تتعرض السنة النبوية المطهرة لهجمات شرسة ليس فقط من أعداء الإسلام أو غير المنتمين إليه وإنما أيضاً من بعض المنتسبين إليه، الذين يشككون في كثير من الأحاديث، ووصل الأمر إلى أبعد من ذلك، بوضع الشبهات حول الصحاح خاصة صحيح البخاري، إما عن جهل مطبق وإما اتباعاً للأهواء .

من هنا نحاور الدكتور محمد الأحمدي أبوالنور . . أحد أبرز علماء السنة النبوية المعاصرين ووزير الأوقاف المصري الأسبق وعضو مجمع البحوث الإسلامية والذي قضى جل حياته في العلم والبحث والدراسة والدعوة من أجل دين الله، وتخصص في دراسات وعلوم السنة المطهرة والدفاع عنها أمام أعدائها الذين يسعون بكل السبل وشتى الوسائل إلى التشكيك فيها وهدمها .

وهذا نص الحوار:

هناك من يطالب بتنقية السنة مما علق بها من أحاديث غير صحيحة لكنهم تجاوزوا ذلك إلى صحيح البخاري . . ما رأيكم؟

هذا الزعم قديم وهو يلبس الحق بالباطل، فتنقية الأحاديث من المدسوس والموضوع والضعيف إلى آخره تمت فيها الجهود منذ القرون الأولى، منذ بدأت المصنفات الحديثية تأخذ طريقها إلى الأمة ومنذ عصر التابعين وتابعي التابعين، كان معهم الذين ينقون السنة شيئاً فشيئاً من الدخيل، ومن هنا نشأت علوم خاصة مثل علم الجرح والتعديل وعلم الصحيح والحسن والضعيف ومصطلح الحديث وغيرها، وكل هذه العلوم نشأت لا لشيء إلا لتمييز الصحيح من غيره، ولا ننسى أن ذلك من الواجب على الأمة نحو السنة .

وقد كان التثبيت والتدقيق شأن الصحابة والتابعين ثم كانت كتب الصحاح كصحيح البخاري ومسلم وكتب السنن كسنن الترمذي وأبي داود والنسائي وابن ماجة .

تدوين السنة

الذين يطالبون بتنقية السنة يبررون ذلك بأنها لم تدون في عهد النبي صلى الله وعليه وسلم لذلك دخل عليها ما ليس منها ما ردكم؟

هذه شبهة المستشرقين الذين إما أنهم يتعمدون تشويه الحقيقة وهم يعرفونها أو أنهم لا يعرفونها، والثابت من النبي صلى الله وعليه وسلم أن أول ما نزل من القرآن وهو اقرأ باسم ربك الذي خلق . . . فأدرك صلى الله عليه وسلم أن الكتابة سوف تكون أساس الإسلام، وبالتالي اتخذ فوراً كتاباً للوحي، وأيضاً كتابا للسيرة وللسنة وكان منهم من هو كاتب أصلي ومن هو كاتب على سبيل الاحتياط، وبالتالي أصبح القرآن له كتابه والسنة لها كتابها سواء في مكة أو في المدينة فأصبح عندنا الكثير من الصحابة الذين كتبوا الحديث بين يدي النبي صلى الله وعليه وسلم مثل (جابر بن عبدالله أنس أبوهريرة عبدالله بن أبي أوفى) وكان يكتب بعضهم إلى بعض بالحديث وانتشرت الكتابة للحديث في عهد النبي صلى الله وعليه وسلم، وكانت الكتابة أساس المذاكرة في الحديث وكانوا أيضاً يمتحن بعضهم بعضاً ويذاكر بعضهم بعضاً هذا في عهده صلى الله وعليه وسلم، وهذا هو النوع الأول من الكتابة وهو ما يمكن أن نسميه الكتابة الشخصية، ثم جاءت الكتابة الرسمية في عهد عمر بن عبدالعزيز وأمر بكتابة الحديث في أوائل القرن الثاني، فهذه هي الكتابة الرسمية فأمر محمد بن مسلم بن شهاب الزهري بجمع المكتوب والبحث عن غير المكتوب، وبالتالي بدأ التدوين للحديث النبوي بصفة رسمية ثم بدأ التأليف أي التصنيف في الكتب، والبخاري هو الذي بدأ وميز الصحيح عن غير الصحيح، وميز الحديث النبوي عن غيره من الأقوال التي أدخلت عليه، فكانت الكتب قبل البخاري يكتب فيها ما جاء عن النبي والتابعين، فجاء البخاري وقام بتمييز الأحاديث التي هي عن النبي صلى الله وعليه وسلم فقط، وبالتالي ألف كتابه (الجامع المسند الصحيح المختصر من حديث رسول الله صلى الله وعليه وسلم وسننه وأيامه) ولم يدخل فيه كلام الصحابة أو التابعين واعتبر صحيح البخاري أول كتاب ينفرد بتمييز الصحيح ثم جاء مسلم في نفس المجال، وبالتالي أصبح تدوين الكتب للسنة النبوية فقط .

الباب مفتوح

ما قام به السابقون هل يعني وقف باب البحث وبذل الجهد للسنة النبوية أمام العلماء اليوم؟

البحث وبذل الجهد في السنة النبوية قائم إلى أن تقوم الساعة، فنحن بحاجة إلى شرح الحديث النبوي، نبحث في درجته ومدى الحكم عليه فليس كل حديث تم الحكم عليه يعني انتهت الكلمة بشأنه، ومن أبرز الجهود التي بذلت في هذا المقام جهود الشيخ الألباني سلسلة الأحاديث الصحيحة وسلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وهذا العالم ألف مجلدات كثيرة وبذل جهداً فائقاً في هذا الأمر .

ثم جهود النووي وقال الحكم إن الحديث لا يزال بكراً ولا يزال متاحاً أمام كل طائفة في كل فترة من خلال العلماء المتخصصين .

لا تعارض

هناك من يقول لا نأخذ بالحديث حتى ولو كان في صحيح البخاري طالما أنه تعارض مع حديث آخر أو مع آية قرآنية؟

لا تعارض بين حديث وآية قرآنية أو بين حديث وآخر، لأن الكلام النبوي وحي أيضاً من عند الله وكان الوحي متابع النبي صلى الله وعليه وسلم، وهناك أحاديث لم تكن من الوحي، فما كان صواباً أقره وكان سكوت الوحي عن الحديث إقراراً له، أما إذا كان هناك مجال لعدم الصواب في حديثه صلى الله وعليه وسلم يوضحه كما قال القرآن يا أيها النبي لما تحرم ما أحل الله، فكلام النبي ليس كلاماً عادياً وربنا سبحانه اصطفى رسوله صلى الله وعليه وسلم ليبلغنا الوحي (القرآن) وأن بيان القرآن موحى به والسنة هي التي تبين القرآن وتشرحه، وكان جبريل يأتي النبي صلى الله وعليه وسلم بالوحي وبالسنة المفسرة للوحي لأن ربنا سبحانه وتعالى قال هذا وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم هل النبي يبين عن الله من دون وحي (ثم إن علينا بيانه) ربنا هو الذي يبين فيقول سبحانه وتعالى وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا أي سواء أكان هذا أم ذاك متفقاً مع ما جاء في القرآن أو مستقلاً عنه وليس متعارضاً كما يزعم هؤلاء فقد استقل النبي ببيان شيء لم يكن ذكر في القرآن، مثل حرمة زواج المسلم بالمرأة وعمتها أو خالتها فجاءت في السنة ولم تأت في القرآن، إذاً هناك أمور استقلت بها السنة .

القرآنيون ومواجهتهم

القرآن وحده يكفي فلم يترك شاردة ولا واردة وليس لنا حاجة بالسنة هذا ما يقوله ما يسمون أنفسهم بالقرآنيين، متى ظهر هؤلاء؟ وما حجتهم؟

لم يكن هؤلاء على عهد النبي صلى الله وعليه وسلم، إنما ظهروا بعد وفاته، إذ حدث ارتداد من ضعاف الإيمان عن الإسلام والذين قاتلهم الخليفة أبوبكر الصديق رضي الله عنه وانتصر عليهم، وظهر هؤلاء الذين يدعون أنهم قرآنيون في عهد عمر بن الخطاب، وكانوا يقولون إن الرجم لم يأت في القرآن لذلك لا نرجم الزاني فرد عليهم عمر بن الخطاب وكشف زيفهم .

وكان لظهور هؤلاء المرتدين فرصة في تنقية الأمة الإسلامية والجيش الإسلامي منهم، فلو كانوا ضمن الجيش لأساؤوا ولأضروا أكثر من نفعهم فكان هذا تمييز إلهي .

أليست تسميتهم بالقرآنيين خطأ؟

هي كلمة حق أريد بها باطل، فلو قلنا كلمة قرآنيين باطل فأنا أبطل القرآن، وهم يدعون أنهم قرآنيون ولذلك نقول كلمة حق أريد بها باطل، هم ليسوا في الحقيقة كذلك، فلو كانوا قرآنيين لاتبعوا رسول الله صلى الله وعليه وسلم تصديقاً للقرآن الكريم الذي يقول: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) و(من يطع الرسول فقد أطاع الله) .

مواجهة هؤلاء هل تكون بالرد عليهم ومناظرتهم أم بالصمت وتجاهلهم؟

لا . . لا بد من الرد على هؤلاء كما فعل عمر بن الخطاب فلا بد من محاورتهم لنعرف حجتهم وندحضها ونقضي عليها فلا حرج من تحليل كلامهم والرد عليه لدحض مفترياتهم .

ولكن هناك من يرى أن الرد عليهم ومحاورتهم يعطيهم شهرة وهذا ما يريدونه من وراء ترهاتهم؟

القرآن الكريم كان يفضح كلمات المنافقين ولم يكن هذا إشاعة لنفاقهم، والحوار مع المنافقين يحتاج إلى ذكاء شديد .

نص الحديث وفهمه

هناك من يرى أن الأحاديث النبوية بحاجة إلى شرح وتوضيح حتى يفهمها الناس ولا يقتصر الأمر على ظاهر النص ماذا تقولون في ذلك؟

هناك جهود بذلت في شرح وتوضيح السنة مثل كتاب (المختار من كنوز السنة) للدكتور محمد عبدالله دراز وأيضاً كتاب (دستور الأخلاق في القرآن) . . هذان الكتابان شرحا السنة شرحاً عصرياً يجمع بين الأصالة والمعاصرة ومن الممكن أن يستفاد منهما، وتوجد شروح حديثة لصحيح مسلم وصحيح البخاري وأتمنى أن تأخذ طريقها إلى الناس، والمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر يقوم أيضاً بطبع بعض الكتب وكذلك مجمع البحوث الإسلامية لنشرها وتيسير اقتنائها للعامة والخاصة .

ولكن أيهما أفضل الأخذ بظاهر نص الحديث أم بفهم النص وشرحه؟

كلا الأمرين، فنأخذ بظاهر النص في بعض المواقف ونأخذ بفحوى النص في البعض الآخر لكن الذي يحدد هذا وذاك هو العمل والفهم النبوي للحديث فمثلاً قوله (يؤم الناس من هو أقرؤهم لكتاب الله) فكلمة أقرؤهم بمعنى أحسنهم تلاوة وهناك من يفهمها أنها الأكثر فقهاً للصلاة فكان الصحابة لا يحفظون آية حتى يفهموا معناها ويعملوا بها .

ما حكم من ينكر ويرفض العمل بالسنة المطهرة؟

الذي ينكر العمل بالسنة النبوية هو لا شك مريض القلب، لأن من ينكر ذلك فهو ينكر العمل بما هو معلوم من الدين بالضرورة، فهو أنكر القرآن الذي يأمرنا بأن نأخذ بما آتنا الرسول وأن ننتهي عما نهانا عنه، وبالتالي الذي ينكر السنة النبوية ليس مسلماً .

خلافات التيارات

معظم التيارات والجماعات الإسلامية تقول إنها تتبع السنة ورغم ذلك نجد خلافات بينها تصل أحياناً إلى حد الصدام، كيف ترون ذلك؟

لأن التكوين الفكري والثقافي لهؤلاء غير كامل وكثير منهم لا يحيط علماً بأبعاد المسألة التي يتحدث فيها، ولا يجوز لهؤلاء من محدودي العلم والثقافة أن ينكروا على أحد رأيه أو فكره . . فالمعرفة الجزئية هي التي ينشأ عنها التعصب لمذهب معين من دون بصيرة، ولذلك نحن في الإسلام نأمر بالمعروف وندعو إليه ولا نفرضه أو نلزمه حتى الدعوة إلى الإسلام نفسه تكون بالموعظة وليس بالإلزام، لأني لو ألزمته عملت على إكراهه على الدين ونحن منهيون عن الإكراه في الدين، ونحتاج إلى حوار علمي هادئ لمواجهة مثل هذه الاختلافات .

واجبنا نحو السنة

ما واجبنا نحو السنة المطهرة كعلماء وكعامة؟

الدفاع عن السنة فريضة، والمسلم يجب أن يدافع عنها بمنتهى الإخلاص والصدق والتحري والتدقيق، والصحابة كانوا يدققون حتى مع بعضهم بعضاً وكانوا يتحرون كل سبل التوثيق، وعندما نتذكر قوله صلى الله عليه وسلم الدين النصيحة قلنا لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم والنصيحة لرسوله تعني الإخلاص له حياً وميتاً ومن ذلك الدفاع عن السنة .

وواجبنا أيضاً نحو السنة المطهرة الدراسة المتأنية والتي تعرف كيف تختار الأحاديث التي تدرسها في العقيدة وفي العبادات والمعاملات والأخلاق والسلوك ثم تطبق ما تعلمته .