وصف الله عز وجل النفس في كتابه الكريم بأوصاف متعددة: فهي تعلم قال الله تعالى: علمت نفس ما أحضرت (التكوير: 14) وتجهل قال الله جل وعلا: وما تدري نفس ماذا تكسب غداً وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير (لقمان: 34) وهي تحزن وتتحسر قال الله تعالى: فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما يصنعون (فاطر: 8) وتشتهي وتتلذذ قال الله تعالى: ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكن فيها ما تدعون (فصلت: 31)، وهي تشعر بالمشقة والضيق والحرج قال الله تعالى: وتحمل اثقالكم الى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم لرؤوف رحيم (النحل: 7) وقال الله تعالى: فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليما (النساء: 65)، وهي شحيحة بخيلة، أو طيبة سخية قال الله تعالى: ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون (التغابن: 16)، وقال الله تعالى: فإن طبن لكن عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً (النساء: 4).
خطرات النفس
أوصاف كثيرة للنفس في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، تكشف عن طبيعتها، وسبل التعامل معها، ولكن الخاصية التي أريد أن أقف معها هنا هي ما تتميز به النفس من قدرة على اخفاء ما بها وتأثير ذلك فيها وفي محيطها الذي تعيش فيه ولقد كشف القرآن الكريم عن هذه الصفة في أكثر من آية وحسبي ان اقف مع هذه الخاصية للنفس الانسانية من خلال آية واحدة هي قول الله تعالى: لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ما في انفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير (البقرة: 284)، فالآية الكريمة تضع النفس أمام حقيقتها، وهي بذلك تكشف عن أهمية النفس وخطورة دورها، فهي تبين ان للنفس القدرة على اخفاء ما بها، ومع ذلك فإن السلوك الظاهر يعد انعكاساً لصحة النفس ومرضها جاء في تفسير أبي السعود عند تفسير قول الله تعالى: وإن تبدوا ما في أنفسكم قال: من السوء والعزم عليه بأن تظهروه للناس بالقول أو بالفعل أو بهما فالسلوك يكشف عن مخزون النفس وطبيعتها. وقوله تعالى: أو تخفوه تنبيه على أن ما تخفيه النفس تحاسب عليه وفي قوله تعالى في الآية التي بعدها: لا يكلف الله نفساً إلا وسعها دلالة على أن العموم في قوله تعالى: أو تخفوه غير مراد، لأن خطرات النفس العابرة والتي لا يعقد عليها الانسان عزماً، لا ينجو منها أحد، فإذا أوخذ بها كان في ذلك تكليف بما لا يطاق، لذلك لما نزلت: لله ما في السموات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله، اشتد ذلك على الصحابة، فقالوا: يا رسول الله، إنا لمؤاخذون بما تحدث به أنفسنا؟ هلكنا فأنزل الله عز وجل: لا يكلف الله نفساً إلا وسعها، أي أن ما لا يستطيع المرء الفكاك منه من خطرات النفس العابرة لا يؤاخذ عليه ويؤيد ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم يتكلموا أو يعملوا به.
تحذير وتوجيه
وكما ان للبدن الظاهر من خلال أدواته أعماله الحسنة التي يثاب عليها، كالصدق، والنفقة في سبيل الله، والمشي في قضاء حوائج الناس.. الخ، وأعمالاً أخرى قبيحة يستحق عليها العقاب، كالكذب، والسرقة، وظلم العباد.. الخ، فكذلك النفس، عن طريق القلب، لها أعمالها الحسنة التي تستحق عليها الثواب العظيم، مثل محبة الله عز وجل، والخوف منه، والتوكل عليه، والانابة اليه، ولها أعمالها القبيحة التي تستحق عليها الذم والعقاب، وذلك مثل النفاق والرياء والكبر والحسد والحقد، ويلحق بذلك ما أصر عليه العبد وعقد عليه العزم قال الله تعالى: لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم والله غفور حليم (البقرة: 225) فالآية دليل واضح على ان المرء مؤاخذ على ما اكتسب من الإثم اظهر أم أبطن، قال الله تعالى: إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا (الاسراء: 36) ويلحق بما أخفاه من عمل القلب ما عقد عليه العزم ومنعه منه عجز، أو عارض.
وفي قول الله تعالى: يحاسبكم به الله أي يجزيكم عليه ما تستحقون إن خيراً فخير، وان شراً فشر، ولا يخفى ما في ذلك من ترغيب وترهيب يدفع المخاطب الى توخي الحذر من الوقوع فيما يجعله عرضة للعقاب وهذا ما أكده الله تبارك وتعالى في الآية التالية لها بقوله: لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت قال الشوكاني: في ترغيب، وترهيب، أي: لها ثواب ما كسبت من الخير، وعليها وزر ما اكتسبت من الشر.
وفي قوله تعالى: وان تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله تحذير شديد للنفس من اضمار الشر والتمادي فيه، لأنها مهما تخفت فإن أمرها لا يخفى على الله تعالى وقد جاء هذا التحذير واضحاً في قول الله تعالى: واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه واعلموا أن الله غفور حليم (البقرة: 235)، والى جانب التحذير توجيه للنفس بما ينبغي عليها أن تتحلى به من الأخلاق الحسنة التي تسكن اليها الفطرة السليمة، ويقبلها العقل الرشيد ولا تكون كذلك إلا بموافقتها للشرع الحنيف.
المغفرة قبل العذاب
وفي قوله تبارك وتعالى: فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ابراز لصفاته العليا سبحانه وتعالى فهو يغفر، لأنه الغفور الرحيم، ويعذب لعدله وحكمته، وفي تقديمه للمغفرة قبل العذاب توافق مع ما رواه البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله لما قضى الخلق كتب عنده فوق عرشه إن رحمتي سبقت غضبي ومن عرف الله تعالى على هذا الوجه ملأت محبته قلبه وغمرت نفسه بما يرضي الله سبحانه ويحبه وتحولت الى نفس صالحة مصلحة تنسجم مع ما في الكون من مخلوقات تخضع لله تعالى، وتسبح بحمده.
إن الله عز وجل لا يخاطب الناس إلا بما يسعهم ادراكه، والتحقق منه، وعندما يخبر الله جل وعلا أنه يعلم خفايا النفوس يكفي خبره لأنه الخالق، والله عز وجل له القدرة المطلقة، وقد دلل الله تعالى على كمال قدرته من خلال الأخبار عن خبايا النفوس، روى الإمام أحمد عن عبدالله بن عمرو، ان اليهود كانوا يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم: سام عليك، ثم يقولون في أنفسهم، لولا يعذبنا الله بما نقول فنزلت هذه الآية: وإذا جاؤوك حيوك بما لم يحيك به الله ويقولون في انفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول حسبهم جهنم يصلونها فبئس المصير ولذلك كان المنافقون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يخافون ان تنزل عليهم سورة تفضحهم قال الله تعالى: يحذر المنافقون ان تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزئوا ان الله مخرج ما تحذرون (التوبة: 64) ومن عظيم فضله سبحانه ستره لهؤلاء المنافقين وحلمه عليهم مع تنبيههم لعجزهم وقدرة الله عليهم حيث يقول: ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول والله يعلم أعمالكم (محمد: 30) لذلك ختم الله تبارك وتعالى الآية بقوله: والله على كل شيء قدير.
كمال القدرة الإلهية
إن الله عز وجل لا يخفى عليه شيء، لذلك فإن قوله تعالى: أو تخفوه أي عن الناس. ومن كمال قدرته سبحانه عجز غيره عن بلوغ الكمال لذلك فإن الاخفاء التام وعلى الدوام أمر غير مستطاع للانسان المخلوق الضعيف واليه الاشارة في قوله تعالى: ولتعرفنهم في لحن القول ومن أجل ذلك قال الامام الراشد ذو النورين عثمان بن عفان رضي الله عنه: ما أسر أحد سريرة إلا أبداها الله على صفحات وجهه، وفلتات لسانه. ولله در الملهم زهير حيث قال:
ومهما تكن عند امرئ من خليقة
وإن خالها تخفى على الناس تعلم
ان الاهتمام بالنفس وجعلها الأساس في العمل الظاهر منه، والخفي، فيه ارشاد الى أمر مهم فيه صلاح الأعمال، وعلى أساسه يتم قبولها، وهذا الأمر هو الاخلاص، والاخلاص معنى في القلب لا يطلع عليه أحد إلا الله سبحانه. قال الله تعالى: وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء (البينة: 5) وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى.
وفهم النفس بهذه الطريقة يولد عند الأفراد في المجتمع رقابة ذاتية، ويمنحهم الحرية، والثقة بالنفس، لأنه إذا شعر الفرد أن الذي يراقبه هو الله تعالى، وان الذي يأمره وينهاه هو الله تعالى، فإنه سيسعى الى اتقان العمل والابداع فيه فينمو عنده الشعور بالثقة والاعتزاز ليقينه بأن هذا المعنى سيجعله في معية الله تعالى: إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون (النحل: 128).
إن القرآن الكريم عندما يتكلم عن النفس الانسانية، إنما يتكلم عن شيء يعرفه، لذلك فإنه يوجهها لما فيه صلاحها وصلاح المجتمع وصدق الله تعالى إذ يقول: ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير (الملك: 14).