة للأطفال الذين لم يشاركوا في المخيمات .
وأظهرت الدراسة وجود ارتباط بين اضطراب إجهاد ما بعد الصدمة والحزن .  يشار إلى أنه في العام ،2005 أجريت دراسة تبين خلالها أن حال الأطفال الذين خضعوا لمعالجة الحزن من دون علاج اضطراب إجهاد ما بعد الصدمة لم تتحسن حتى إنها تراجعت في بعض الحالات .